; المجتمع التربوي (العدد 1309) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1309)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 58

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 21-يوليو-1998

وقفة تربوية

التزكية في الحركة الإسلامية «٤»

عندما امتدح جمع من الصحابة- رضي الله عنهم- في إحدى المعارك أحد المقاتلين، وأعجبوا به لشدة بلائه في المعركة، فاجأهم الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: «من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا» (رواه البخاري)، هذا الحديث والحادثة تدل دلالة قاطعة على أن الشروط التي نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم تزكية الرجل هي غير الشروط التي اعتمدها صحابته عندما قاموا بتزكيته، وهو يعلمهم هنا درسًا عمليًا في دقة وضع الشروط عند تزكية الآخرين، ورأوا بأم أعينهم كيف قتل ذلك الرجل نفسه بعد نهاية المعركة، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليعمل فيما يرى الناس عمل أهل الجنة، وإنه لمن أهل النار، ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيمها»، والسؤال الذي يتبادر للكثيرين، هل هذا الأمر هو من أمور الغيب التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره بأسماء المنافقين، وبالتالي لا يتناسب الاستشهاد بمثل هذا الحديث في قضية الشروط؟

 هذا الافتراض مغاير لواقع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث إنه هو القائد العام، وصحيح أنه أخبر بأسماء المنافقين، إلا أن هذا لا يمنع من كون النبي صلى الله عليه وسلم كان متمرسًا بمعرفة الرجال ومتابعة خصالهم، قبل التسرع بتزكيتهم لوضوح شروط التزكية لديه، فنراه يزكي عشرة من صحابته التزكية الكبرى بتبشيرهم بالجنة، ويزكي خالد بن الوليد بتلقيبه بسيف الله، وعدم تزكيته أبو ذر للإمارة عندما طلبها، فقال له «إنك ضعيف»، بينما زكاه في دينه في أحاديث أخرى، كل ذلك يدل على وضوح الشروط لديه- صلى الله عليه وسلم- في تركيته الآخرين، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

 يجب على المنتمين للحركة الإسلامية ألا يكتفوا بالمظاهر دون المخابر، وألا يتسرعوا بتزكية أحد قبل المصاحبة والمتابعة والمعايشة والتجربة، فلا تظهر معادن الرجال إلا بالمواقف، كما يجب أن تكون جميع شروطنا مبنية على أصل شرعي واضح، بعيدًا عن الأهواء والمصالح الدنيوية، ولا بد من أن تكون التركية جماعية، وليست فردية، إمعانًا بالدقة في التركية، كما يجب متابعة المزكى بعد تزكيته حفاظًا على أمن أفراد الجماعة، وتأكدًا من صدقه بالانتماء.

أبو خلاد

التعبد وقيام الليل

ما الذي يهيب بالغافي حتى يصحو، ويدع دفء الفراش، ويتخلص من استرخاء البدن، ويدلف إلى بيت الله ليقف في محرابه مناجيًا، يؤمل الخير، ويرجو الرشاد، وفي ذهنه صوت النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله- تبارك وتعالى- إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الفجر»، فإن استطعت- أيها القارئ- أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن! وردد بخشوع وبحزن قول الشاعر: 

قم في الدجى يا أيها المتعبد *** حتى متى فوق الأسرة ترقد؟

قم وادع مولاك الذي خلق الدجى ***   والصبح وامض فقد دعاك المسجد

واستغفر الله العظيم بذلة *** واطلب رضاه فإنه لا يحقد

واندم على ما فات واندب ما مضى *** بالأمس، واذكر ما يجيء به الغد

واضرع، وقل: يا رب عفوك إنني *** من دون عفوك ليس لي ما يعضد

ألم يصح الغافي بعد؟ ألم تهز كلماتنا أركان قلبه وجوانحه؟ فهل يحتاج منا نماذج حية من السلف الصالح تدلل على كلماتنا النظرية؟ فهاك إذن:

 قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وقال الأوزاعي: كان السلف إذا صدع الفجر أو قبله بشيء كأنما على رؤوسهم الطير، مقبلين على أنفسهم، حتى لو أن حميمًا لأحدهم قد غاب حينًا ثم قدم ما التفت إليه، وكان المنصور بن المعتمر يقسم الليل ثلاثًا: فكان ثلثًا من الليل يقرأ القرآن، وثلثًا يبكي، وثلثًا يدعو، وقال القاسم بن عثمان الجوعي: أصل الدين الورع، وأفضل العبادة مكابدة الليل، وأفضل طرق الجنة سلامة الصدر.

وعن نافع قال: كان ابن عمر يكثر الصلاة من الليل، وكنت أقوم على الباب، فأفهم عامة قراءته، فربما ناداني يا نافع هل كان السحر بعد؟ فإن قلت نعم نزع عن القراءة، وأخذ الاستغفار... لأنه سمع حديثًا من الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن الله- تبارك وتعالى- إذا مضى ثلث الليل أو نصف الليل نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من داع أستجيب له؟ هل من مستغفر أغفر له؟ هل من تائب أتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» (أخرجه أحمد وابن أبي عاصم).

أفبعد ذلك ننام الليل كله دون إعطاء الله تعالى جزءًا منه دقائق معدودات نذكره فيها، ونستغفره وندعوه؟ ولنتذكر حين قيل: يا رسول الله، إن فلانًا نام البارحة حتى أصبح، قال: «بال الشيطان في أذنيه»، (أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه)، قيل: أي انقياده للشيطان وتحكمه فيه، وعقده على قافية رأسه، وقيل: استخف الشيطان به، واحتقره، واستعلى عليه.

عدنان القاضي

فلننطلق من المحراب

مع اتساع نطاق العمل الإسلامي وانفتاحه على المجتمع، وتعدد واجهاته المختلفة من لجان ومؤسسات، ونقابات واتحادات، مع هذا التغير السريع والانطلاق نحو آفاق العمل الرحبة الواسعة، يجب على العاملين من الدعاة والمربين ألا ينسوا- في خضم هذا التطور في الوسائل والأساليب- دور المسجد في التربية والتوجيه والإعداد.

إن المسجد سيبقى- ما دامت السماوات والأرض- قلب المجتمع الإسلامي النابض، وملتقى المؤمنين المصلين بالغدو والآصال، ومصدر طاقة روحية وفكرية متجدد لا ينفد، قال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:36-37].

ولذا فإنني أذكر نفسي أولًا وإياكم- یا من حملتم لواء التربية والتوجيه- ألا تنسوا دور المسجد في مناهجكم التربوية.

أيها الدعاة والمربون... اغرسوا في إخوانكم حب المسجد، وأنه نقطة الانطلاق الأولى في الدعوة إلى الله، فيه نزكي أنفسنا؛ حيث تكون التخلية والتحلية، وفيه نتعلم تلاوة كتاب الله، وفي زواياه نتلقى علوم الفقه والحديث والتفسير والعقيدة، وفي ردهاته وساحاته كانت أول دروس الدعوة والفكر... عودوا إخوانكم على الاعتكاف في المسجد، وليكن المسجد ميدان الدعوة الأول مهما تعددت الميادين، ولننطلق من المحراب.

عبد اللطيف محمد الصريخ

تنويه:

في العدد 1306 وفي مقالة «لا تنس نفسك» حدث خطأ مطبعي في اسم الأستاذ عبد اللطيف محمد الصريخ، لذا لزم التنويه.

الرابط المختصر :