العنوان التعامل مع الآخر
الكاتب محمد صلاح الدين
تاريخ النشر السبت 10-يونيو-2006
مشاهدات 51
نشر في العدد 1705
نشر في الصفحة 55
السبت 10-يونيو-2006
عرف الإسلام كل أنواع التعددية الفكرية والسياسية والدعوية والمذهبية، وقد نفى عن نفسه الإكراه في حرية المعتقد: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، مما يجعل ما دونها من باب أولى. كل ذلك يعبر عن رحابة في المنهج وشمول النظرة واتساع الرؤية، ولا غرو فالإسلام دين عالمي في دعوته، وأبدي في مدته وزمنه، وذلك ما جعله يتقبل الآخر بصدر رحب مهما كان اختلافه معه.
ونظرة الإسلام إلى الناس جميعًا لا تميز بينهم على أساس لون ولا جهة ولا مذهب بل جاء النداء القرآني: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: ۱۳).
التعارف بين المجتمعات والحضارات مبدأ دعا إليه القرآن الكريم وهو ضد التنافر والتصادم، هذا المبدأ من أهم المبادئ التي بنى عليها الإسلام منهجه في التعامل مع الآخرين، كما أكد ضرورة الحوار على أساس من الاحترام والاعتراف بالآخر، بل إنه وضع قاعدة التحاور والتفاهم على أساس من الإنصاف لم يعرفه فكر ولا فلسفة غيره، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ: 24).
قال معاذ بن جبل: «اقبلوا الحق من كل من نطق به ولو كان فاجرًا أو كافرًا».
وبعد التعارف والحوار وصل الإسلام إلى ضرورة التعايش بين المجتمعات والتعاون في القضايا المشتركة بين البشر كإخوة في الإنسانية.
تلك الأخوة التي شهد بها النبي ﷺ: «وأشهد أن العباد كلهم إخوة» (سنن أبي داود ج ۲ ص ۸۳)، وقال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (هود: ٥٠).
إن الإسلام ومن خلال النص القرآني الحكيم يقول وبكل جلاء: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ﴾ (الممتحنة:8)، أي أن البر والقسط مع الكفار غير المحاربين هو مطلب شرعي، وذلك ما يؤكده أيضًا مساواة الإسلام في عقوبة المعتدي على المسلم وعلي المسالم في الدية حيث يقول: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ (النساء: ٩٢)، ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (النساء:٩٢).
وهكذا بنى الإسلام أسس التعامل مع الآخرين على التعارف والحرية والحوار والتعايش مبادئ تكفل للإسلام أن يكون دينًا عالميًا ووسطيًا في جميع تصوراته ومعاملاته.
وتمكنه من إيصال رسالته إلى جميع الناس بدون إكراه أو فرض بل دعوة وشرح وبعد ذلك ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ۲۹).
إذا كان هذا عن تعاملنا مع غيرنا، فإننا فيما بيننا يجب أن نتعارف ونتحاور كذلك على الأسس الشرعية، فلا تكفير ولا تضليل بل حوار وتفاهم وتعاون في المتفق عليه وتسامح في المختلف فيه، ولا شك أن المسلمين قد تجاوزوا التعددية الفقهية والمذهبية واحتووها بعد ما وصل الأمر في بعض الأزمنة إلى حد التساؤل: هل يجوز زواج المالكي من الحنبلية قياسًا على الكتابية؟ تلك الخلافات والصراعات اختفت وأصبح الجميع يؤمن بأن الخلاف الفقهي رحمة وضرورة واقعية، يقول عمر بن عبد العزيز: «ما يسرني أن أصحاب رسول الله ﷺ اتفقوا» وذلك لأن في اختلافهم رحمة.
إن تجاوزنا للاختلافات الفقهية لدليل على قدرتنا على استيعاب التعددية السياسية والمذهبية.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي: إن هذه التعددية في العمل الإسلامي هي عامل ثراء ويجب أن تكون تعددية تنوع لا تعددية تضاد وتصادم.
وخلاصة القول: إن المسلم الذي يحكم الشرع في أقواله وأفعاله يجب أن يتبع منهج الإسلام في التعامل مع الآخرين سواء من المسلمين أو من غيرهم، منهج ينبغي أن تقوم، كما أسلفنا- على التفاهم والحوار والتعايش لا على الصدام والخلاف.
كما يجب على العلماء والمفكرين اتباع الوسطية في نظرياتهم وتوجيهاتهم وفتاواهم، وينتبهوا إلى فقه المآلات وذلك كما يقول الشيخ عبد الله بن بيه ما أكد عليه الشاطبي حيث قال: إن المفتي لا بد أن يكون وسطيًا لأن الشريعة مدارها على الوسطية وأن يتصف بالنظر إلى المآلات لأنه حقيقة الشريعة، فالنبي ﷺ لم يهدم الكعبة ويبنها على قواعد إبراهيم حتى لا يثير قريشًا، ولم يقتل المنافقين حتى لا يقول الناس إن محمدًا ﷺ يقتل أصحابه؛ فيشوهوا صورة الإسلام.
وتأسيسًا على ما سبق نؤكد على نقطتين مهمتين وردتا في توصيات ندوة «ثقافة الأمة الوسط» التي أقيمت في الكويت بالتعاون بين وزارة الأوقاف والهيئة الخيرية العالمية سنة ٢٠٠١م حيث أكد المشاركون في توصياتهم على ما يلي:
1-التأكيد على ضرورة إحياء فقه العمل المشترك تعاونًا في المتفق عليه وتسامحًا في المختلف فيه.
2-أهمية الحوار مع حكماء العالم ومفكريه وتوضيح صورة الإسلام السمحة.