العنوان التشيع في الجزائر موقف سياسي وليس عقدياً
الكاتب عبدالعالي زواغي
تاريخ النشر الاثنين 01-أغسطس-2016
مشاهدات 33
نشر في العدد 2098
نشر في الصفحة 60
الاثنين 01-أغسطس-2016
مدير الثقافة الإسلامية بوزارة الأوقاف الجزائرية د. بومدين بوزيد:
مقاومة حزب الله ومواقفه -في وقت ما- أعطت الانطباع بأنّ التشيع ثوري وأن بعض السُّنية متحالفة مع الغرب
تعدّد الجريمة الإلكترونية اليوم وامتدادها إلى الامتحانات يحتاج إلى أمن إلكتروني ذي طبيعة خاصة
حوار: عبدالعالي زواغي
قلل مدير الثقافة الإسلامية بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية، بومدين بوزيد، من شأن خطر التشيع الذي كثر الحديث عنه في الآونة الأخيرة داخل البلاد وخارجها، واعتبره مجرد موقف سياسي حماسي لبعض الجزائريين ولا صلة له بالعقيدة، مؤكداً على أنه محدود في مناطق بعينها.
ويرى الدكتور والباحث المختص في قضايا الهوية والفكر الإسلامي، في هذا الحوار مع «المجتمع» أن حالة «التشظي» في العالم الإسلامي يَنخرط فيها بعض السّياسيين والمُثقفين، وأن تطوّر الجماعات القتالية الإرهابية وازدياد نشاطها بسبب شبكات التواصل الاجتماعي، يحتم توفير أمن إلكتروني تكون المواجهة الأولى له مع الإرهاب هي وقف عمليات التجنيد والتحريض على الانضمام إلى هذه الجماعات.
< يسود اعتقاد بوجود مد شيعي خطير في الجزائر.. فما تقييمكم للوضع؟ وهل يمكن القول بأن الوحدة المذهبية في البلاد مهددة، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تهويل إعلامي؟
- عرفت الجزائر في تاريخها ظُهور «الدولة العبيدية» التي ننعتها أيضاً بالفاطيمة، وهي ذات مشرب شيعي إسماعيلي، تنتهي الإمامة في معتقدهم عند إسماعيل بن جعفر الصادق، عكس الإمامية التي تتنهي سلسلتها عند الإمام الثاني عشر المختفي –بحسب اعتقادها- في سرداب يُنتظر ظهوره، وهي دولة شيعية انتقلت عاصمتها مع المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة، وبقي الولاء مستمراً في «المغرب الأوسط» إلى زمن المعز بن باديس في منتصف القرن الخامس هجري، وقد بقيت هيمنة الشيعة الإسماعيلية مدة سبعين سنة، ولم ينفع الاضطهاد المذهبي في فرض المعتقد على السكان، حتى أن الجزائريين وقتذاك قاطعوا صلاة الجمعة؛ لأن الدعوة فيها كانت للخلفاء الفاطميين.
وقع الانفصال ولم يعد للتشيع وجود مذهبي أو عقدي في القيروان والمغرب الأوسط، ولكن احترام آل البيت ووضعهم الاجتماعي والديني المتميّز يعود إلى الدولة الإدريسية في فاس التي قامت على الشرعية النَّسَبية الشريفة وإلى طبيعة سُنية المغاربة التي تحتفي بأبناء علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-، وتسمي أبناءها في العائلة بأسماء آل البيت، وكذا عمر بن الخطاب وعائشة والصحابة رضوان الله عليهم، كما أن أغلب العائلات الشريفية يعود نسبها إلى الحسن بن علي.
وفكرة المهدي المنتظر سادت اعتقاداً وثقافة في المُخيلة الشعبية في أزمات الغبن والاستعمار وانتظار الفرج، وقد روّجها الوعاظ والإخباريون، وفي الحكي الشعبي قصص عن علي بن أبي طالب، ومعاركه ومهاراته الخارقة في قتل الكفار والمشركين، وهو فضاء ثقافي شعبي يمتدّ إلى القرون المتأخرة، وأعيد تنشيطه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي مع الحجيج العائدين من مكة يحملون رسائل مَنامية تبشر بقرب ظهور المهدي، وتزامن ذلك مع انتصار ثورة الخميني التي وجدت في البلدان ذات الطابع الاشتراكي؛ كالجزائر فضاءً لترويج قيم التحرّر، ومعاداة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تواجدت في معارض الكتب الجزائرية (بداية الثمانينيات) كتب الخميني وباقر الصدر.
كما أنّ مقاومة حزب الله ومواقفه –في فترة من الفترات- أعطت الانطباع بأنّ التشيع ثوري، وأن بعض السُّنية متحالفة مع الغرب، وهنا كان الميل للتشيع موقفاً سياسياً حماسياً، وليس عقدياً، وقد سجّل ذلك الشاعر المعجب بالخميني مصطفى غماري في ديوانه «الأخضر»، كما أنّ بعض الأساتذة الجامعيين انتقل إليهم هذا التأثير عبر كتابات باقر الصدر وعلي شريعتي.
ومع العنف التسعيني من القرن الماضي في الجزائر نَشطت الدعوة الشيعية في بعض الجامعات، وظهرت في نقاشات الأساتذة والطلبة قضايا الإمامة ومن أحقّ بالخلافة، وإعادة قراءة التاريخ المكتوب برؤية الطبري وابن خلدون، ووقْع التشنّج والصراع محدوداً في بعض الجلسات الفكرية والثقافية للجامعيين، كما أن العلاقة السياسية الدبلوماسية المتميّزة بين إيران والجزائر سمحت بانتقال بعض الجامعيين والمثقفين إلى إيران خصوصاً في المؤتمر السنوي الذي تنظمه «مؤسسة المهدي» شهر أغسطس؛ وهو ملتقى دعائي مذهبي خاص، ومن بين هؤلاء من استطاع أن يؤثّر على بعض الطلبة في المدرج الجامعي، وانتقل ذلك إلى بعض الأحياء والأسر، كما أدّى إلى إحياء الحسينيات بشكل محدود في بيوت مواطنين في بعض الولايات؛ مثل «وهران» و»باتنة» و»سكيكدة»، وليس في المساجد.
وأعتقد أن التهويل الإعلامي قصده استغلال العاطفة السّنية المذهبية لدى القارئ الذي ينظر إلى المذاهب الأخرى بعين الرِّيبة وعدم الاطمئنان.
< تزخر الجزائر بالعديد من المرجعيات والأحزاب السياسية ذات التوجه الإسلامي، إلا أن الملاحظ أن نشاطاتها باهتة وغير فعالة.. فأين يكمن الخلل؟ هل في الإسلاميين ذاتهم، أم في التضييق الذي يرى البعض أن السلطة تمارسه عليهم؟
- الخلل يكمن في كون التيار الإسلامي في الجزائر لم يتجذر شعبياً؛ إمّا بحكم تبعيته للمرجعية العالمية (في الحالة الإخوانية)، أو لتضييق السلطة عليه، كما أن التجربة الدموية في التسعينات من القرن الماضي نَتج عنها حالة من الخوف والتردد تجاه كل ما هو «حزبي إسلامي»، وهو خوف مشترك بين الدولة والرأي العام، وكانت تجربة الإسلاميين متميّزة في التحالف الأخضر في تشريعات 2012م، ولكن سرعان ما أصابه الوهن وأصبحوا جزءًا من تحالف المعارضة بعدما كانت مشاركتهم في السلطة وفي الائتلاف الحاكم، والحركة الإسلامية تفتقد إلى «الزعامة الكاريزمية» كما أن بعض أجنحتها تميّز بزاعماتية ضيّقة ضيّعت من شعبيتها.
< يلاحظ أن الجماعات الإرهابية والمتشددة باتت توظف وسائط الإعلام التقليدية والحديثة بشكل محترف وجذاب، حتى أضحت من أهم وسائل استقطاب وتجنيد الشباب، والتسويق لأفكارها، بشكل يوحي بأن خبراء حقيقيين وراء هذا التوظيف الممنهج والغزو الإعلامي المنظم لعقول الشباب، فإلامَ يُعزى هذا الأمر؟ وكيف يمكن حماية شباب الأمة؟
- إنّ الإمكانات التقنية للاتصال تسمح بمراقبة وتسيير الدول والشعوب حسب علاقات جديدة يحدّد طبيعتها الأقوى؛ فحرية التفاعل بين المُرسِل والمرسَل إليه -الذي ينتهي إلى «غرف دردشة» افتراضية أشبه بالخلايا السّرية في الأحزاب التقليدية، المتوالدة والمُتكاثرة بسرعة- قادرة على التجنيد والتجييش للانضمام إلى الجماعات الإرهابية والتكفيرية أو لترويج الإباحية والمخدرات، الأمر الذي يستدعي «أمناً إلكترونياً» له طبيعته الخاصة، إذ إن المنع وأساليب الرقابة قد تكون غير ناجعة وذات تأثير محدود، وقد تعدّى الإجرام الإلكتروني إلى تسريب أسئلة امتحانات البكالوريا (امتحان نهاية العام بالمرحلة الثانوية)، كما حدث في الجزائر مؤخراً وفي بعض البلدان، وأدّى ذلك إلى حالة من الاضطراب في الرأي العام وتسبّب في تأثير نفسي عند المُمتحنين، وهو «غشّ الكتروني» يجعل من الصعوبة معرفة المتسبب في الجريمة، لذا يكون من الأجدى العمل التربوي والأخلاقي وحضور الوازع الديني في تحريم مثل هذا «الفساد في شبكات التواصل».
إن تعدّد الجريمة الإلكترونية اليوم وامتدادها إلى الامتحانات، يفسّر أيضاً مدى قدرة التجنيد في ارتكاب الجريمة والعنف والغش، إذ إن المواقع والصفحات المحرِّضة على ذلك في تزايد، فمدح الجريمة هو كذلك جريمة، أصبح ذلك استعراضاً وتباهياً عند شبابنا في القدرة على ارتكاب الجريمة الإلكترونية.
ومن هنا يرى بعض المتخصّصين أن الرقابة وتشديدها اليوم أصبحت ضرورية لدرء المخاطر، بالإضافة إلى أن هذا الأمر يَستدعي تقنيناً وتشريعاً في مواطن ما زالت تعاني الفراغ القانوني في بعض البلدان الإسلامية، مثل السرقات العلمية من المواقع الإلكترونية في الجامعات. ولعل المواجهة الأولى تكون في وقف عملية التجنيد نحو الجرائم الإلكترونية، وأخطرها التحريض على الانضمام إلى الجماعات القتالية الإرهابية.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل