العنوان التستر خلف دعاوى الحرية لنشر الإباحية وهدم المجتمع والدولة
الكاتب د.حسني الطنطاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1391
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 07-مارس-2000
لا ينبغي أن تكون ممارسة الفرد لحريته ضارة بالآخرين، فإذا لم يلتزم الفرد بوضع هذا القيد على نفسه فلابد أن يجبر على ذلك وإلا أصبح المجتمع فوضى بلا نظام
يلجأ العلمانيون إلى المراوغة والتهويش بالكلمات المنمقة.. يؤثرون الغموض على الوضوح.. ويركزون فقط على نشر الأفكار الإباحية والتهجم على عقائد الأمة والازدراء بثقافتها.. ثم يعلقون فشلهم على مشجب الجماعات الإسلامية
تباكى «جابر عصفور» -أمين عام المجلس الأعلى للثقافة في مصر- في مقال نشرته جريدة الحياة (١٦/٢/٢٠٠٠) على كاتبتين كويتيتين صدر بحقهما حكم قضائي بالسجن شهرين لكل منهما بعد أن دانتهما المحكمة بنشر كتابين مسيئين إلى الدين والأخلاق واشتملا على عبارات تمس الذات الإلهية، وعبارات منافية للآداب ومخلة بالحياء، طبقًا لما ورد بحكم المحكمة ونشرته الصحف خلال يناير الماضي.
تباكى الكاتب -في مقاله الطويل العريض- وراح يتدثر بكل أردية الحرية، ويتستر بكل دعاواها ليمرر فكرة أساسية واحدة مؤداها أن نشر الإباحية، وهنك حرمة الدين وهدر القيم الأخلاقية، كلها أمور يجب أن تكون مكفولة ومقبولة وطبيعية، باعتبارها جزءًا لا ينفصل عن مفهومه هو وأمثاله من الكتاب العلمانيين لمعنى «الحرية»، وهذا المعنى يسيء إلى قيمة الحرية ذاتها، ويشوه صورتها، ويطمس جوهرها ويجعل عبارتها فضفاضة مهلهلة مليئة بالثقوب التي تنفذ منها جراثيم الفوضى والتسيب والانحلال إلى الحد الذي تغدو معه الحرية، عارية من أي غطاء أخلاقي منفكة عن أي التزام أو مسؤولية.
إن «الحرية»، في الرؤية الإسلامية تسمو إلى مرتبة الفريضة الإلهية والواجب الشرعي الذي لا يملك صاحبه أن يتنازل عنه، ويبلغ مقامها على درجات سلم الأولويات مقام الحياة نفسها، ومن البراهين الدالة على ذلك أن الإسلام جعل عنق العبيد -أي تحريرهم- بمثابة إحياء لهم وشرع عتق الرقبة كفارة للقتل الخطأ قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (النساء: ٩٢) قال النسفي في تفسيره لهذه الآية: «فإنه -أي القاتل- لما أخرج نفسًا مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكمًا».
إن مبحث الحرية في الرؤية الإسلامية مبحث عميق الغور، متشعب الفروع والأغصان، معتد ومتشابك مع مجمل منظومة القيم والمبادئ الإسلامية، وهو من أوائل المباحث التي اهتم بها فلاسفة الإسلام ومفكروه، وخلصوا إلى أن حرية الإنسان التي دعا إليها الإسلام هي حرية مسؤولة لها مرجعية يجب ألا تتجاوزها، هي باختصار حرية من يسأل عما يفعل.
أما الحرية في الرؤية العلمانية فلها مفهومان أساسيان، أولهما سلبي بمعنى أن يكون الإنسان متحررًا من كافة القيود والضغوط ويعبر عن ذلك بتعبير Free from، وثانيهما إيجابي بمعنى أن يكون الإنسان حرًا في اختيار ما يريده وامتلاك الوسيلة التي تمكنه من فعل ما يريد، ويعبر عن ذلك بتعبير Free to.
وليس ثمة تعريف جامع مانع لمعنى الحرية حسب الرؤية العلمانية، بل هناك آراء ومذاهب شتى في تعريفها وبيان مضمونها وتأصيل فكرتها معرفيًا وفلسفيًا، ومع كل ما هنالك من اختلافات بهذا الصدد فإن ثمة ما يشبه الاتفاق حول أمر أساسي هو أن حرية الفرد في أن يفعل ما يريد لابد أن تحدها فكرة مؤداها ألا تكون ممارسة هذه الحرية ضارة بمصالح الآخرين، وإذا لم يكن الفرد مستعدًا ومؤهلًا لأن يضع على نفسه هذا القيد طواعية فلابد أن يجبر على أن يحترم ذلك الالتزام وإلا أصبح المجتمع فوضى بلا نظام، وهنا تظهر أهمية القانون العادل وتتأسس حركة القضاء العادل.
ذكرنا تلك التفرقة -الموجزة- بين معنى الحرية ومفهومها في الرؤية الإسلامية من جهة، والرؤية العلمانية من جهة أخرى، لأن الكتاب العلمانيين في بلادنا العربية والإسلامية -ومنهم جابر عصفور- يتجنبون الخوض في هذه المسألة، ويتهربون من بيان الأساس المعرفي، أو الفلسفي المعنى الحرية التي يدعون إليها، ولا تكاد تجد في كتاباتهم -وما أكثرها- إشارة واحدة إلى البعد الأخلاقي والقيمي للحرية، ناهيك عن أن يعقدوا مقارنة بين المفهوم العلماني- الغربي للحرية وبين المفهوم الإسلامي لها، ليعرف المستهدفون بخطابهم فيم يشتركان وفيم يفترقان وأيهما أولى بالرعاية وأجدر بالإشارة والإذاعة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية.
وإذا اقتصرنا على ما كتبه جابر عصفور في مقاله المشار إليه أنفًا -كنموذج على إدراك العلمانيين في بلادنا لمعنى الحرية، والمدى الذي يسعون للوصول إليه تحت ستار هذا اللفظ الجميل- لهالتنا بشاعة هذا الإدراك، ولأذهلتنا جنايته التي يتجناها على مفهوم الحرية في الرؤية الإسلامية، ومن ثم على مجتمعات أمتنا العربية الإسلامية وشعوبها، التي تدين غالبيتها الساحقة بالإسلام، وتتوارث أجيالها ثقافته وأخلاقياته ومثله العليا جيلًا بعد جيل.
يقول عصفور: إنه «شعر بحزن ثقيل» عندما طالع خبر الحكم القضائي الذي صدر بسجن الكاتبتين الكويتيتين، وفي رأيه أن ما حدث لهما هو شأن عربي بكل معنى، فمن حكم عليهما بالسجن حكم على كل الكاتبات العربيات في كل قطر عربي، كما حكم بالسجن نفسه على كل الكتاب العرب الذين يمارسون فعل الكتابة..... ولنا أن تعجب من هذا الأسلوب المفارق للعقلانية المفترضة في كاتب علماني، مغرق في سراب الخيال والعاطفة الجامحة، بينما كان الأجدر به أن يلتمس شيئًا من الواقعية لدعم دعواه، بل إنه يبالغ أكثر من ذلك في اللاعقلانية واللاواقعية فيؤكد في المقال ذاته أن الحكم على الكاتبتين حكم بالسجن على الثقافة العربية نفسها في كل الأقطار ما ظل كل واحد من هذه الأقطار يؤثر ثقافيًا في غيره بقدر ما يتأثر به.!!
أهكذا هي منهجية التفكير العلمي المنظم الملتزم بالموضوعية التي يدعونا إليها العلمانيون المتنورون في بلادنا؟! خليط من الشطط والقفز في فضاء الوهم وظلام الليل، ويبدو أنه صدق نفسه فيما يقول، فسوغ لها أن تتعالى، وتسخط على الجميع بدءًا بالجماعات الإسلامية -التي حركت الدعوى ضد الكاتبتين في زعمه- وصولًا إلى المؤسسات الدولية والسلطات القضائية للدولة، مرورًا بالمجتمع والرأي العام والثقافة السائدة والزمن الذي نعيش فيه.
فالجماعات -في نظره الموضوعي-! «لم يعد لها شغل سوى تكفير المختلفين عنها، أو المخالفين لها»، أما ما تقوم به من جهود إصلاحية، وما تقدمه من خدمات اجتماعية تعليمية، وصحية وتربوية فأمور لا يراها صاحبنا، أو يتعامى عن رؤيتها، بل ويحرض سلطات الحكم من طرف خفي على ضربها وقمعها ولا يرى في ذلك تناقضًا مع دعواه الدفاع عن الحرية، ويحرض على تلك الجماعات عندما يصفها بأنها موازية للدولة ومعادية لطابعها المدني».
ويصل الغضب بكاتبنا إلى حد فقدان الصواب عندما يردد اتهامات السلطات الأمنية التي توجهها للحركات الإسلامية وتدمع بها نشاطها الاجتماعي فيصفه كما تصفه هذه السلطات بأنه اختراق للمؤسسات التضامنية للمجتمع المدني.
أما «المجتمع»، و«الثقافة الغالبة على الرأي العام» -في البلدان العربية كافة حسب تنظير جابر عصفور- فهو «مجتمع محافظ»، وهي «ثقافة»، تميل إلى التقليد والنقل دون دليل عقلي.. وجماهير الناس بسطاء -أو رعاع- يسهل خداعهم باسم الدين، وكل هذا أدى بالكاتب إلى أن يتساءل أخيرًا عن هذا القرن الحادي والعشرين أو الألفية الثالثة التي ندخلها نحن العرب بسجن كاتبتين لما كتبناه...».
وليت الكاتب عرض لما كتبته الكاتبتان وحكمت المحكمة عليهما بسببه ليته جاء بالنصوص التي دانتهما المحكمة بسببها وبين لنا بفصاحته وقوة حجته كيف أخطأ القضاء في فهمها، وكيف أنها -عنده- نصوص بريئة وظاهرة وعفيفة وتحض على الفضيلة وتحارب الرذيلة وتحترم عقيدة المجتمع ولا تمتهن ثوابت الأمة الثقافية والدينية ليته فعل شيئًا من ذلك ولكن أني له، وهو الذي يريد التهرب من المواجهة الحقيقية والتخفي وراء دعاوى الحرية لتمرير الأفكار الإباحية واللاأخلاقية وبدلًا من المصارحة وجدناه -في مقاله- يلجأ إلى المراوغة والتهويش بالكلمات المنمقة والتعبيرات الوقورة من قبيل قوله «والواقع أن ما حدث لكل من ليلى العثمان وعالية شعيب هو شأن عربي بكل معنى» -لاحظ قوله والواقع-.
وتصل الغضبة العلمانية المتدثرة برداء الحرية إلى ذروتها عندما يشن كاتبنا هجومه العاصف على إحدى أهم سلطات الدولة -وليس الحكومة- وأقوى دعامة للمجتمع المدني ألا وهي السلطة القضائية والمؤسسات النيابية، فقد اتهمها هي الأخرى بأنها لا تفهم وظيفتها، ولا تعرف معنى الحرية التي يعرفها هو، وصارت مهمتها كما يقول: التفتيش في ضمائر الناس، أو عقابهم بما ترمي به كتاباتهم على سبيل الافتراء، ووصف المحاكم -أكثر من مرة- في البلدان العربية بأنها محاكم تفتيش والأدهى من ذلك أن الكاتب ما برح في معظم فقرات مقاله يصور حكم المحكمة كما لو أنه استجابة عمياء المطلب إسلامي متعصب، وكان قضاة المحكمة لم يكن لهم دور سوى الانصياع لهذا المطلب.
إن مؤدى مثل هذا المنطق الذي يكتب به جابر عصفور وأمثاله هو الفوضى بكل معنى الكلمة، وهدم أركان المجتمع والدولة معًا إذا كان من حق كل من يصدر ضده حكم قضائي أن يقول مثل هذا الكلام.
أي دولة.. وأي مجتمع مدني؟
يزعم الكاتب أنه -ومن هم على شاكلته- من دعاة الدولة المدنية والمجتمع المدني، دون أن يفصح لنا عن مضمون هذه الدولة أو هذا المجتمع المدني والعلمانيون عادة ما يؤثرون الغموض على مثل هذه الوضوح رح في مثل هذه المسائل، ولا يقدمون برنامجًا واضحًا لكيفية الوصول إلى ما ينشدونه فقط يركزون على نشر الأفكار الإباحية، ويتهجمون على عقائد الأمة، ويزدرون ثقافتها ويعلقون فشلهم وعزلتهم عن الجماهير على مشجب الجماعات الإسلامية، وعندما يصل بهم الأمر إلى حد رفض حكم القانون والتهجم على السلطة القضائية، فإنهم بذلك يعلنون تفضيلهم الفوضى على النظام والانفلات على الحرية المسؤولة والمجتمع الهمجي على المجتمع المدني، ولنحتكم نحن وهم في هذه النقطة إلى نص من أكثر النصوص أصالة في التنظير للمجتمع المدني في الفكر العلماني الغربي وهو قول جون لوك في الحكم المدني الصحيح وإذ يبطل الحكم الفردي على كل فرد تصبح الجماعة الحكم الوحيد الذي يفصل في كل الخصومات التي قد تنشأ بين أفراد المجتمع في القضايا الحقوقية، بناء على قواعد عادلة يطبقها رجال خولتهم الجماعة تطبيقها، وتنزل بالفرد الذي قد يرتكب جرائم ضد المجتمع العقوبات التي أقرها القانون ومن هنا يتبين لنا الفرق بين من يعيش في مجتمع سياسي ومن لا يعيش فكل الذين يؤلفون جماعة واحدة ويعيشون في ظل قانون ثابت وقضاء عادل يلوذون بهما، ويوسعهما البت في الخصومات ومعاقبة المجرم، فإنما يعيشون معا في مجتمع مدني، أما الذين لا ملاذ عام لهم على الأرض، فهم ما يزالون في «الطور الطبيعي» -أي الهمجي- لأن كلًا منهم الحكم والجلاد في كل ما يعنيه من شؤون» (من كتاب جون لوك: في الحكم المدني، تعريب ماجد فخري، طبعة بيروت ١٩٥٩م- ص ١٨٨)
لم يفعل الذين حركوا الدعوى القضائية ضد الكاتبتين الكويتيتين -ومن قبلهما ضد علمانيين آخرين في أكثر من بلد عربي- إلا أنهم لجأوا إلى الملاذ القانوني والقضائي لرفع ما أصابهم من ضرر معنوي وعقيدي، وأنصفهم القضاء العادل وهذا هو جوهر الالتزام بمفهوم ما يدعونه المجتمع المدني، فأي الفريقين أصدق في دعواه الانتساب إلى هذا المعنى وأيهما أبعد عنه؟
وكلما تأملنا في الخطاب العلماني الذي يبثه بعض المثقفين العرب أمثال جابر عصفور، وكلما وقفنا على معانيه المنطوق بها، وكشفنا عن تلك المسكوت عنها، وجدناه خطابًا مفككًا لا منطقيًا يحمل الفكرة وعكسها، ويحتج بالحجة ونقيضها، ويسبح في الخيال بينما هو يزعم الحديث عن «الواقع»، ويؤسس للفوضى بينما هو يدعي النظام والعقلانية، ويمارس أقصى درجات النفي للآخر ويعظ الناس -في اللحظة نفسها- بضرورة القبول بالاختلاف والتعددية، ويضمر التعصب لرأيه ورؤيته ويعلن مقته لذلك وإيمانه بالحوار، وينفي ادعاء احتكار الحقيقة، بينما هو يمارس هذا الادعاء عمليًا، وينصب نفسه مدافعًا عن الحرية والإبداع والتسامح بمفهومه هو الذي يحتكر المعرفة به، ولا يرى أحدًا مؤهلًا لإدراكه أو الوصول إليه وبينما هو يدين العنف لفظيًا نجد أن العنف مركب بنيوي في صلب الفكرة العلمانية التي يتبناها وفي الممارسات العملية لأنصار هذه الفكرة عندما يصلون إلى مراكز التأثير والسلطة سياسية كانت أم ثقافية.
هذا الخطاب لا يتجنى فقط على مفهوم الحرية المسؤولة في الفكر الوضعي، وإنما يتجنى أيضًا على مفهومها الإسلامي بأخلاقياته وقيمه التي تتشكل منها الثقافة السائدة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، ولا يمكن وصف هذا الخطاب الذي يمارسه عصفور وغيره من العلمانيين، إلا بأنه محاولة للتستر خلف دعاوى الحرية لنشر الإباحية والفوضى وهدم المجتمع والدولة معًا.