العنوان ثقافة .. التزام الأديب المسلم
الكاتب الأستاذ الأديب الداعية د. عبد الباسط عبد الرزاق بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
مشاهدات 74
نشر في العدد 943
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
- الناقد القادر هو الذي يكشف مواطن التألق والإبداع ومواطن الضعف
والقصور في النص.
- هل نخطئ إذا لفتنا نظر الأدباء
باتجاه واقعهم الكبير.
- مادام الناس متفاوتين في الإيمان
فإنهم متفاوتون في الالتزام بتطبيق القِيَم الإيمانية في حياتهم.
لا جدال في أن مصطلح «الأدب الإسلامي» قد وقف على قدميه في
ساحاتنا الثقافية اليوم، وألفته الآذان، وتداوله عدد غير قليل من الدارسين في
كتاباتهم، وأن القضية التي يحملها قد حفرت مجراها وانسابت فيه، متسارعة حينًا،
وبطيئة حينًا آخر لا يخلو طريقها من معوقات وعقبات..
وقد حمل الرواد الأوائل: محمد قطب، وأبو الحسن الندوي ونجيب
الكيلاني، ود. عماد الدين خليل، ود. عبد الرحمن رأفت
الباشا.. وآخرون، عبء الدعوة لقضية الأدب الإسلامي في مراحلها المبكرة،
واستقبلوا ردة الفعل الأولى، وكانت عصيبة في معظمها، أكثرها إنكار ورفض، وأقلها
ترحيب وحماسة، وكانت المهمة الصعبة آنئذ: أن تجد القضية أرضًا تقف عليها،
وآذانا تستسيغها، فالذين ينكرون الدعوة ويرفضونها يكيلون لها تهمًا شتَّى،
منها: «أنها بدعة لم يعرفها تراثنا النقدي في تاريخه الطويل» و«أنها مزاحمة
للأدب العربي تُهوِّنُ من شأنه» و«أنها تصنيف للتراث، يجعل معظم نصوصه جاهلية
أو مرتدة».. وغير ذلك من التُّهم الظالمة.
ولقد صبر أولئك الرواد، وصابروا، وواجهوا العاصفة ببسالة عالية
واستطاعوا بمناقشاتهم الشفوية الكثيرة، وكتاباتهم القليلة أن يدحضوا التُّهم
ويثبتوا براءة دعوتهم منها، وخرجوا من المواجهة ظافرين فكسبت قضية الأدب الإسلامي
مواقع مهمة في ساحات عدة، واهتمت بها بعض الجامعات الإسلامية، وجعلتها ضمن
مقرراتها الدراسية، وظهرت لها منابر عدة في البلاد الإسلامية: عربية وغير
عريبة من المغرب إلى الهند، ومن تركيا إلى السودان.
وأخيرًا تُوِّج ذلك الظفر بقيام رابطة الأدب الإسلامي العالمية، تحمل
برنامجًا طموحًا للنهوض بالأدب الإسلامي ورعاية أدبائه حيثما كانوا وبدأت حملة
تالية لا تقل أهمية عن مرحلة الريادة الأولى: وهي مرحلة مواصلة العمل، وإقامة
البناء على الأرض التي كسبتها القضية ليظهر أبعادها المختلفة.. ويؤصل
مفهوماتها ويشرح قواعدها الرئيسة، ولا تقل هذه المرحلة خطورة وحساسية عن المرحلة
السابقة، بل هي الامتحان الحقيقي لصحة قضية الأدب الإسلامي، والفرصة كبيرة لإثبات
مصداقيتها، فإذا فشلت أو ضيعت الفرصة المتاحة- لا سمح الله- وئدت القضية
في طفولتها، وتحمَّل الجيل المسلم المعاصر أوضار تجربة فاشلة، تضيف إلى همومه
وآلامه مرارة الإحباط وقسوة الفشل، وتجعله- وتجعل أجيالًا عدة بعده- يحجم عن
أية محاولة مماثلة.
ويصح أن نسمي هذه المرحلة مرحلة تأصيل المفهومات وإقرار المصطلحات
وتثبيت الضوابط والمقاييس.
لذلك: فهي تقتضي جهودًا فائقة من جهات عدة، تعد بمجموعها مسؤولة
عن قضية الأدب الإسلامي، وقائمة بأمانة التكليف ونائبة عن المجتمع المسلم في أداء
فرض الكفاية في ميدان الأدب ونقده، وتضم تلك الجهات:
- الأدباء المسلمين الذين يبدعون أعمالًا
أدبية في فنون الأدب كلها، العقيدة والقصة والتمثيلية والمقالة والسيرة... الخ.
- النقاد الذين ينهضون بواجب تقويم هذا
الأدب وتسديد مسيرته.
- الدارسين الذين يواكبون حركة الأدب
الإسلامي ويرصدون ظواهرها الفنية والمعنوية.
- الإعلاميين الذين يتخطون أسوار
الصمت –التي يقيمها خصوم الإسلام وأدبه- ويشيدون للأدب الإسلامي منابر
عدة.
- دور النشر التي تتقرب إلى الله بنشر
الأعمال الإسلامية ووضعها في متناول أيدي المسلمين في بلادهم القريبة والبعيدة.
- الجامعات الإسلامية التي تنتظر منها
دراسات جادة للأدب الإسلامي، وتدريسًا لمناهجه وقضاياه.
ولو جئنا نرتب الأولويات في تلك المسؤولية لوجدنا المسؤولية الكبرى
تتوزع بين طرفين اثنين، هما: الأديب المسلم والناقض المسلم ولو دققنا النظر
في طبيعة مسؤوليتهما، والكيفية التي يستطيعان أن ينهضا بها لوجدنا الإجابة في كلمة
واضحة الدلالة مكافئة لتلك المسؤولية هي: الالتزام.. التزام الأديب
المسلم.. والتزام الناقد المسلم.
التزام الأديب المسلم بالإبداع المتواصل –ما أعانته موهبته على
ذلك- في إطار الأدب الإسلامي.
والتزام الناقد المسلم بالعكوف على الإبداع الأدبي الإسلامي، ودراسته
دراسة موضوعية جادة.
الإسلامي، وهو الذي يصنع النص، والنص لبنة الأدب الإسلامي، لا يقوم
بنيانه إلا بها، وبالنص تقوم الحُجة على وجود ذلك الأدب، والنص هو الجسر الحقيقي
إلى قلوب الآخرين، والطريق الأمثل لإقناعهم، وهو –أيضًا- المزرعة التي
يعمل فيها النقاد والدارسون ويستنبتون منه قواعد التنظير وشواهده.. وبدون
النص ستكون كل كتابة في تنظير الأدب الإسلامي بناء في الهواء.
ولئن كانت مرحلة التأسيس والريادة تعتمد على كثير من الشروح
والتفصيلات، وقليل من النصوص، فإن مرحلة التأصيل والإنضاج تقتضي كثيرًا من النصوص،
وقليلًا من القواعد والمقاييس الدقيقة المنضبطة، ومن الخطأ الكبير أن تكون الكتابة
في هذه المرحة «تصورية» ترسم حالة مثالية غير موجودة أو نادرة
الوجود.. ومن الخطأ –أيضًا- أن يكون التطبيق الواقعي هو المصدر
الوحيد للتنظير والتقعيد، فقد يحمل التطبيق عثرات المرحلة التي يمر بها، وقد يكون
في حاجة إلى تصويب وترشيد.
وأما الناقد «القادر» فهو الذي يروز النص، ويكشف مواطن
التألق والإبداع، ومواطن القصور والضعف فيه، بما آتاه الله من حاسة نقدية متميزة،
ربما اجتهد في تحصيلها من خبرة ودربة وهو الذي يبصر موقع الأديب وأدبه في خريطة
الأدب الآنية، والعامة، وهو الذي يقرأ تضاريس الحركة الأدبية بعامة، ويدرك تسارعها
وتباطؤها، ويدرك أيضًا مدى ارتقائها بالذوق العام أو هبوطها به، ومدى وفائها لحاجة
الفرد الجمالية والنفسية والاجتماعية أو قصورها فيها، لذلك كله، نحن في حاجة إلى
أن يعكف على الأدب الإسلامي ويجعله ميدان دراساته، فإن لم يحصر نفسه في هذا الأدب
فلا أقل من أن يجعله ميدانه الأول وقضيته الأساس، ولابد أن نذكر النقاد بذلك،
فالإنتاج الأدبي الإسلامي كثير، بعضه يحتاج للنقد كي يقوِّمَه وبعضه يحتاج للنقد
كي يذيعه ويعوضه عن الأضواء التي أبعدت عنه، ويبلغ صوته لمن لم يصلهم بعد..
ولكن، لم الالتزام؟
ألا يكفي أن نترك الأديب المسلم والناقد المسلم على سجيتهما؟ أليس
كونهما «مسلمين» يجعلهما يعيشان القضايا الإسلامية بالضرورة، ويرتبطان
بالأدب الإسلامي –إبداعًا ونقدًا- بالبداهة؟
أليس في «الالتزام» سلبيات تجعل إثمه أكبر من نفعه؟!
ألا يؤدي الالتزام إلى: تقيد حرية الأديب والناقد والحد من آفاق
إبداعهما؟
ثم ألا يؤدي الالتزام إلى وضع الأدب الإسلامي تحت مظلة الآداب
الملتزمة التزامًا جاهليًّا: وفي مطلعها الأدب الواقعي الاشتراكي والأدب
الوجودي؟
لا شك أن هذه الأسئلة –وأمثالها- مهمة جدًّا، تقتضي أن نقف
عندها وقفة تُجْلِي الحقائق وتستبرئ من الشبهات..
وسوف نناقش كلًا منها في فقرة خاصة، ونكتفي –الآن- بالحديث عن
الأديب المسلم، وفي يقيننا أن نقوله عنه يصدق تمامًا على الناقد المسلم.. وفي
نيتنا أيضًا أن نفرد في حلقة قادمة مناقشة خاصة للنقد والنقاد إن شاء الله.
- مسوغات الالتزام
لم الالتزام؟
ألا يكفي أن يكون الأديب «مسلمًا» ليعيش قضايا الإسلام
والمسلمين بالضرورة؟
الجواب: لا.. لا يكفي.
وأبسط التعليلات أن نقول: لو سألنا أنفسنا هل كل
أديب «مسلم» يبدع أدبًا إسلاميًّا؟ لوجدنا الجواب نفيًا يعزز نفينا
الأول ويؤكده.
فالإسلام دين يدخل فيه الناس بعامَّة، ويعتنقون عقيدته ويطقون أحكامه
بأقدار متفاوتة، فمنهم من تجري العقيدة في شرايينه وتحكم سلوكه في سره وعلانيته.. ومنهم
من وجد نفسه «مسلما» بالوراثة، لا يكاد يفقه من إسلامه شيئًا.. وبين
هذا وذاك حالات لا تُحصى، يتفاوت فيها التزام المسلم بإسلامه من حالة إلى حالة.
وهذه حقيقة بينها القرآن الكريم وأكدها في أكثر من موضع، فقد قسم الله
سبحانه وتعالى المسلمين إلى أقسام ثلاثة: ظالم لنفسه ومقتصد، وسابق بالخيرات.. فقال: ﴿ثُمَّ
أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ
بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (فاطر: 32)، ووصف بعض
الأعراب «المسلمين» بأنهم مجرد مسلمين، وليسوا مؤمنين فقال: ﴿ قَالَتِ
الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا
يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ (الحجرات:
15)
وبيَّن أن الإيمان يزيد وينقص، وحث «المؤمنين» على زيادة
إيمانهم بطرق شتَّى، منها تلاوة القرآن، وذكر الله كثيرًا، وطاعة الله ورسوله.. إلخ ﴿فَأَمَّا
الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (التوبة: 124)
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا
إِيمَانًا﴾ (الفتح: 4) ﴿ وَيَزْدَادَ
الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (المدثر:
31).
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نص صريح يقول: «الإيمان يزيد
وينقص» (رواه ابن ماجه).
ومادام الناس متفاوتين في الإيمان فإنهم متفاوتون في الالتزام بتطبيق
القيم الإيمانية في حياتهم، ولا ضير في حثهم على ذلك الالتزام، واتِّباع الأساليب
الأجدى لتعميق إيمانهم وتقويته، ومن ثم تعميق التزامهم بدينهم في جوانب حياتهم
كلها، ولا شك أن المؤمن لديه قدر معيَّن من الالتزام بعقيدته فكرًا وسلوكًا، وبدون
ذلك القدر يفقد صفة المؤمن ويخرج إلى النفاق أو الكفر، وكلما ازداد إيمانه ازداد
التزامه واتسع مداه.
ويلحق بقضية «الإيمان» قضية أخرى تتصل
بموضوع «الالتزام» الذي يعنينا وتؤثر فيه، هي قضية «الاهتمام
بالآخرين».
فمن المُسَلَّمِ به أن الناس يختلفون في طبائعهم وعلاقاتهم مع غيرهم،
فمنهم من يتحمس للتفاعل مع الآخرين، وينمِّي علاقاته بهم ويهتم بقضاياهم ومنهم من
يحدد علاقاته مع غيره ويضيقها ويحصر اهتمامه في نفسه وأسرته.
وتظهر آثار تلك الفروق في الأدباء وتؤثر في إبداعهم، فتجعل بعضهم يتجه
إلى القضايا العامة، ويتحسس مشكلات بيئته والأحداث الطارئة على مجتمعه، ويبدع فيها
قدرًا من نتاجه، بينما تدفع بعضهم الآخر إلى الفردية والتقوقع حول الذات وفنائها.
وهذه الطباع قابلة للنمو، وقابلة للتغيير إلى حد كبير، فالذين يميلون
إلى القضايا العامة الاهتمام بالآخرين يمكن أن يتحولوا إلى «أدباء مسلمين
دعاة» وأصحاب الميول الذاتية يمكن أن يستغرقوا في فرديتهم، وربما
يتحولون إلى النقمة على المجتمع ومعاداته، لذا فالاهتمام بأصحاب تلك الميول والعمل
على تنمية «الاهتمام بالآخرين» وتخفيف حدة «الفردية» أمر له
نتائج طيبة ليس على الأدب الإسلامي وحسب، بل على المجتمع المسلم
بعامَّة، فالبحث عن الذين يملكون طباع «الاهتمام بالآخرين» وتنمية تلك
الطباع فيهم، وصقلها، وتزويدها بالخبرة والدراية كالكشف عن جوهرة في منجم، وصقلها،
لتسطع شعاعاتها ويتضاعف عطاؤها، ثم إن هذا الأديب الذي لديه طبع «الاهتمام
بالآخرين» بل والأديب الداعية أيضًا، قابل للتغيير والانغلاق والإعراض عن
قضايا الأمة أو معالجتها برؤية قاتمة، وبخاصة إذا توالت عليه الصدمات، أو
أحس –ولو إحساسًا خاطئًا- إنه مهضوم الحقوق، لا يجد من يقدر موهبته، أو
يحس أنه يحرث في أرض مجدبة، ويبدد طاقاته بلا فائدة.
وكم من أديب جعلته صدمات صغيرة ينكفئ على نفسه أو يتحول إلى متشائم
ساخط على الآخرين، يصمت ويخنق صوت الإبداع فيه.
إذن ليست الأمور على عواهنها، وليس من مصلحتنا أن نقف مكتوفي الأيدي
إزاء الأدباء المسلمين، تتقاذفهم الأحداث، وتؤثر فيهم الصدمات- وما أكثرها في
عصرنا الحاضر- وخير لنا ألف مرة أن نمد يدنا إلى أصحاب المواهب، ونساعدهم على
تجاوز عثراتهم، والخروج من الفردية الأنانية، والتخلص من السوداوية والتشاؤم،
والانتقال إلى هموم الشخصية المسلمة وتطلعاتها، وآلام المسلمين وآمالهم.. خير
لنا أن نفعل ذلك، ونكسب للأدب الإسلامي وللمجتمع الإسلامي دعاة وبناة من أن نلتف
بالصمت وننتظر أن يصحو الأديب المسلم المصدوم من صدمته- وقد لا يفيق
منها- ونقول لابد أن يدفعه «إسلامه» إلى الطريق الصحيح ولا يجوز
لنا أن نهمس في أذنه: لولا خرجت من شرنقتك الخانقة نظرت حولك؟! لولا صرت
أديبًا ملتزمًا بقضايا الشخصية المسلمة والمجتمع المسلم وتحسست جراحاتها؟!
وثمة مسوغات أخرى لالتزام الأديب المسلم تنبت من واقعنا المعاصر ومن
الأدب الذي يسيطر على قسم مهم من ساحاتها.
فلا يخفى على أحد أن مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة تعاني من هجوم شرس
يسعى إلى سلخها من إسلامها، أو محاصرة الإسلام فيها في زوايا ضيقة، بعيدة عن
شرايين الحياة الإسلامية: السياسة والاقتصاد والإدارة والتعليم والفنون
والآداب... إلخ، ويزيد من خطورة هذا الهجوم أنه ليس هجومًا عسكريًّا يستثير
المسلمين، ويحيى فيهم روح الجهاد، إنما هو هجوم «مدني» يستخدم أساليب
ذكية هادئة ماكرة، ويوظف بعض أبناء الأمة الإسلامية نفسها ليكونوا رأس الحربة
ومعاول الهدم والتدمير، فمن أساليبه: ترويج الظواهر الثقافية الغربية، وتغيير
شخصية الفرد المسلم وجعله نسخة مقلدة وهزيلة للشخصية الغربية، تقلدها في جوانب
الهبوط والتفسخ وليس في جوانب الابتكار والتفوق المدنِي وتنسلخ –من
ثم- من تراثها الحضاري الأصيل، وتتعلق بكل وافد دون تمحيص يذكر.
ولا يغيب عن دارس الأدب العربي الحديث كيف تسللت ظواهر تغريب كثيرة من
بوابة الأدب وكيف استخدمت منابره المتعددة، وكيف ظهرت ونمت حركات الرفض والتمرد
والهدم في ساحاتنا الأدبية، وعلى سبيل المثال- لا الحصر- بدأت حركة الشعر
التفعيلي على شكل تجارب فردية عند نازك الملائكة وبدر شاكر السياب بتأثير من
ثقافتهما الإنجليزية، وما أن سارت التجربة خطوات قليلة حتى اختطفها دعاة التغريب- التغريب
الاشتراكي والتغريب الرأسمالي- وأوغلوا فيها، وحولوها إلى حركة تمرد ساحقة،
لا لتعديل أوزان الشعر العربي وقوافيه وحسب.. بل لتحطيم النظام الإيقاعي
للشعر العربي كله، ثم لتحطيم القاعدة اللغوية العربية، ثم
لإقامة «مضمون» حداثي يرفض الحضارة العربية الإسلامية من جذورها، ويتطلع
إلى بديل لا عروبة ولا إسلام فيه، أليست هذه خلاصة الحركة التي قادها أدونيس
وأحزابه من مؤسسي مدرسة مجلة حوار اللبنانية وأتباعها من جهة، والبياتي وأحزابه من
جهة أخرى.
ولئن شغل الواقعيون الاشتراكيون عن قضايا الشكل فلم يعنوا بها إلا من
حيث خدمة المضمون، فإن مضمون أدبهم يضرب بمعاول حادة في قيمنا العقدية،
ويهدف –بوضوح كامل- إلى تحويل الشخصية العربية الإسلامية إلى الماركسية.. أليس
هذا مضمون شعر عبدالوهاب البياتي وأحمد عبدالمعطي حجازي وعبدالرحمن خميس؟ ومضمون
قصص إبراهيم صنع الله، ونقد محمود أمين العالم وعبدالمنعم تلهيه ونبيل سليمان.. ومن
لف لفهم؟
إذن نحن إزاء حرب حقيقية للشخصية المسلمة والمجتمع المسلم، حرب تستخدم-
فيما تستخدم- الكلمة الموحية المؤثرة، والمنابر الأدبية المختلفة، فأي فرق
بين هذه الحرب وحرب مشركي قريش؟ اللهم إلا أسلوب العصر ومفرداته! لكأن الزمان
قد استدار كهيئته أيام المجتمع الإسلامي الأول، وكأن كعب بن الأشرف، وابن خطل،
وابن هبيرة، وأبا سفيان بن الحارث، وابن الزبعرى، والنضر بن الحارث قد منحوا
قمصانهم وألسنتهم لأدونيس، والبياتي، وإبراهيم صنع الله، ونبيل سليمان.. إلخ. وتركوا
لهم أن ينقلوا معانيهم إلى رموز العصر وأساطيره وفنونه الأدبية المتنوعة.. فتحولت
النبال القليلة إلى قذائف كثيرة، وتحولت قصائد شعراء مكة المشركين وقصص النضير بن
الحارث - منابر الهجوم على المسلمين آنئذ - إلى عشرات القصائد
والقصص والمسرحيات والمقالات والتمثيليات المرئية والمسموعة والنقد.. وصارت
منابر هجوم على الإسلام بطرق مباشرة وغير مباشرة، كان الهجوم بدائيًّا فجًّا، ربما
تأنفه الأذواق السليمة لبذاءته وافترائه على الأعراض الطاهرة، فاصبح ذكيًّا بارعًا
يستخدم الرمز والأسطورة والتصوير المدهش والإخراج البديع والأسلوب المشوق لملء
النفوس بسمومه وشغلها عن حقيقة زيفه وكذبه، فماذا يكون موقفنا إزاء الهجوم الجديد؟
وأين هم «الأدباء المسلمون» في معركة المواجهة؟
من بدهيات السلوك الإسلامي أن نبحث عن قاعدة لتصرفاتنا في الكتاب
والسنة، ومن اليسير أن نجد فيهما نصوصًا تسوغ لنا دفع العدوان عنَّا
والانتصار لعقيدتنا وشخصيتنا المسلمة من المعتدين، وأن نستخدم منابر الأدب نفسها،
وندخل في زمرة: ﴿.. الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ
بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (الشعراء: 227)، وأن نرد الكيل بالكيل.. فقد ورد في
الحديث الشريف عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: لما هجانا
المشركون شكونا ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «قولوا لهم مثل ما يقولون
لكم».. رواه الإمام أحمد في مسنده.
ورُوي عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم
كان يضع لحسان (بن ثابت) منبرًا في المسجد، فيقوم عليه، يهجو من قال في رسول
الله صلى الله عليه وسلم ورُوي عنها أنه قال لحسان: «اهج قريشًا فإنه أشد عليها من
رشق النبل» الحديثان في مسند الإمام أحمد.
ومن كمال المنهج الإسلامي في المواجهة أن نتأسى برسول الله صلى الله
عليه وسلم في إعلان المواجهة، واستنفار الأدباء ودعوتهم دعوة صريحة إلى الرد بأفضل
السبل المناسِبة على الحرب الأدبية ضد المسلمين، بل وأن نبحث عن الكفاءة الأعلى
لتقود المواجهة، ولتفند مزاعمهم، وتكشف زيفهم وضلالاتهم ففي حديث عائشة رضي الله
عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عبدالله ابن رواحة فقال
اهجهم (أي شعراء قريش المشركين) فلم يُرضِي (أي لم يبلغ منهم
مبلغًا يرضِي الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين) فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم
أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا
الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق
لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعجل فإن أبا
بكر أعلم قريش بأنسابها، وإنَّ لي فيهم نسبًا حتى يخلص لك نسبي، فأتاه حسان ثم رجع
فقال: والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين، قالت
عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: إن روح
القدس لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله ورسوله. قالت عائشة: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: «هجاهم حسان فشفي واشتفى» رواه مسلم في صحيحه.
فليست القضية مقصورة على استنفار رجال الكلمة وحثهم على النزول إلى
خندق المواجهة، بل تمتد إلى البحث عن الكفاءة الأعلى والأسلوب الأفضل والاستعانة
بالوسائل الأجدى، فكيف يكون ذلك في عصرنا؟
كيف يكون إذا لم يلتزم مجموعة من الأدباء –والنقاد- المسلمين
الأكْفاء بل والأعلى كفاءة؟
هل نخطئ إن لفتنا نظر الأدباء الذين شغلهم واقعهم الصغير عن واقعهم
الكبير؟
هل نكون مخطئين، أو منحرفين أو مقلدين لغيرنا، إذا قلنا لأدبائنا، إن
من حق الله عليكم- بما آتاكم من مواهب متميزة وسيسألكم عما فعلتم بها- ومن حق
المسلمين عليكم- بما أوجب الله نصرة المسلم لأخيه المسلم- أن تسهموا
بإبداعكم في الإحساس بمعاناة الأمة، وتصوير آلامها، والتصدِّي لأعدائها الذين
يستخدمون سلاح الكلمة- ولا يفل الحديد إلا الحديد- والتغنِّي بقيمها، وإنعاش
الآمال الصادقة فيها.
أبدًا.. لا خطأ، ولا انحراف.. فواقعنا المعاصر يقتضِي أن
ندعو الأدباء المسلمين إلى الالتزام بقضايا أمَّتِهم، وقد شرع الله سبحانه وتعالى
الذكرى للمؤمنين ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ
الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: 55) وذكرهم في آيات عدة
بالمحافظة على الصلوات وذكرهم بموالاة الطاعة والاجتهاد فيها،
وهم «مؤمنون» والأدباء المسلمون لا يختلفون عن سائر المؤمنين في الحاجة
إلى تذكيرهم بواجباتهم الأساسية ودعوتهم إلى الالتزام بها، وبخاصة في عصرنا هذا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل