; من الحياة :التربية الذوقية (2) | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة :التربية الذوقية (2)

الكاتب سمير يونس

تاريخ النشر السبت 08-أغسطس-2009

مشاهدات 69

نشر في العدد 1864

نشر في الصفحة 56

السبت 08-أغسطس-2009

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد

تناول المقال السابق التربية الذوقية، فعرض لمعنى الذوق، وواقعه في حياتنا، وأسباب ضعف الذوقيات في أقوالنا وأعمالنا، ثم ختمت بمجالات الذوق، فتناولت بعضها؛ وهي: الذوق في المظهر العام، وذوقيات الرجل في التعامل مع أفراد بيته، والذوق في معاملة الخدم، وأخيرًا الذوق مع حارس البيت، وبقيت مجالات متعددة أخرى، أحاول أن أستكملها في السطور القادمة.

 خامسًا: ذوقيات الزوجة في بيتها:

مع الزوج:

1-قبل أن تدخلي على زوجك في غرفته اطرقي الباب واستأذني، فبعض النساء يتصورن أن الحميمية تقتضي أن يدخلن على أزواجهن دون استئذان، وتغفل الزوجة عن أن دوام الحب يقتضي أن يحرص كل منهما على الظهور بمظهر أنيق جذاب أمام الآخر، وأن دخولها عليه فجأة قد يجعلها ترى ما لم تحب أن تراه، أو ربما يظهر أمامها دون أن يتهيأ بملبس تحبه، أو عطر تفضله أو غير ذلك مما يجذبها نحوه.

2-استقبلي زوجك بابتسامة رقيقة ومصافحته، فإن هذه الأشياء تؤلف القلوب، وتذيب العوائق بين النفوس، وتجعل الزوجة تصل إلى قلب الزوج بأقل مجهود، وفي أقصر وقت ممكن، وبشكل طبيعي دون تكلف أو تعسف.

3-لا تعبثي ولا تنقبي عن خصوصياته ما لم يطلب منك شيئًا، فقد يكون من بين أوراقه وثائق خاصة بالعمل تقتضي قيم العمل وأخلاقياته ألا يعرفها غيره؛ ومن ثم فليس من حقك -أيا كان السبب- اقتحام أسرار العمل، وأنت بذلك ربما تضرينه، أو تضرين بالمؤسسة التي يعمل بها.

-4 إذا اضطررت -وأنت تنظفين البيت أو ترتبينه- لتحريك شيء يخص الزوج فابدئي بالاستذان، ثم عليك أن ترديه إلى مكانه بعد أن تنتهي من مهمتك.

5-إذا اعتذر زوجك عن إساءته إليك فمن الذوق أن تقبلي اعتذاره، بل عززي فيه هذه الصفة، فالاعتراف بالحق واجب والاعتذار نقطة قوة فيه وليست نقطة ضعف، ومن الكرم أن تقبلي الاعتذار، وهذا يزيدك شرفًا وقدرًا، إن لم يكن عند البشر فعند رب البشر.

-6 افرحي لفرح زوجك، وتألمي لألمه واحزني لحزنه، مع مراعاة التخفيف عنه دائمًا، وبث الأمل إذا جزع والطمأنينة إذا خاف.

7-من الذوقيات أن تسأليه عما يحتاج قبيل خروجك، أو قبيل نومك، وأن تستأذنيه قبل الخروج وقبل النوم.

-8 من الذوق أن تستنصحيه وتبيني له أنك في حاجة شديدة إلى نصيحته فإذا وفقه الله في إسداء النصح السديد فلتأخذي بنصحه.. وكذلك إذا طلب منك مشورة أو نصيحة فمن الذوق أن تقدميها بحب ودون تكبر منك أو تعال.

9-كوني كالإسفنج، فلا تقابلي عصبيته بعصبية مثلها، أو دونها أو أكثر منها، ولكن حاولي أن تمتصي غضبه وألا تعاتبيه ساعة عصبيته.

10-بادري بمساعدته إذا ظهر لك أنه في حاجة إليها، ولا تتباطئي، ولا تنتظري حتى يطلب ذلك منك.

-11 احترمي هواياته واهتماماته وأعماله حتى لو كانت تافهة، فإذا لزمت النصيحة فلتكن بالحكمة والموعظة الحسنة بل يمكن أن يقوم بها غيرك من الأشخاص المؤثرين فيه؛ لأن النقد ربما يأتي بنتائج عكسية لدى كثير من الأزواج.

12-لا تكذبي زوجك أمام الناس، فإذا حكى قصة مثلًا وكنت أنت معه ساعتها ونسي شيئًا وهو يحكي أو زاد شيئًا، أو غير فلا تقاطعيه، ولتصوبي بعد ذلك له -دون أن تتهميه بالكذب- مبررة ذلك بأنه ربما نسي، أو لم ينتبه ساعة أحداث القصة ولكن لا توجهي إليه أبدًا تهمة الكذب حتى إن كان كذلك.

13-حاولي أن تظهري دائمًا أمامه في أبهى مظهر وأجمل صورة، كي تقر عيناه بك ولا ينظر إلى سواك.

14-اخفضي صوتك أمامه، ولا تتعللي دائمًا بأنك خلقت هكذا ذات صوت عال، وأنك لا تستطيعين أن تغيري من صوتك؛ لأن رفع الصوت يؤذي كثيرًا من الأزواج، وينفرهم من زوجاتهم، ولا حجة لك في أنك لا تستطيعين التغيير، لأن الله عز وجل قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ (الرعد: 11)؛ فأنت تمتلكين الإرادة والعزيمة على هذا التغيير، فاعزمي واستعيني بربك وهو معينك لا محالة بإذنه تعالى.

15-كوني مع زوجك ناعمة الملمس ودودة، وإياك أن تتصفي بخشونة الرجال، أو تتعصبي بدعوى أن في ذلك وسيلة للسيطرة عليه.

 إن الخشونة صفة تتعارض مع طبيعة المرأة التي فطرها الله عليها، والمرأة الخشنة لا تقسو على زوجها فحسب، بل تقسو على نفسها، تكثر من مقاطعته، وتتصلب في رأيها، كما أنها مغرورة في صلف وعنف وتلك صفات تنفر أي زوج من زوجته.

مع أولادها :

1-من الذوق أن تحترمي رغبات أولادك حتى إن كانت مخالفة لك وللذوق العام؛ فكثيًرا ما يفضل أولادنا -مثلًا- ملابس معينة، لا تليق بثوابتنا وقيمنا، وهنالك فإن الذوق يقتضي أن نحاورهم في ود وحب،وأن نظهر لهم حبنا وحرصنا على أن يكونوا أفاضل، وأن يكونوا عناوين لبيوتهم الأصيلة المتدينة، وهذا يختلف عن ممارسات كثير من الأمهات عندما يصرخن في أولادهن ويجبرنهم بالإكراه على أن يلبسوا ما ترغب الأمهات فيه، ودون تفاهم أو نقاش أو حوار.

2-من الذوق أن تنصتي وتستمعي جيدًا لأولادك حين يتحدثون، وألا تحاكمي أفكارهم قبل أن ينتهوا من عرضها، حتى وإن كانت خطأ؛ لأن ذلك يحبطهم، ويقتل عندهم القدرة على إبداء الرأي، واتركي تقويم أفكارهم حتى ينتهوا من عرضها تماما، بل اسأليهم بعد أن يفرغوا من عرضها: هل لديكم أشياء أخرى تحبون أن توضحوها؟ فذلك يحقق لهم ذواتهم، ويشعرهم بالتقدير والاحترام، فيبادلونك بالتقدير والاحترام ذاته، ويستمعون لرأيك ويستجيبون.

3-انظري إليهم نظرة حب واهتمام-عندما يحدثونك أو تحدثينهم- واحذري أن تصرفي بصرك إلى جهة أخرى سوى أعينهم، فمن هدي رسول الله أن جليسه كان يشعر -من النظرة الحانية- لعينيه أنه أحب الجلساء إليه لإيجاده لغة وجدانية حنونة دافئة بينه وبين من يحدثه أو يستمع إليه

4-ومن الذوق أن تفي بوعدك معهم فلا تترددي عن فسحة، أو جائزة، أو هدية ما دمت قد وعدت أحدهم بذلك، والتزمي بمواعيدك معهم، فلا تتأخري لأن ذلك يؤلمهم.

5- لا تواجهي أولادك بالنقد اللاذع، واقتصدي في نقدك لهم قدر الإمكان فلا تقولي له: أنت متردد في القرار، أو أنت بطيء، أو أنت غير قادر على الدراسة، بل قولي: أنت تتريث في اتخاذ القرار، وهذا أمر جيد، والأفضل منه أن تفكر بسرعة وتصلي الاستخارة، ثم تمضي في تنفيذ الأمر إن شرح الله صدرك له.

وفي حالة من انخفضت درجاته في المدرسة يمكن -بدلًا من النقد اللاذع المحبط- أن تقول له: أنت نجحت في الاختبار الحمد لله، لكني واثقة بأنك ذكي ولديك قدرات عقلية ومهارات دراسية تمكنك من أن تكون أفضل من ذلك بكثير، بل تؤهلك لأن تكون فائقا في صدارة الأوائل من الطلاب، ثم ذكريه ببعض نجاحاته الدراسية والحياتية لتمنحيه الثقة بنفسه، ثم شجعيه على الدراسة ورغبيه فيها، وأكثري من الدعاء له، وانتظري -بيقين -ثمار ذلك.

سادسًا: ذوقيات المراسلة:

 غدت المراسلة في عصرنا الحالي وسيلة من أفعل وسائل الاتصال وأسرعها، بل تنوعت، فهناك الرسائل التقليدية الخطية المكتوبة، وهناك الرسائل الهاتفية، وتوجد أيضا رسائل البريد الإلكتروني.

1-  البسملة:

 ومن ذوقيات المراسلة: فمن ذوقيات المراسلة البدء بالبسملة فباب صدر الرسائل »بسم الله الرحمن الرحيم»، وقد بدأ بها سيدنا سليمان عليه السلام في رسالته لملكة سبأ باليمن: قال تعالى على لسان سليمان: ﴿قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ (النمل23:).

-2 جواب الكتاب كرد السلام

 ألم يعتب عليك أحد الأصدقاء مرة لأنك لم ترد عليه بعد أن راسلك؟ أو حتى لأنك فات الح تأخرت في الرد؟

 إن من الذوق أن يتجاوب المرسل إليه فيبادر بالرد على رسالة المرسل في أقرب وقت؛ لأن ذلك دليل تقدير وتفاعل؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إني لأرى الجواب الكتاب حقًا كرد السلام«

3-  شكل الرسالة ولونها:

 فإن كانت الرسالة دعوة لعرس مثلًا عبر لونها عن الموقف، وازدانت بالورود، وإن كانت للزوجة كانت فيها من الألوان والأشكال كالقلوب والزهور ما يعبر عن ذلك ويجسده ومن الذوق هنا أيضًا في الرسالة التنسيق بين ألوان الخطوط وأنواعها ، فجمال الخط مدعاة لانشراح صدر القارئ وسعادته وسهولة فهمه فمن أقوال العرب: «الخط أحد اللسانين وحسنه أحد الفصاحتين«

 -4 مضمون الرسالة:

 من الذوق أن يعبر مضمون الرسالة عن المعاني والأحاسيس التي يشعر بها المرسل تجاه المرسل إليه، دون تهويل ولا تهوين، وأن تخلو من المداهنة والإهانة، فيكون معناها رقيقًا لطيفًا دون ابتزاز ونفاق من فعل المرسل للمرسل إليه، ولا بأس أن تكون فيها مجاملة معقولة إذا كانت للزوجة أو كانت لتأليف القلوب، ولكن دون مبالغة أو مخالفة للحقائق.

 سابعًا: ذوقيات الزيارة:

 حكت لي إحدى طالبات الجامعة مرة -في سياق اعتذارها عن ضعف أدائها في الاختبار- أن ضيفة ثقيلة زارتها ليلة الاختبار، فلمحت إليها أن عندها اختبارًا غدًا وأنها تدرس، وأنها مرهقة جدًا، فلم تنصرف الضيفة.

 قالت الطالبة فتصنعت التثاؤب عسى أن تُحس الضيفة بي، ودخلت غرفتي وتركتها في مكان استقبال الضيوف، ثم عدت لعلها تتركني لظروفي، ولكنها لم تستأذن فصارحتها، واضطررت أن أكون جافة معها حتى استأذنت.

إن ديننا العظيم يفيض ذوقيات في هذا المجال، فقد علمنا كثيرا من ذوقيات الزيارة ولعل من أهم هذه الذوقيات ما يلي:

1-  الاستئناس قبل الزيارة:

 فقد وجهنا القرآن الكريم إلى هذا الذوق قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾(النور:27). فثم فرق بين الاستئذان والاستئناس فالأخير يزيد إحسان اختيار الوقت وترك الخيارات لأهل البيت المراد زيارته.

2-  إذا زارك أهل البيت ولم يستطيعوا استقبالك فلا تغضب، وتقبل ذلك عن طيب خاطر، قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾ (النور:28).

3-  إذا ذهبت للزيارة -بعد الاستئناس- فلا تقف أمام باب البيت، بل على جنب منه فمما روي عن رسول الله أنه كان »إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر« ( رواه أبو داود).

4-    أن تستأذن ثلاثًا فقط، فإن لم يؤذن لك ارجع، وهذا يعني أن تطرق الباب ثلاث مرات فقط، بين كل مرة والتي تليها بعض الوقت لإتاحة الفرصة أمام أهل البيت كي يتهيؤوا لاستقبالك.

5-  إذا طرقت الباب، فسألك واحد من أهل البيت من أنت؟ فلا تقل أنا، بل اذكر اسمك حتى يعرفوا من الزائر.

6-  إذا دخلت البيت من الباب فكن رفيقًا به عند إغلاقك إياه، فليس من الذوق أن ترده بعنف وشدة، فيضر بأهل البيت، فمن توجيهاته: »أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه » (رواه مسلم)

7-   ألا تصطحب معك أحدًا عند زيارتك ما دمت لم تستأذن في ذلك.

8-   اجلس حيث يأذن لك صاحب البيت، وليس كما ترغب أنت، فمن هدي رسولنا الكريم في ذلك: « ولا تقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه، ولكن مع مراعاة أن تجلس في مكان لا ترى منه أحدًا من أهل البيت في الداخل، حتى يأخذوا حريتهم في الحركة دون أن تقيدهم، وغض بصرك عن العورات، أو ما تقع عليه عيناك من سوء، واستر -إن ظهر لك ذلك- على من تزورهم«

الرابط المختصر :