; التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين | مجلة المجتمع

العنوان التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين

الكاتب عبد الوهاب المسيري

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1997

مشاهدات 61

نشر في العدد 1240

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 04-مارس-1997

من الموضوعات التي لم يتم بحثها بالقدر الكافي لأسباب معروفة، قضية تورط بعض أعضاء الجماعات اليهودية «من الصهاينة وغير الصهاينة»، في علاقة تعاون وثيقة مع النازيين، وقد أخذ هذا التعاون أشكالًا كثيرة من بينها عدم الاشتراك في المقاومة أو التعاون الاقتصادي مع النازيين أو الانخراط في التنظيمات النازية، ولكن أهم أشكال التعاون وأوثقها هو التعاون المؤسسي بين المستوطنين الصهاينة والنظام النازي والنظام الفاشي، وسنتناول في هذا المقال أشكال التعاون هذه.

يثير بعض الدارسين تساؤلًا بخصوص المقاومة اليهودية والصهيونية للنازيين وهي مسألة خلافية مركبة، ومما يجدر ذكره أنه حين استولى هتلر على السلطة عام 1933م، ظلت هناك جيوب رافضة داخل المجتمع الألماني صعدت المقاومة ضده من منظور ثوري، فالنازية حركة شمولية تقف ضد مصلحة الطبقة العاملة، كما كانت هناك مقاومة من منظور يميني تدعمها قطاعات معينة من الرأسمالية الألمانية الكبيرة، وكانت هناك أيضًا مقاومة من منظور تقليدي أرستقراطي باعتبار أن النازية تقضي على امتيازات الطبقة الأرستقراطية الألمانية ومكانتها، إذ كانت النازية على مستوى من المستويات، عملية تحديث سريعة وراديكالية تمت تحت إشراف عناصر من البرجوازية الصغيرة لا تحترم التقاليد وتقضي على سائر الخصوصيات وتحاول أن تنجز في عشرة أعوام ما أنجزته أوروبا في مئات الأعوام، وقد تمركزت المقاومة التقليدية في الجيش ووزارة الخارجية، وكانا يضمان أعدادًا كبيرة من أعضاء الطبقة الأرستقراطية، كما كانت هناك حركة مقاومة ثورية نظمتها الأحزاب الشيوعية الاشتراكية وبالمثل قام البولنديون بحركة مقاومة عنيفة ضد النازيين، هذا بخلاف حركات المقاومة في فرنسا وغيرها من الدول. 

وقد بين كثير من الكتاب أنه لم تنشأ أي مقاومة يهودية في أرجاء أوروبا، مع أن مثل هذه المقاومة كان بوسعها أن تصيب آلة الإبادة النازية بالشلل أو تحد من سرعتها أو تعطلها، خصوصًا وأنها كانت مرهقة، ولم تبدأ المقاومة اليهودية جديًا في وارسو التي كان 45 في المائة من سكانها من اليهود، إلا في أوائل عام 1943م، عندما بدأت موازين القوى تميل لصالح الحلفاء وحين قررت برلين تدمير حارة اليهود، وكان الوقت قد فات على إنقاذ نزلاء المعسكرات.

ومن الأسباب الأساسية التي يطرحها البعض لتفسير ضعف المقاومة اليهودية رغم الشراسة النازية هو الموقف الصهيوني، إذ يبدو أن الصهاينة لم يبدوا حماسًا كبيرًا في حربهم ضد النازية، وكانوا غير مكترثين بالمقاومة ضد النازيين، وفي مجال هجومه على المشروع الصهيوني، حذر المفكر الاشتراكي كارل كاوتسكي من الآثار الضارة للصهيونية التي توجه جهود اليهود وثرواتهم إلى الاتجاه الخاطئ «الاستيطان في فلسطين»، في وقت تتقرر فيه مصائرهم في مسرح مختلف تمامًا «أوروبا وألمانيا»، حيث يجب عليهم أن يركزوا فيه كل قواهم، وكان كاوتسكي يشير بذلك إلى أن ملايين اليهود في شرق أوروبا «بين ثمانية وعشرة ملايين»، لم يكن من الممكن تهجيرهم إلى فلسطين، وبدلًا من تنظيمهم وتوجيه طاقاتهم، حتى يكونوا مهيئين للدفاع عن أنفسهم حينما تقع الواقعة، كانت القيادات الصهيونية تركز على تهجير بضع مئات منهم إلى أرض الميعاد. 

ولكن الاعتبارات الصهيونية كانت مختلفة تمام الاختلاف عن ذلك، إذ قرر الصهاينة اتخاذ موقف الحياد من المقاومة، باعتبار أن اليهود لهم مصالحهم وحروبهم المختلفة، وأن هدفهم الوحيد هو تأسيس الدولة الصهيونية، ولذا نادى كثير من الصهاينة بعدم الاشتراك في الحركات المعادية للنازية والفاشية، وقد بين ماريك إيديلمان، أحد قواد تمرد جيتو وارسو، في حديث له مع مجلة «هارتس» أن الأبطال الحقيقيين للمقاومة كانوا أعضاء حزب البوند واليهود المعادين للصهيونية والشيوعيين والتروتسكيين والصهاينة اليساريين، أما أعضاء التيار الصهيوني الأساسي، فكان موقفهم هو موقف الحياد إياه، وكلما كان النضال ضد النازية يزداد ضراوة كان الصهاينة يزدادون ابتعادًا عن بقية اليهود، ومن المعروف أن القوات النازية كانت تقيم مجالس لليهود في البلاد التي تحتلها بعد حل كل التنظيمات اليهودية، ويقال إن أغلبية أعضاء هذه المجالس كانوا من الصهاينة «وإن كان هذا يحتاج إلى مزيد من التمحيص»، ومن الثابت تاريخيًا أن المجالس اليهودية كانت أداة ذات كفاءة عالية في إدارة عملية الإبادة. 

وقد تعاون كثير من الأفراد اليهود «غير الصهاينة» مع النازيين، وهم في هذا لا يختلفون عن مئات الأوروبيين الآخرين الذين كانوا مجرد موظفين ينفذون الأوامر التي تصدر إليهم، كما لم يكترث يهود فرنسا بنقل اليهود الذين ليسوا من أصل فرنسي، تمامًا مثلما أظهر يهود ألمانيا عدم اكتراث بنقل اليهود الأوست يودين «أي يهود شرق أوروبا»، بل إن بعض الكتاب اليهود أثاروا قضية دور الحاخامات في أوروبا وفشلهم في قيادة حركة المقاومة، ومن المعروف أن قسًا كاثوليكيًا وواعظًا بروتستانتيًا تطوعًا للذهاب مع المرحلين إلى معسكرات الاعتقال، بينما لم تلعب الحاخامية دورًا مماثلًا. 

والموضوع، كما أسلفنا، خلافي للغاية، فثمة نظرية تذهب إلى أن المقاومة لم تكن على أي حال لتجدي فتيلًا، وذلك لأن الأغلبية الساحقة من الشعب الألماني لم تكن تمانع في الإبادة، كما أن آلة الحرب والمخابرات والإبادة الألمانية كانت على درجة عالية من الكفاءة والقدرة على الفتك، ومن الممكن تطبيق نفس المقولة على هؤلاء الأغيار المتهمين بعدم مقاومة النازي، فلعلهم توصلوا هم أيضًا إلى عدم جدوى المقاومة، ولكن هذا القول الذي ينطبق على الجماعة اليهودية في ألمانيا لا يسري بأي حال على يهود بولندا الذين كانوا يشكلون كثافة سكانية لا بأس بها، وكان بوسعهم المقاومة والانضمام إلى الشعب البولندي الذي كان يقاوم الغزو النازي.

ومن القضايا الأخرى التي تثار في هذا السياق موقف المستوطنين الصهاينة، فقد كانت إحدى دعاوى إقامة الدولة الصهيونية أنها ستكون ملجأ لليهود يحميهم من هجمات الأغيار ومذابحهم، ولكن حينما دخلت قوات روميل حدود مصر وبدأت تتقدم نحو الإسكندرية، اكتشف المستوطنون الصهاينة عبث المقاومة، بل ووضعت بعض الكيبوتسات خطة للانتحار، والقدرة على الانتحار تختلف بشكل جوهري «في تصورنا»، وعن المقاومة والإنقاذ، ولكن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن الانتحار يفقد الجيب الصهيوني شرعيته كملجأ أخير ونهائي لليهود. 

ويبدو أن يهود الولايات المتحدة «الذين يشكلون أكبر جماعة يهودية في العالم»، لم يلعبوا دورًا فعالًا بما فيه الكفاية في محاولة حماية يهود ألمانيا، وقد حاولت إحدى المنظمات اليهودية الأمريكية عام 1981م، فتح ملف تقصير الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ولكنها أغلقته بسرعة بدعوى أن الموضوع محرج ومؤلم، وهو كذلك بالفعل، لكن هذا لا يبرر إغلاق التحقيق، خصوصًا أن الاتهامات الصهيونية للحكومة الأمريكية والفاتيكان والكنيسة بالتقصير لم تتوقف.

الرابط المختصر :