العنوان التضمين والاقتباس القرآني في الشعر- هل يجوزان؟ وبأي شروط؟
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 29-يونيو-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1507
نشر في الصفحة 52
السبت 29-يونيو-2002
فتوى دينية كادت تحول ساحة الإبداع الأدبي الإسلامي إلى محرقة!
الناقد الشاعر الدكتور صابر عبد الدايم يونس أحد أبرز الأصوات الإسلامية في ميدان التنظير والإبداع تتجاوز كتبه ودراساته ودواوينه عشرين عملاً، حصل على الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام ۱۹۸۱، وهو أحد الملامح الرئيسة لخريطة الأدب الإسلامي الملتزم الحديث..
أوقعه الهرج الموجود بالساحة الأدبية الآن في جوف معركة، كادت تتحول إلى محرقة، فكان لازماً أن نتعرف أصل الحكاية المثيرة.
نبدأ من نهاية الموضوع.. فما أصل الحكاية التي اشتعلت حولكم؟
الحكاية أن أحد الأشخاص - سامحه الله - من المترددين على ندوات الأدب الإسلامي بمصر فهم خطأ من أحد دواويني أنني اعتدي على أصالة الإبداع، مما أسماه هو ظاهرة خطيرة للغاية تمثل اعتداء صارخًا على قدسية القرآن الكريم، ودبج على أساس من فهمه سؤالاً، ذهب به إلى أحد من يحملون حماسًا زائدًا.. فأفتى فتوى عجيبة وضعني فيها في طابور مسيلمة الكذاب ومدعى النبوة .. ولا أقول إلا سامحه الله، وفتح له من أبواب العلم ما أغلق عليه.
بالتفصيل نحب أن نعرف القصة:
كما قلت لك .. هناك من اختلط عليه الأمر فلم يفرق بين التضمين والاقتباس من نور القرآن وهداه، وبين ما سماه هو وهم للعامة وتلبيسه عليهم .. وحاشانا أن نصنع ذلك.
وفي أي دواوينكم وقع هذا المحظور؟
في ديوان المسافر في سنبلات الزمن
هذا الديوان منشور منذ عشرين عاماً ؟!
المدعون لا زمان لهم، وهم يهبون كما تهب العواصف فتثير ضباباً وترابًا، وربما تحدث خرابًا.
هذا الديوان تلقاه مبدعو الأمة بالقبول والحسن وصدرت حوله عدة دراسات.. ولكن نحب أن نشرك القارئ معنا في مضامينه.
منه قصيدة المسافر، وقد استوحيتها من قوله تعالى ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَي﴾ (الأنبياء: ٣٠) وأشير بها إلى النيل الخالد، وقصيدة إيقاع الزمن القادم، وأقر فيها قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وقصيدة إشراقات، وهي مستوحاة من قصة سيدنا موسى عليه السلام وقصيدة أسماء وهي ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وقصيدة مشاهد، وهي قراءة إبداعية لسيرة المجاهد المسلم محمد بن القاسم الثقفي وقصيدة العناق في موسم العودة، واستوحيتها من قوله تعالى: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٩).
وقصيدة لن يموت في عوننا النهار، من قوله و تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰادقون﴾ (الحشر: ٨)، ثم من فوق حبل المشنقة، وهي قصيدة في الصبر والثبات على طريق الدعوة الخالد، والكلمة والسيف من قوله تعالى: ﴿فإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ (محمد:٤).
وهكذا في كل القصائد تقريبًا التي أتوجها بالآيات الكريمة أو معانيها المستوحاة:
فذلك العالم العلوى عالمنا *** لقلب شاد من الإحساس بنيانه
والكل أفق يدوى كلما انطلقت *** منه التسابيح والألحان؛ سبحانه
والكل ينسخ من شريانه قلما *** يخط وسط سجل الخلد إحسانه
وهناك جيل كامل من المبدعين الإسلاميين قد تشكلوا في إطار هذه الرؤية الشعرية الإسلامية على امتداد الوطن الإسلامي والعربي منهم على سبيل المثال من المعاصرين محمد بنعمارة ومحمد علي الرياوي ومحمد المنتصر الريسوني وحسن الأمراني من المغرب، ومن مصر نجيب الكيلاني وعصام الغزالي وصابر عبد الدايم وحسين علي محمد وجميل عبد الرحمن وفاروق جويدة، ومن السعودية عبد الرحمن العشماوي وجيله ومن فلسطين عبد الرحمن بارود ومحمد صيام وآخرون ومن الأردن يوسف العظم وتلاميذه والأسماء أكثر من أن تحصر لأن الرؤية الإسلامية في الإبداع أصبحت واقعا حياً، وتياراً موصولًا يزخر بالخير والنماء والبركة.
عالجتم هذه القضية في العديد من أعمالكم الإبداعية والنقدية، ومن ثم يتوجب أن نتعرف أبعاد المنظور النقدي الإسلامي لظواهر التأثر بالبيان القرآني؟
التأثر بالبيان القرآني في الشعر المعاصر تتعدد محاوره وأبعاده وظواهره، فقد يتأثر الشاعر بالبيان القرآني صياغة وفكرًا وشعورًا، فلبنات شعره تستمد جرسها العذب من المعجم القرآني ألفاظًا وتراكيب، ورؤيته الشعرية تنطلق من الآفاق القرآنية، وتنبع من مقومات التصور الإسلامي للحياة عقيدة وعبادة وعملًا.
وقد يتأثر الشاعر بالمعجم القرآني أي بالفاظه وتراكيبه، ولا تشحن روحه بطاقة الإيمان الدافعة وحينئذ يصبح التأثر شكلياً أدائياً يظل بمنأى عن نسيج الرؤية الإسلامية الطامحة إلى فاعلية الوجود الحضاري المسلم.
وأحيانًا يكون التأثر سلبيًا مضادًا، وذلك حين يسئ استخدام الألفاظ والتراكيب والمعاني كأن يضعها في غير مكانها اللائق أو أن يسوقها في معرض السخرية والتهكم.. أو أنه يحاول جهلاً أو ادعاء محاكاة أسلوب القرآن الكريم ظناً منه أنه قادر على إبداع بيان في مثل البيان القرآني العظيم .. ومثل هذه المحاولات تبوء بالفشل الذريع، ولا يحظى إلا بالمقت الكامل، والرفض الدامغ شكلًا ومضمون ... ناهيك عن الرفض الشرعي أصلًا.
إذن.. أنت من أوائل المدافعين عن البيان القرآني، وتحصين التضمين والاقتباس منه في الإبداع والصيانة؟
من لا يعتقد ذلك من الناس، فهو واقع لا محالة في خيالات هاذية ملؤها الجهالة والضلالة والخلط والردى.. ومن تجرأ يوماً على مقام القرآن المجيد، فسوف يفنى ويبيد... وإن بقي من أثره شيء فلن يكون إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وسوف يتلاشى ويندثر كما اندثرت بقايا عاد وثمود.
إساءة وتزوير
ولكن بعض الخراصين في العصر الحديث انزلق بجرأة إلى الخوض في المقدس لفظًا ومعنى وموضوعًا.. وأخذ من ذلك بابًا واسعًا للشهرة.. ما قولكم؟
نعم.. فهناك ألفاظ مقدسة، كلفظ الجلالة والقضاء والقدر والنبي والصلاة واليوم الآخر، وهناك موضوعات مقدسة، وهي كل ما يتعلق بمعالم هذا الدين الحق في ثوابته ومقاصده، وهي وراسخة في وجدان كل مسلم بكل معطياتها، ومن يجرؤ أو يتجاسر عليها فإنما يقتحم ميادين الإبداع ليلقي بنفسه في النار.
ومن أجمل ما كتب في تأصيل هذه القضية دراسة الدكتور عبد العظيم المطعني "مصادر الإبداع وبين الأصالة والتزوير و"الحداثة سرطان العصر"، وكذلك "الورد والهالوك" لحلمي القاعود والعديد من دراسات د عماد الدين خليل ومحمد قطب ود. عدنان النحوي ود نجيب الكيلاني وآخرين فما معنى أن يقول مجرم مثلا:
أبانا الذي في شعاب المدينة …
يوصي الأعاريف اصبروا صابروا..
رميت كتابك في النيل بُلت عليه!!!
وهو صاحب ديوان يا عنب الخليل...!!
وما معنى أن يقول آخر:
قدر أحمق الخطى
سحقت هامتي خطاه
وما معنى أن يقول ثالث:
«لحبيبتي وجه كوجه الله ليس يطال؟»
وما الغاية من أن يسمى جاهل بعض كناسة الأرض التي لا ترقى لأن تكون نشراً مبتذلاً لطفل صغير بـ قرآن الفتي والأسئلة في الرواية والشعر ويضيق عنها الحصر والعد، لا سيما في هذا الزمان الذي يتنافس فيه الحداثيون والمنفلتون في الخوض في المقدسات.. وقد وقفت لهؤلاء وقفة شهيرة في مؤتمر أدباء الأقاليم الذي عقد ببورسعيد عام ۱۹۹۱م، وكنت ممثلاً لأدباء مصر جميعًا، وساندني حامد أبو أحمد الناقد المسلم الغيور، في محاكمة أصحاب محاكمة الإله ومسافة في عقل رجل.
القصيدة الأزمة
وماذا عن القصيدة الأزمة التي ثارت ومن حولها فتوى التكفير؟
إنها «الفزع الأكبر»، وهي إحدى ملامح الرؤية الحضارية في شعري كما أشار النقاد ومنهم د حسين علي محمد.. حيث تتشكل هذه الرؤية من ثلاثة محاور هي المعجم القرآني والتراث الإسلامي والصور والتشكيلات النابعة من الوجدان المسلم.. وفي هذه القصيدة أقول:
«والطور»
«وكتاب مسطور»
«في رق منشور»
«والبيت المعمور»
«والسقف المرفوع»
«والبحر المسجور»
«والشعب المقهور» …
والأقصى المهجور
قد جاء الأمر وفار التنور
والعالم يغرق في الديجور
والسلم يفتش عن ساعده المبتور والشمس تجمع كل حقائبها
ترحل عن زمن يخنق أصداء النور
تبحث عن وجه آخر للعالم
لا يتوارى خلف قناع شروره فسماوات الأرض انشقت
«ألقت ما فيها وتخلت»
والأنجم في قلب الإنسان انكدرت
وجبال الأحلام تسير
«كالعهن المنقوش»
والناس من الفزع الأكبر مثل فراش مبثوث
والآيات الأولى من سورة «الطور»، وبعدها من «الانشقاق»، ثم «القارعة»، وهي آيات تم التنصيص عليها حفظاً لقداستها وتسويرها من بين تراكيب القصيدة ولها مغزى فني لا يخفى على أي متلقٍ واعٍ إلى أن أقول:
«وعصا موسى لا تضرب أحجار الظلم
لا تغدو جسراً للشرفاء
وسفينة نوح لا ترسو فوق الجودي
ولا تبصر وجه الميناء
وهي قصيدة طويلة.. ختامها
ويغيض الماء.. ويقضى الأمر
ويلتئم القدس المشطور
والسلم ترفرف في الأفاق ذراعاها
تلوح بالسيف المنصور
وأنا أعتبرها قصيدة قرآنية الاستلهام والاستعداد والغاية والروح والوجدان.
وكيف تتم معالجة مشكلة التضمين القرآني.. إبداعيًا حتى لا نقع في المحظور؟
لقد عقدت رابطة الأدب الإسلامي العالمية ندوة شارك فيها كبار المبدعين والنقاد من قبل د. جابر قميحة ود. أحمد فضل شبلول ود. عبده زايد ود. عبد المنعم يونس ود. محمد كمال إمام ود. عبد المنعم يونس.. واستقر الرأي شرعيًا وإبداعيًا على تنصيص الآيات أولًا، وتهميشها مع الإشارة إلى أرقام الآيات وأسماء السور ثانيًا، وعدم اللغط أو الخلط أو الافتئات بأيّ حال على المعنى الخاص والعام للآيات..
في كتاب أبعاد الرؤية الإسلامية في الشعر المعاصر عالجت تطبيقيًا عشرات الأمثلة من هذه النماذج المعبرة عن مقومات الشخصية المسلمة فكيف يحتفظ الفن بجماله وشرعيته معًا؟
البعض يدفع بهذا التصور الخاطئ.. وكان السلامة الشرعية تعنى الجمود أو التحجر.. كلا.. فالسلامة الشرعية تفتح افاق الإبداع أمام المبدع إلى ما لا نهاية.. وتنير التجربة بلا حدود..
ولقد ذكرتني بحوار أجريته مع فضيلة الشيخ الشعراوي رحمة الله عليه.
وماذا كان رأي الشيخ الشعراوي في قضية التضمين القرآني تلك؟
قال: هذا فعلناه ففي قصيدة الهجرة التي تكلم فيها الشعراوي عن رحلة الهجرة، قال:
يا وفاء الصديق في رحلة الحق *** سلام عليك يا خير جار
كنت درعاً إقامة ومسيرًا *** ونصيراً يرجى لدى الإعسار
علم الله ما انطويت عليه *** فجزاء إمامة الأبرار
وكفاء على الجزاء دليلا *** ثاني اثنين إذ هما في الغار
ثم أبدى الشيخ الشعراوي تحذيره قائلا:
الذي يؤخذ على بعض الشعراء أنهم ينقلون بعض الألفاظ والآيات القرآنية الكريمة إلى مجال آخر غير كريم في سياق لا يتناسب مع قداسة القرآن الكريم كقول أحدهم:
كتب الرحمن على فمها *** في جامع وجنتها الأزهر
سطرًا قد صار ملخصه*** إنا أعطيناك الكوثر
وهذا شطط وتحريف وجرأة مقبوحة على كتاب الله تعالى.
قرارة العاصفة
وأخيراً.. إلام انتهت هذه العاصفة:
انتهت إلى ما ينتهى إليه كل لقيط من الكلام فقد رفع الأمر إلى لجنة الإفتاء بالأزهر ... وكان ردها شافياً كافياً، حيث وضعت الأمور في نصابها، وقالت في حق صاحب الأمر – شخصي الضعيف ما رأته وأهلاً له من احتساب نفسه وقلمه وفكره وإبداعه لله: وفي سبيل الله.. حيث لا ميدان لنا نقف فيه إلا هذا الميدان، وقالت اللجنة إن صاحب هذا الديوان وغيره ممن تعتز بهم الدعوة الإسلامية، ويفخر بهم البيان الإسلامي، وتعد اللجنة إنتاجه من الرصيد المبارك للصحوة الإسلامية، وتشهد له بمواقفه في الجامعة والمنتديات الأدبية والفكرية التي يقف فيها منافحا ومكافحاً عن الإسلام وقضاياه.. إلخ... وأخيرًا لا أجد ما أتمثله سوى ندى القرآن الرطيب الذي رطب الله به قلب موسى عليه السلام ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص :٢٤].
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل