العنوان التعاون الإستراتيجي التركي – السعودي.. فرصة أم تحدٍّ أم أمل؟
الكاتب ا. محمد سالم الراشد
تاريخ النشر الخميس 01-أبريل-2021
مشاهدات 62
نشر في العدد 2154
نشر في الصفحة 66
الخميس 01-أبريل-2021
في يوم السبت 27/3/2021م، وقّعت إيران والصين من قِبَل وزيري خارجية البلدين اتفاق تعاون إستراتيجي مدته 25 عاماً، وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، في اليوم التالي (28/3/2021م)، أن مسودة الاتفاق التي حصلت عليها العام الماضي تُفَصل 400 مليار دولار من الاستثمارات الصينية في عشرات المجالات بما في ذلك البنوك والاتصالات والموانئ والسكك الحديدية والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات على مدى السنوات الـ25 المقبلة، وستحصل الصين على إمدادات منتظمة وبأسعار مخفضة جداً من النفط الإيراني، كما دعت المسودة إلى تعميق التعاون العسكري بما في ذلك التدريبات والبحوث المشتركة وتطوير الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية؛ مما يمكِّن الصين من نفوذ بارز في الخليج والشرق الأوسط، ويرفع مستوى الصراع مع الولايات المتحدة في المنطقة.
وإذا وضعنا في الاعتبار الاتفاق الإيراني الروسي، في عام 2001م، للتعاون في المجال النووي، وذلك لمدة 20 عاماً، فإن المنطقة مقبلة على صراع جيوسياسي وإستراتيجي مخيف؛ مما يجعل دول الخليج العربي أمام تهديدات وتحديات جديدة في عهد الرئيس الأمريكي «بايدن» الذي باشر سياساته المحبطة تجاه المنطقة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستظل دول الخليج وخصوصاً الدولة الأكبر المملكة العربية السعودية خاضعة لنتائج هذه المتغيرات الجيوسياسية، وستظل مكبَّلة اليدين أمام التصرف لمصالحها الإستراتيجية؟ إن المعوّل الأكبر اليوم يقع على دور المملكة العربية السعودية في استعادة المبادرة لإعادة ترتيب رؤيتها الإستراتيجية الأمنية التي يجب أن تتكيف مع هذه المتغيرات.
فإيران اليوم لديها اتفاقيات إستراتيجية مع روسيا والصين، وذلك مهدد لأمن المنطقة، ونفوذها يزداد توغلاً في منطقة الشرق الأوسط والخليج واليمن، وفي الوقت نفسه تستخدم نفوذها في العراق وسورية واليمن للتفاهم مع الولايات المتحدة.
إن استعادة الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية من السيطرة الإيرانية مهمة لا تستطيع السعودية وحدها أو حتى مصر بمواجهتها، ونظراً لأن الإدارة الأمريكية تتصرف بأسلوب ابتزازي مع المملكة العربية السعودية وتركيا في آن واحد، فإن مهددات الخطر الإيراني والصيني ومزاجية الرئيس الأمريكي الجديد ستظل المعادلة الجيوسياسية لفرض سياسات أمنية واقتصادية لمصلحة الولايات المتحدة وحليفها الأبدي الكيان الصهيوني، وستظل دول المنطقة في الخليج وخصوصاً المملكة العربية السعودية تحت وطأة السياسة والمزاج الأمريكي الذي يبحث عن مصلحته ولو بالتفاهم مع الإيرانيين حول أزمة النووي على حساب مصلحة المملكة ودول الخليج.
الفرص المتاحة:
إن الفرصة متاحة اليوم للمملكة العربية السعودية الدولة الكبرى في مجلس التعاون الخليجي ولتركيا بثقلها وقوتها العسكرية والاقتصادية في إعادة صياغة علاقات جيوسياسية وإستراتيجية لمصلحة الطرفين بعد التقارب الإيراني الصيني، والدعم الروسي، ومزاجية السياسات الأمريكية في المنطقة، خصوصاً ما يتعلق بملف اليمن، واعتبار الحوثيين منظمة غير إرهابية مع كل ما يحدث من إطلاق صواريخ ومسيّرات ضد أهداف مدنية وعسكرية سعودية.
خطوات إيجابية:
في ديسمبر 2020م، حضر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «قمة العشرين» التي عُقدت في المملكة بدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسبق أن قامت المملكة بتقديم مساعدات لضحايا زلزال إزمير، ولقاء وزيري خارجية البلدين فيصل بن فرحان آل سعود، ومولود جاويش أوغلو؛ مما فتح الباب لروح جديدة تفتح المجال لمناقشة تطوير العلاقات بين البلدين.
إن التحديات الصينية والإيرانية والأمريكية لتركيا في ملفات نفوذها كملف الأكراد وسورية والبحر المتوسط، تشكّل أيضاً هاجساً ودافعاً مشتركاً مع دول المنطقة من تغوّل هذه القوى الدولية على جغرافية ومصالح دولها.
وفي ظل تحدي فيروس «كورونا» الذي يهدد الصحة العامة في المنطقة والعالم، وتراجع الاقتصاد بسبب الإغلاق المتذبذب لأسواق العمل وخطوط التجارة ومؤسسات الإنتاج والتبادل التجاري؛ فإن اقتصاد البلدين سيتأثر مستقبلاً.
إن من أهم الفرص المتاحة اليوم بين المملكة العربية السعودية وتركيا هو تسييج تعاون مشترك فيما تتعرض له الدولتان من ضغوط أمريكية في قراراتهما الجيوسياسية في سورية أو اليمن، أو في صراع النفوذ الإيراني في التفاوض على مستقبل سورية أو اليمن، ويمكن أن تمتلك الدولتان (السعودية وتركيا) رؤية مشتركة تحفظ فيها مصالح شعبي هاتين الدولتين العربيتين (اليمن وسورية)، وفي الوقت نفسه تقلص النفوذ الإستراتيجي في الحلول السياسية القادمة.
لقد أثبت سلاح المسيّرات التركية حسم المعارك في أذربيجان وشمال سورية وليبيا بما يؤهله ليصبح أداة إستراتيجية للتعاون مع المملكة العربية السعودية، خصوصاً بعد أن وقّعت المملكة عقداً مع شركة تركية لصناعة المسيّرات.
إن حرب اليمن يمكن حسمها بمثل هذا السلاح العملي، وفي الملف الفلسطيني؛ فإن رؤية الدولتين تتفقان مع الحل العربي الذي يتمثل في المبادرة السعودية التي أطلقها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يرحمه الله، فالمملكة العربية السعودية لا تتوافق مع التطبيع بالشكل الذي سارت عليه دولتان خليجيتان.
إن توافر الفرص الاستثمارية في تركيا والمملكة العربية السعودية وهما من أكبر الأسواق التجارية الاستثمارية في المنطقة وحجم الاقتصادين يؤهلهما إلى تكامل اقتصادي يحقق الربح لكلا الطرفين، ويرتفع باقتصاد البلدين في ظل أزمة «كورونا» والتحديات المستقبلية لانخفاض أسعار النفط، وحاجة تركيا للنفط والغاز من منطقة الخليج.
ومع بدء الاتصالات الأخيرة بين تركيا ومصر، فإن ذلك يوفر فرصة جيدة لتجسيد العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية لإعادة التفكير في المصالح الجيوسياسية والإستراتيجية لهذه الدول الثلاث، في ظل وجود مشروع إيراني وصهيوني يهدف للسيطرة على الممرات المائية وخطوط التجارة وتقسيم المنطقة ويشعل الصراعات الداخلية فيها.
إن فتح صفحة جديدة من المصالحة الخليجية بين قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين يفتح الطريق لدعم تعاون سعودي تركي يجسِّد حالة إستراتيجية للتوازن الأمني في المنطقة.
من جهة أخرى، فإن طبيعة العلاقات المتميزة بين تركيا وباكستان، والمملكة العربية السعودية وباكستان أيضاً، توفر سنداً جغرافياً وعسكرياً وأمنياً لحماية المنطقة من نفوذ المشاريع الدولية والإقليمية، وخصوصاً المهدد الإيراني والصهيوني.
الإشكاليات:
قد يواجه التفاهم السعودي - التركي مستقبلاً عدة إشكاليات، منها:
- التحرك الصهيوني في المنطقة لإفشال أي تعاون إستراتيجي بين البلدين.
- التحرك الإيراني في المنطقة إعلامياً وسياسياً لإفشال أي تقارب بين البلدين.
- طبيعة التعاون الصهيوني مع بعض الدول الخليجية قد تتعارض ومصلحة تلاقي الدولتين.
كذلك، فإن الضغط الأمريكي يدفع للحيلولة بين تعاون وتكامل إستراتيجي بين تركيا والمملكة العربية السعودية، فكلا الدولتين لهما علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، ولكن الولايات المتحدة تريد توظيف هاتين الدولتين لصالح إستراتيجيتها في مواجهة الصين والملف النووي الإيراني دون أن تستصحب هاتين الدولتين رؤية واحدة مشتركة قد تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة.
التكامل والتعاون خطوتان إستراتيجيتان:
إن التكامل يقوم على التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، وإن فرص توفره حالياً ودوافعه والتحديات التي تواجه الدولتين أكبر من الخلافات الفرعية، فكلا الدولتين ما يجمعهما أكبر مما يباعدهما.
فهما أكبر دولتين سُنيتين في المنطقة، وتمتلكان من القوة الاقتصادية والعسكرية ما يؤهلهما لإيجاد مظلة إستراتيجية إقليمية، وإن تقارب المملكة العربية السعودية وتركيا سيساعد على تشييد مظلة كبيرة لدول أخرى كمصر وباكستان ودول الخليج لإحداث الاستقرار والتوازن مع النفوذ الإيراني والصيني والروسي والصهيوني والأمريكي في المنطقة.
وهي تحتاج إلى مبادرة شجاعة تطلقها الدولتان تتجاوز فيهما كل سنوات العقد الماضي من تدافع وخلاف في المنطقة العربية.