العنوان التعددية السياسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
مشاهدات 79
نشر في العدد 943
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
التعددية السياسية بحث مطروح
للمناقشة في معظم وسائل الإعلام العربية.. وإذا كان لكل تيار سياسي رأي فيها،
فإن للإسلام موقفًا من التعددية والدعوة إليها.. ويجتهد الكُتَّاب الإسلاميون
في استنباط الرأي الإسلامي حولها، وفي هذا العدد نطرح إجابة كل من الشيخ عبدالله بن
بيه وزير العدل الموريتاني سابقًا- وأستاذ مادة الثقافة الإسلامية في جامعة
الملك عبدالعزيز، والدكتور حامد أحمد الرفاعي الأستاذ بكلية العلوم في جامعة الملك
عبدالعزيز بجدة.. ففي لقاء المجتمع معهم طرحت سؤالها كما يلي:
- ما هو حكم الإسلام في الدعوة التعددية السياسية، وما هو موقفها في
الإطار الإسلامي؟
الشيخ بن بيه: الحقيقة إن
التعددية أو الدعوة التعددية هي جزئية من كل.. هذا الكل هو الإسلام الذي
نتحاكم إليه في كل شيء فنرجع إليه في كل شيء امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ
مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: 10) لابد لتحقيق المناط في
هذه المسألة أن نتعرف على معنَى التعددية ولابد لتنقيح المناط حسب عبارات
الأصوليين أن نتعرف أولًا على الإسلام.
الإسلام هو الامتثال والاستسلام لله
سبحانه وتعالى بالطاعة ﴿وَمَنْ
يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (لقمان:22). ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 131). فالتعددية لابد أن نراها
على ضوء هذا الاستسلام وهذا الانقياد والانصياع لأمر الله جلَّ وعلا.. في
المجتمع الإسلامي أو الدولة الإسلامية لابد أن نعرف التعددية وأن نعرف موقف هذه
التعددية لنرتب على ذلك حكمًا، وقبل ذلك لابد أن نقرر حقيقة أولى وهي أن الإسلام
لا يحبذ الاختلاف ولا يحبذ وجود أحزاب متناحرة متشاكسة، بل إن الإسلام هو دين
التوحيد وهو دين الوحدة أيضًا، فالله سبحانه وتعالى ينهي عن النزاع ويقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا
فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)، يرتب على هذه وينكر بالجزاء في
الدنيا قبل الآخرة.. نتائج حتمية للنزاع والصراع هي الفشل ومعنى الفشل ببساطة
هي عدم بلوغ الهدف الذي يرمي إليه المرء ومعناه أيضًا ذهاب الريح وهي النصر أو
الجماعة، والله سبحانه وتعالى يقول ﴿وَلَا
تَفَرَّقُوا﴾ ينهانا عن التفرق وينهانا أن نكون شِيَعًا وطوائف معنى ذلك أن
الإسلام في أصله هو دين التوحيد الذي يؤمن بإله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن
له ولد، وهو دين الوحدة أيضًا الذي يحض أتباعه على أن يتحدوا في تصوره وفي
تطبيقاته ومن هذا المنطلق أقول إن الإسلام مبدأ يرفض تعددية بمعنى خاص تعددية،
ترمي إلى إيجاد مجموعات وطوائف متناحرة متشاكسة ذات أهواء مختلفة، إذا كانت
التعددية معناها اختلاف الآراء والاجتهادات، فالإسلام يقرُّ هذا الاختلاف في
الاجتهادات.. فالإسلام لا يعفو فقط عن المخطئ وإنما يمنحه أجرًا؛ لأنه بحث عن
الحقيقة، من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر، فالنبي صلى الله عليه
وسلم أعطى للمصيب أجرين وللمخطئ أجرًا واحدًا لأنه بذل جهدًا والله سبحانه وتعالى
لا يضيع جهد الصادقين.. فالإسلام إذن يحض على الاجتهاد.. والبشر لابد
لاجتهاداتهم من أن يخطئوا وبالتالي يعفو عن هذا الخطأ.. إلا أن هذا الاجتهاد
لابد أن يصل إلى مؤسسة خلافية بمعنى أن الإسلام لا يجعل الخلاف مبدأ قائمًا
وثابتًا بحيث تقوم جماعة على الخلاف لأجل الخلاف وهذا الخلاف أيضًا في الأطر
الإسلامية.. والعلماء حددوا الأطر التي يقع فيها الخلاف في علم الأصول الذي
هو فلسفة إسلامية خالصة ليست مشوبة بالفلسفة اليونانية وإنما أبدعها وأنشأها الفكر
الإسلامي فقامت المدرسة الأصولية على يدي الشافعي رحمه الله تعالى، ثم بعد ذلك كل
مذهب اجتهد وكتب عن الأصول التي يقوم عليها الاجتهاد.. لذلك فالإسلام لا يقر
الخلاف ولا يعني ذلك أن الاختلاف ليس موجودًا وإنما هو موجود، فهنالك حزب الخوارج
والمعتزلة ولكن الواقع شيء ومثالية الإسلام وحكمه شيء آخر.. نحن لا نتحدث عن
تاريخ الإسلام.. لو قلت ما هو موقع تعدد الأحزاب في تاريخ الإسلام؟ لقلنا نعم
كانت توجد أحزاب في تاريخ الإسلام ولكن نحن نتحدث عن حكم الإسلام.. وحكم
الإسلام نراه مجردًا لا يحكمه إلا الكتاب والسنة.. لا تحكمه عوائد أو تقاليد
أو أعراف أو تاريخ به انحرافات.. حينئذ نقول هذا التعد في الأصل ليس مجندًا
في تاريخ الإسلام.. التعدد وقع في تاريخ الإسلام مرحلة ثانية إذا كان ضرورة
أو بمعنى إذا كان فرضته ظروف ضرورية معينة.. بالضرورات تقدر بقدرها كما يقول
العلماء.. والأمر إذا ضاق اتسع والحركة الإسلامية أو الإسلاميون لا يمكن
بدعوى رفض التعددية من ناحية المبدأ أن يهمشوا أنفسهم أو أن يبقوا على الهامش.. إذا
كان ذلك سببًا في تهميشهم فعليهم أن يدخلوا في إطار التعددية كممثلين لصوت الحق.. إلا
أنهم في نفس الوقت يجب ألا يتنكروا للمبدأ كمبدأ وهو وحدة أمة الإسلام.
الدكتور حامد الرفاعي: أحسب
الأزمة التي تواجه الأجيال الإسلامية اليوم هي أزمة اضطراب المفاهيم والتصورات.. وأحسب
أن من العوامل التي تتسبب في هذا الاضطراب هي أزمة أخرى هي أزمة «المصطلحات
الوافدة» بين أزمة المصطلحات وأزمة اضطراب المفاهيم والتصورات تأتي هذه
الأزمة التي تضطر من حين لآخر أن نتعامل مع معطياتها والتي نجد أن هذه المعطيات
تريد بشكل أو بآخر أن تخرج بالأجيال الإسلامية عن محاضنها التكوينية الأصلية
المنتمية إلى عقيدتنا وفكرها ومنهجها.. بعد هذه الكلمات آتي إلى موضوع
التعددية السياسي.. هذا مصطلح.. قبل أن نقول رأينا الشرعي أو رأينا
الفكري لابد أن نحدد هذا المصطلح، ما هي أبعاده؟ ما هي غاياته؟ فإذا تحددت أبعاد
هذا المصطلح وتحددت غاياته نستطيع أن نتعامل معه إيجابيًّا أو سلبيًّا.. هذا
المصطلح في الحقيقة من العمومية بحيث يجعل الإنسان أمام خيارات متعددة.. وأحسب
أن الذين طرحوه كانوا من الذكاء وكانوا من الفطنة بحيث جعلوه بهذه السعة وبهذه
الزينة.. ليستوعبوا من خلاله مقاصدهم وليحققوا غاياتهم.. إن كانت
التعددية السياسية المقصود بها هو تعددية الرأي في إطار الانتماء إلى منهجية معينة
وإلى عقيدة معينة.. إن كانت التعددية بهذا المعنى فلا تثريب عليها، بل نقول
إن ذلك واجب وهي ظاهرة من ظواهر الإبداع والإثراء في إطار العقيدة الواحدة أو
المنهجية الواحدة.. وهذا الذي نعبِّر عنه.. وقد عبرت عنه في كتاباتي
السابقة بالتعددية الاجتهادية.. نحن في الإسلام –وفضيلة الشيخ بن بيه أشار
لهذا- التعددية الاجتهادية في إطار الثوابت التعددية والثوابت المنهجية أمر
مطلوب، بل هو ظاهرة إبداعية لارتقاء الأمة ولبعث حيويتها في تفاعلها مع معطيات
سيرها الحضاري.. أما إن كان المقصود في التعددية السياسية هو التعددية
العقدية والمذهبية.. والتعددية التي تجعل الأمة أمام خيارات تخرجها في
النهاية عن أصالة انتمائها وتكوينها.. التعددية بذلك مرفوضة جملة وتفصيلًا
ونعتبرها في هذه الحالة اسم حركي للّادينية.. كأن يكون مقصودًا بالتعددية أن
تعرض الأجيال من جديد إلى عقائد وأيديولوجيات جدية تسوي بها مع الإسلام لتصاغ
عضوية المجتمع العربي من جديد ومن خلال النظر إليه على أنه مولود جديد يحتاج إلى
من يهوِّده أو ينصِّره أو يُمجِّسه أو يُؤَسلمه هذه في تقديري قضية من أخطر
القضايا التي أعتبرها من أكبر وأخطر الحروب على الأمة العربية والإسلامية وأعتبر
أن التعددية السياسة بهذا المعنى خندق خطير من خنادق الاعتداء على الأمة
الإسلامية.. وبالتالي لابد أن نحددها وأن يكون تقويمنا لهذا المصطلح من خلال
هاتين النظرتين.. إن كانت الأولى فلا تثريب على ذلك بل نرحب بالتعددية
الاجتهادية بل نرى أن من عوامل الانحدار الحضاري للأمة عندما غابت التعددية
الاجتهادية أو عندما جمدت أو تخلف الاجتهاد الفكري.
والاجتهاد الفكري في أطُره الحيويَّة
هذه.. فالتعددية الاجتهادية هي ظاهرة إبداعية كما قلت وكما قال أخي فضيلة
الشيخ.. الإسلام هو المبدأ الوحيد الذي يثيب على الاجتهاد الخاطئ كما أنه
يضاعف الثواب للاجتهاد الصحيح.. أما إن كانت المعنى الآخر فإنني أعتبرها
حربًا ضروسًا ومقنعة لمحاولة اغتصاب واستلاب عقيدة الأمة التي ربيت عليها.. ومن
يقبل بالتعددية السياسية بمعناها الثاني يعتبر كمن يوَقِّع على وثيقة انهزامية
عقدية.. بل هو توقيع على وثيقة نقر بها الردة الجماعية لهذه الأمة.. أن
نقول الشيوعية العلمانية.. القومية بمعناها الأيديولوجي العقدي.. الإسلام.. هذه
كلها سواسية أمام أجيال الأمة.. نعتبر أن هذا من أخطر ما يواجهنا في الساحة
السياسية الآن.
النقطة التأصيلية لمواجهة هذه
القضية.. هي غياب التصور الكامل للنظرة الإسلامية لقيام المجتمع الإسلامي أو
لقيام المجتمع الإنساني في إطار الثوابت الإسلامية.
التصور الإسلامي لقيام المجتمع سواء
كان المجتمع الإسلامي الخاص أو طرح المشروع الإسلامي للنظام الدولي في إطار
السيادة الإسلامية تقوم على مرتكزات أربعة: الإسلام عقيدة وفكرة ومنهج ونظام.
والعقيدة في هذه الرباعية تشكل
المرتكز الأساسي الذي يحدد المنهجية وأبعاد الفكرة وأطر النظام العامة.. وهذه
الرباعية متداخلة تداخلًا مركزيًّا مع بعضها البعض لا ينفك واحدٌ منها عن الآخر
وكلها تتمركز حول قضية العقيدة.. فالعقيدة والفكرة تولد المنهج، والنظام وسيلة
لتنفيذ الفكرة والمنهجية في إطار العقيدة.. هذه نقطة لابد أن تكون واضحة في
أذهاننا ابتداء.. في أطر هذه الثوابت نصوغ نحن مشاريعنا السياسية وتصوراتنا
في علاج قضايانا الاجتماعية فيما بيننا نحن المسلمين، ونصوغ مشاريعنا في علاقاتنا
مع غيرنا من المجتمعات التي نتعايش معها على الساحة الدولية.. في أطر هذه
المفاهيم لا بد أن نصيغ أو أن نحرص على صياغة مشاريعنا في إطار هذه الثوابت.. الرسول
صلى الله عليه وسلم نظر فوجد بين يدي عمر رضي الله عنه نسخة من التوراة، فانتزعها
منه غاضبًا وقال: «والذي نفسي بيده لو كان موسى بين ظهرانينا ما كان له إلا أن
يتبعني» فعل هذا حرصًا على الصياغة الدقيقة بعيدًا عن كل وافد ثقافي.. لأن
الصياغة الإسلامية هي الفكرة الربانية التي لابد أن يصاغ بها المجتمع الإسلامي
وعلاقاته مع غيره من المجتمعات.. لذلك حرص على ألا يتسرب إلى عمر في صياغته
العقلية أي وافد ثقافي خارجي فكيف نقبل بالتعددية التي تثير فتنة لا يعلم مداها
إلا الله، ونعيش ويلاتها على امتداد حاضرنا العربي.