; (آسيا الوسطى) ما يجب أن يعرفه أهل العراق:التسامح الديني والتنوع العرقي في آسيا الوسطى | مجلة المجتمع

العنوان (آسيا الوسطى) ما يجب أن يعرفه أهل العراق:التسامح الديني والتنوع العرقي في آسيا الوسطى

الكاتب فاطمة إبراهيم المنوفي

تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007

مشاهدات 48

نشر في العدد 1775

نشر في الصفحة 29

السبت 03-نوفمبر-2007

(*) كاتبة عربية مقيمة في قيرغيزتان

آسيا الوسطى تجمع مختلف الأديان والثقافات.. وتنتمي شعوبها لأكثر من مائة مجموعة عرقية ولغوية.

أسماء جمهوريات آسيا الوسطى.. لا تعني تمييز المجموعة العرقية التي تسمى الجمهورية باسمها على العرقيات الأخرى.

«جيروزاليم بوست»: اليهود يتمتعون بكافة الحقوق والحريات.. ولا يجدون أي مشاعر عدائية ضدهم في «كازاخستان».

التنوَّع بين الناس، أفرادًا وجماعات، ظاهرة ضرورية اقتضتها الفطرة البشرية واستلزمتها النشأة الاجتماعية.. والغاية من اختلاف الناس إلى شعوب وقبائل، وتنوعهم إلى ثقافات ومدنيات إنما هو التعارف لا التناكر، والتعايش لا التقاتل، والتعاون لا التطاحن، والتكامل لا التعارض.. وبات واضحًا أن أهمية التسامح الديني تتمثَل في كونه ضروريًا ضرورة الوجود نفسه.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ «الحجرات: ١٣».

ولتوضيح أهمية التنوع العرقي والتسامح الديني، لا بد من إلقاء الضوء على مجتمعات آسيا الوسطى، التي تشكِّل اليوم جزءًا من البلدان الأكثر ثراءً في العالم من حيث تنوع الأعراق والأجناس؛ حيث تتجلي هذه القيم بوضوح..

فمن السمات المميزة لهذه المجتمعات التنوع العرقي، والتسامح الديني، ونبذ العنف، والتعايش في جو من التفاهم مع الأديان المتعددة.. وقد تجلى ذلك عبر التاريخ الإنساني، فعلي مدى قرون طوال تعايش، ولا يزال، الدين المسيحي، واليهودي، وديانات أخرى عديدة إلى جانب دين الإسلام، حيث تحترم شعوب هذه المنطقة جميع الثقافات والأديان والمعتقدات والقيم المعنوية الأخرى، رغم أديانهم وثقافاتهم المختلفة، وتتسامح مع عادات وتقاليد تلك الأديان والمعتقدات التي قد لا تطيب للبعض.

مائة عرق ولغة:

وما إن تطأ قدماك الأرض هنا، إلا وتطالعك وجوه شرقية وغربية، وعربية وتركية وفارسية وروسية، وتسمع آذناك العديد من اللغات واللهجات.. فأسيا الوسطى أرض جمعت بين الشرق والغرب، وبين مختلف الأديان والثقافات.. فالشعوب هنا تنتمي لأكثر من مائة مجموعة عرقية ولغوية، ما يعني أن هذه المنطقة شديدة الثراء في الأعراق المختلفة.. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الكازاخ، والأوزبك، والتركمان، والأويغور، والطاجيك والقيرغيز، والعرب، والفرس، والروس، واليهود، والألمان، والدونغان، والتتار، والقاراقلباك، والأفغان، والهنود، والمنغول، والصينيون، والكوريون، وكثيرون غيرهم.

التسامح مبدأ إسلامي:

وسجل التاريخ الإسلامي نماذج عظيمة أسهمت في انتشار الإسلام في آسيا الوسطى والعالم أجمع، وذلك من خلال حسن العلاقة مع الشعوب والأمم وأتباع الأديان والثقافات المختلفة، وتوضيح أن حضارة الإسلام منفتحة على الحضارات الأخرى.. وقد انفتح المسلمون، في عصرهم الذهبي، على معارف وعلوم وثقافات شعوب أخري، وحرصوا على أن يفهموها ويستوعبوها ويستفيدوا منها.

«اليهود»... في آسيا الوسطى:

آثر اليهود أن يعيشوا في كنف الإسلام على العيش في أوروبا، حيث لاقوا أسوأ معاملة من غير المسلمين، وقد كفل لهم الإسلام حرية العقيدة والفكر فعاشوا جنبًا إلى جنب مع المسلمين في آسيا الوسطى في وفاق وسلام.

ويرجِّح علماء الحضارات والشعوب بأكاديمية العلوم في «قيرغيزستان» «إحدى الجمهوريات المسلمة في آسيا الوسطى، وإحدى الجمهوريات السوفيتية السابقة» أن اليهود انتقلوا إلى قيرغيزستان منذ القرن السادس الميلادي، وذلك عبر قيام العديد منهم في منطقة «الخزر» برحلات تجارية إلى قيرغيزستان.

وجاء ذكر اليهود منذ ألف عام في الملحمة الرائعة للشاعر القيرغيزي «مناص».. و«مناص» كذلك هي اسم مدينة تقع في مقاطعة «سينكيانغ» التابعة لـ «أويغورستان» «تركستان» التي تقبع تحت الاحتلال الصيني حاليًا، كما أن «مناص» هو الاسم الذي يُطلق على أحد أهم المطارات في قيرغيزستان حيث توجد القاعدة العسكرية الأمريكية الوحيدة في آسيا الوسطى.

وفي تلك الملحمة، التي تعود إلى القرن العاشر الميلادي، يذكر الشاعر أن اليهود بقوا في مدن مثل: «سمرقند» و«بخاری». وأنهم بدؤوا الاستيطان في المدن الواقعة على «طريق الحرير» منذ القرن الرابع الميلادي.

كما تحدث «المقدسي» «٩٤٦- ١٠٠٠م» الذي زار العديد من البلاد الإسلامية عن اليهود في آسيا الوسطى، وذكر أنهم موجودون في مدن مثل: «أوش» و«بالاساغون» و«تالاس»، وكلها مدن قيرغيزية، وأوضح أنهم اشتغلوا بالتجارة، وتمتعوا بكافة الحريات، فسُمح لهم ببناء المعابد وممارسة كافة شعائرهم الدينية في جو من التسامح الديني.

وبعد الحرب العالمية الثانية، تحولت «أوزبكستان» إلى مركز للثقافة اليهودية في آسيا الوسطى، وذلك بعد هجرة العديد من يهود أوروبا الشرقية إلى هذه البلاد هربًا من النازية، إلا أن الكثيرين منهم هاجروا بعد ذلك إلى «إسرائيل».

وكثيرًا ما تتحدث وسائل الإعلام الغربية والصهيونية عن التسامح الديني لشعوب آسيا الوسطى، وكيفية توظيفه لخدمة مصالحهم، ويستغلون هذا غالبًا لجذب المستثمرين؛ خاصة في مجالات النفط والطاقة.. وليس أدلّ على ذلك مما نُشر في جريدة «جيروزاليم بوست» الصادرة في أول مايو من العام الجاري، والتي تحدثت عن التسامح الديني الذي يتميز به الشعب الكازاخي، وأن اليهود يتمتعون بكافة الحقوق والحريات، ويستطيعون إبداء هويتهم في كل بقعة من أرض «كازاخستان» دون أي خوف أو قلق، ولا يجدون أي مشاعر عدائية ضدهم.

شعوب ضد «العنصرية»:

وقد تعرَّضت شعوب آسيا الوسطى لحملات شرسة على مدى قرون طويلة من جانب الروس. مورست خلالها أبشع صور الظلم والاضطهاد، بهدف حملهم على التخلِّي عن دينهم وحضارتهم، ومحو هويتهم الإسلامية، فاتَّبع الروس سياسة التصفية الجسدية لمن يقف في طريقهم مدافعًا عن دينه وثقافته.. كما رافق عملية الإبادة الجسدية إبادة من نوع آخر، هي إبادة الثقافة، والتي تمثلت في وضع العوائق أمام التعليم القومي والحياة الفكرية، فتمَّ تغيير الأبجدية «العربية»، التي كانت تُكتَب بها اللغات المختلفة في آسيا الوسطى، إلى الأبجدية «الكريلية» لإبعادهم عن لغة القرآن الكريم، ومن ثَمَّ عن الإسلام، كما اتَّبع الروس سياسة التهجير المنظَّم، الذي يهدف في حقيقته إلى الإبادة.

وفي عشرينيات القرن الماضي، قرَّرت السلطة السوفيتية الحاكمة، آنذاك، تقسيم آسيا الوسطى إلى جمهوريات بحسب حدودها وأسمائها الحالية، وبحسب العرقيات الموجودة فيها.. إلا أن «ستالين» الذي تم تقسيم هذه الجمهوريات في عهده، كان حريصًا على تمزيق وحدة المنطقة وتشتيت الأعراق والأجناس بين أنحائها، عبر حملات التهجير والفرز الطائفي، حتى لا تكون هناك مناطق عرقية صافية، كما أنه حرص على رسم حدود هذه الجمهوريات بطريقة متداخلة وغير منطقية، كي تصبح بؤرًا للنزاعات العرقية والقومية في المستقبل.

والواقع أن أسماء جمهوريات آسيا الوسطى لا تدلُّ إلى حد كبير، على تفرد المجموعة العرقية التي تُسمَّى باسمها الجمهورية.. فعلى سبيل المثال، جمهورية «قيرغيزستان» تضم عرقيات وقوميات شتى، يشكل القيرغيز نسبة ٦٤٪ من إجمالي سكانها، ثم الأوزبك ۱۳٪، والروس ۱۲٪، والدونغان 1٪، والأوكرانيون 1٪، والأويغور 1٪، بالإضافة إلى عرقيات أخرى من صينيين وكوريين وعرب وأتراك وغيرهم.

وكذلك «كازاخستان» يشكّل الكازاخ ٥٣٪، من إجمالي سكانها، ثم الروس ٣٠٪، والأوكرانيون ٣.٧٪، والأوزبك ٢.٥٪، والألمان ٢.٤٪، بالإضافة إلى التتار، والأويغور، وعرقيات أخرى.. والحال نفسها بالنسبة إلى الجمهوريات الأخرى.

الشيوعية والإسلام:

وكما تعرَّض الإسلام، منذ انبثاق فجره، إلى خصوم أشداء وأعداء ألداء حاولوا تقويض بنيانه، تعرَّض كذلك إبان فترة الحكم الشيوعي إلى حملات تشويه واسعة، فشكِّلت الدعاية ضد الإسلام محورًا رئيسًا في سياسات الإلحاد الدعائية للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، حيث كان يُشاع أن الإسلام وحده هو الذي يهدِّد النظام الشيوعي، أما الدين المسيحي والأديان الأخرى الموجودة في البلاد، فلا تهدد هذا النظام إلى حد ما.. فقُتل علماء المسلمين في تلك البلاد. وأُغلقت المساجد، وامتلأت السجون بالمعتقلين، وتمَّ تجريم من يمارس الشعائر الدينية سرًا أو جهرًا، وهكذا كان التمييز ضد الإسلام سمة بارزة في الأيديولوجية الشيوعية.

ورغم كل تلك الحملات الشرسة، لم يفلح الملحدون في اقتلاع الإسلام من نفوس شعوب آسيا الوسطى.. ومع غياب الإسلام في الوقت الراهن عن الممارسة اليومية للكثيرين. إلا أنه راسخ في نفوسهم... والمسلمون هنا في أغلبهم من السنة، وعلى المذهب الحنفي.

تعايش.. وتسامح ديني:

واللافت للنظر، أن شعوب آسيا الوسطى لا تكنُّ للروس أي مشاعر عدائية، رغم ما لاقته على أيديهم، بل إن الكثيرين من أفرادها يرون أن الروس الذين اقترفوا هذه الفظائع في الماضي هم أناس رحلوا، وليس للأحفاد ذنب فيما اقترفه الأجداد..

ورغم بزوغ جماعات عنصرية متطرفة، في الوقت الراهن، داخل روسيا تستهدف قوميات آسيا الوسطى والقوقاز، والتي كثيرًا ما تقوم بقتل الكثيرين من مواطني هذه الدول المتواجدين في روسيا لكسب قُوتهم بعد أن احتل الروس بلادهم وأنهكوها واستولوا على ثرواتهم لقرون طويلة، فكم ممن قتلوا وعادوا إلى بلدانهم ملففين بأكفان داخل نعوش!.. إلا أنه لا توجد أي نزعة للانتقام من الروس المقيمين بآسيا الوسطى، فالناس هناك بطبيعتهم يميلون إلى التسامح والعفو، ولا يحملون في صدورهم بغضًا أو كراهية لأي شعب من الشعوب.

إلى أهل العراق: وهكذا بات واضحًا أن دول آسيا الوسطى نموذج فريد للتسامح الديني والتعايش مع الآخر، لذا على العراقيين أن يقتدوا بهذه الشعوب، فالمفهوم الإسلامي الحقيقي يدعو إلى التسامح مع معتنقي الأديان الأخرى، والأولى أن ينتشر هذا المفهوم بين الطوائف والمذاهب الإسلامية المختلفة، فالإشكال ليس في الأديان أو المذاهب ذاتها، وإنما هو كامن في سوء فهم بعض القائمين عليها، وما زالت المفارقات بين المبادئ والممارسات الواقعة هنا وهناك لا تُحصى ولا تُعد.

إن ما يجب تسليط الضوء عليه أن أهمية التسامح تتمثل في كونه مطلبًا إنسانيًا نبيلًا دعا إليه الإسلام، وأرادته الحكمة الإلهية، واقتضته الفطرة البشرية.

المراجع:

  1. http://www.bh.org.il/ 

    Communities/Archive/ Kyrgyzstan.asp

  2. http://en.wikipedia.org/wiki/ Central_Asia

  3. http://eolc-observatory.net/

global_analysis/

kazakhstan_population.htm

٤ـ جريدة «جيروزاليم بوست»ـ ۱ مايو ٢٠٠٧.

الرابط المختصر :