; التطبيع مع الشعوب أولًا | مجلة المجتمع

العنوان التطبيع مع الشعوب أولًا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007

مشاهدات 44

نشر في العدد 1775

نشر في الصفحة 37

السبت 03-نوفمبر-2007

ما زالت مقولة أمير الشعراء شوقي -يرحمه الله- التي قالها حينما نُفي من مصر زمن الاحتلال الإنجليزي تُقال اليوم:

أحرامٌ على بلابله الدوح *** حلال على الطير من كل جنس؟

فقد نُفي -رحمه الله- وهو شاعر مصر وطني، ومجاهدها اللسن إلى أقصى المعمورة، هو ورفاقه من الوطنيين العظماء، وسُجنُوا في قعر ظلمة، والمحتلون الأوغاد وعملاؤهم في مرابع البلاد، وعلى ضفاف أنهارها، يمرحون وينعمون.

إن أي إبعاد للمخلصين في أي بلد عن أوطانهم، وإلغاءهم في بلادهم جريمة لا تُغتفر، وإن أي تقارب لأعداء الأمة كارثة لا تُحتمل، ومن يقم بها لن قد أرجع الأمة إلى عهود الاستعمار لاستعباد الأجنبي، ودلل على عمالته وخيانته، سيتعرف التاريخ على نفسه، وستنضم العهود بعضها إلى بعض، وسينادي الظلم على مثيله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

لماذا لا يريد البعض أن تلملم الأمة جراحها، وتضم شعثها؟! لماذا لا يريدون لها وئامًا أو اتحادًا؟! لذا يمشون إلى اليوم بسياسة «فرَق تسْد».. وهي سياسة الاستعمار من قديم؟! لماذا تبقى الأحكام صرفية سيفًا على رقاب الأمة، وخنجرًا في صدرها، وشوكة في حلقها؟!

والأسئلة في الحقيقة كثيرة ومتنوعة، تقتضي الإجابة عنها ومدارستها حتى يستطيع الإنسان أن يعرف موطن الداء وعوامل التأثير في المنظومة السلطوية التي تُسيّر الأمور في الأمة، من ذلك ما يأتي:

١ـ لماذا ساعد وجود الصهاينة على تهميش الإسلام وحماية الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة ضفاء الشرعية على تسلطها، وتوفير الأعذار لها في ضربها للحركات الإسلامية وكوادرها، وغضها بطرف عن جرائمها.

٢ـ لماذا ارتمت الأنظمة في أحضان المذاهب المنحرفة من شيوعية واشتراكية وفوضوية، وأخيرًا ألمانية، وذاقت الشعوب من هذا الارتماء المر العلقم، ولم تفكر، ولو للحظة واحدة، أن تأخذ المنهج الإسلامي العظيم ولو لسنة واحدة، ولم يسمح حتى بقيام حزب على أساس المنهج الإسلامي للأمة الإسلامية، ودستورها يعترف بالإسلام دينًا ودستورًا.

 ٣ـ لماذا تغض أمريكا الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في الوطن العربي وفي بعض البلاد العربية والإسلامية تُجرى المذابح هنا وهناك، حتى إن بلدًا مثل الجزائر قد فني فيه حوالي ١٠٠ ألف نسمة، وفي غيره من بلاد الأمة العربية يُصطاد الناس على قارعة الطريق، ويعيش على سياسة الضرب في المليان، وأمريكا التي تتباكى على حقوق الإنسان في العالم، وتدَّعي أنها الملاك الطاهر الذي يطارد الشيطان الرجيم في كل مكان من ليل أو نهار فرحة بهذا.

 ٤ـ لماذا تلوذ أمريكا حامية الحرية ـ كما تقول ـ بالصمت، وتخلد إلى الدعة والاحترام والتجلة، وهي ترى الديمقراطية تُداس بالنعال، وتُركل بالأقدام في البلاد العربية وفي العالم الإسلامي، وخاصة في الشرق الأوسط، وفي بلاد العالم تحاكم أمريكا أي نظام وأي دولة ديمقراطية، وتعقد على تنفيذها الولاء والبراء، والصداقة والعداوة، ولكن أمريكا لا تريد أن ترى للشعوب العربية رأيًا، أو تنظر لها تقدمًا، ولهذا فالولاء والبراء عندها في الشرق الأوسط لتنفيذ السياسات الأمريكية، وصداقة الدولة العبرية، والتنازل للصهيونية، وبيع الأرض العربية والمقدسات الإسلامية، وكل ذلك في مقابل حماية الكراسي والأنظمة الدكتاتورية.

 ٥ـ لماذا تتحرك أمريكا ومعها بلاد الغرب قاطبة إذا انتُهكت حرية علماني أو داعية لهدم الشريعة أو الطعن فيها؟!.. إن قعود أمريكا عن مطالبتها بالحريات حتى وإن ساعد ذلك التيار الليبرالي، هو خوفها من أن يستفيد من ذلك الإسلاميون، ولقد سقطت الأقنعة والادعاءات التي كانت تتذرع بها الأنظمة ومعها الغرب الداعم، ادعاءات أن الإسلاميين لا يعترفون بالحريات ولا بتداول السلطة، ولا بصناديق الاقتراع، فإذا بالإسلاميين يؤيدون الشورى «الديمقراطية الملتزمة بالدستور»، ويلتزمون بتداول السلطة، ويرضون بحكم الشعب المسلم، ويعترفون بقوانين الانتخابات، ولكن هل يُرضي هذا السادة من أصحاب السلطات، والسادة من المستعمرين الذين يتحكمون في مصائرنا ونحن في القرن الحادي والعشرين؟

يجب أن يعلم البعض ممن يملكون زمام الأمور أنهم يعودون بالأمة إلى أزمنة سحيقة كانت تنعم بالهمجية والتسلطية والفرعونية، وقد ذهب ذلك الزمان وذهبوا، ورحلت تلك الهمجية، ورحلوا، لقد كان فرعون يقول لشعبه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ «غافر: ٢٩».

 فأين الفراعنة؟

كانت ملوك أوروبا في الأزمنة الخوالي يفعلون الشيء نفسه، ويرددون ما قاله لويس الرابع عشر: «الدولة هي أنا»، وما قاله لويس الخامس عشر عام ١٧٧٠م: «إن حق إصدار القوانين التي يخضع لها رعايانا هو حقنا نحن بدون قيد أو شرط وبدون شريك»، وما قاله عام ١٧٦٦م إن النظام العام كله ينبع مني، وكل حقوق الأمة ومصالحها هي بالضرورة مصالحي وليس لها مكان إلا بين يدي»، فأين هؤلاء؟ وأين أقوالهم؟ لقد ذهبوا ملعونين أينما ثُقفوا، وإلى غير رجعة.

كما يجب أن يعلموا جيدًا أن الأمة الإسلامية التي ترعرعت في ظلال القرآن لن ترضى به بديلًا وهي وإن تسلط عليها بعض المارقين فيها، فلن تدعهم يفلتون لأن القرآن دائمًا ينادي في الأمة: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ «المائدة: ٤٩»، ﴿ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ «الممتحنة: ١٠». فلم يكن لأحد ولا للصادق الأمين أن يحيد عنه، وليس مباحًا ولو كان الرسول نفسه أن يستعلي أو يستثني أو يخرج عن القاعدة العامة في التزامه بالدستور القرآني الذي يفرض المساواة والحرية والاستعلاء لكل الناس، لأنهم ولدوا أحرارًا، ولا يستطيع أحد أن يلزمهم بشيء، لا يريدونه ولو كان دينًا: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ «البقرة: ٢٥٦».

يجب أن تلتفت سلطات الشرق إلى الحقائق قبل أن تلفتها الحوادث، وتقرعها الآيات، وتسلحها الجماهير التي طال صبرها، وعظم تحملها، كما أنها لن تستطيع أن تطفئ نور الله، أو تطمس هداه، أو تمنع رسالته، حتى وإن أعادت تاريخ الهمجية، وضلالات الجاهلية، واحتمت بكل البشرية: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ «يوسف:٢١».

الرابط المختصر :