العنوان أبعاد الموقف الأوروبي من الوضع في الجزائر.. التعريب والتطبيع أهم الأوراق الخفية في العلاقات المتوترة
الكاتب عامر حمدي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
مشاهدات 58
نشر في العدد 1279
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
لماذا الاتحاد الأوروبي مازال أكثر تشددًا في رفض الإرهاب؟
ومنظمة العفو الدولية تتجاهل مرتكبي المذابح الإجرامية؟
منذ سنوات تعيش الجزائر محاولات عزلة دولية من جانب العواصم الأوروبية خاصة فرنسا، لإجبارها على الإذعان للتدخل، وهي محاولات تهدف إلى التدخل في شؤونها الداخلية تحت ذريعة عجز الدولة عن حماية السكان، وإن كان المراقبون يربطون مثل هذه المحاولات الأوروبية بمساومات خفية للجانب الإسرائيلي الذي حاول يائسًا إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية مع الجزائر دون أن تصل إلى نتيجة في مفاوضات سرية جرت في نهاية ۱۹۹۳م بسفارة الجزائر في النمسا، فإن عددًا آخر من المراقبين يعتقد أن إصرار الجزائر على مواقفها الداعية للمصالحة العربية ودعمها المستمر للقضية الفلسطينية جعلها في خانة «الدول التي لا يجب أن تستقر» ويفسر هؤلاء مثل هذه التطورات بقدرة مصر على إقناع الرأي العام الدولي بأن ما يجري فيها من أحداث عنف هي إرهاب وليس عنفًا سياسيًّا، في حين لم تقتنع الأوساط الدبلوماسية الغربية بأن ما يجرى في الجزائر رغم بشاعة الجرائم الإرهابية يوضع ضمن خانة الأعمال الإرهابية التي يتوجب مكافحتها.
وإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب تجارية ومالية قد لجأت إلى تصنيف الجماعة الإسلامية المسلحة «الجيا» أحد أخطر الجماعات الدموية ضمن خانة التنظيمات التي يعاقب القانون الأمريكي على دعمها والتعامل معها بعد خمس سنوات من الصمت، فإن الاتحاد الأوروبي لا يزال الطرف الغربي الأكثر تشددًا في التعامل مع القضية الجزائرية خاصة عبر عواصم فرنسا، إيطاليا وإسبانيا، وهي الدول التي تحظى فيها الأممية الاشتراكية «تنظيم صهيوني حسب تصريح لدبلوماسي جزائري لـ المجتمع. «بتمثيل واسع في برلمانات هذه الدول وكذا في البرلمان الأوروبي لأسباب تبدو في الظاهر ذات طابع مالي وتجاري بعد تراجع ميزان المبادلات الخارجية لصالح دول آسيوية وأمريكية على حساب الاتحاد الأوروبي صاحب اكبر حجم من المبادلات سابقًا وفي إطار محاولات تصحيح الرؤية الأوروبية قام وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف مؤخرًا بزيارة رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي جاك بوس، وقد بدت محاولات الطرف الأوروبي لاستدراك الوضع واضحة منذ البداية حيث عمد جاك بوس إلى كسر إحدى القواعد البروتوكولية لهذا البلد عندما انتقل شخصيًّا لاستقبال ضيفه في مطار لوكسمبورج وتبين ذلك أيضًا عندما دعاه إلى غداء عمل بعد الندوة الصحفية التي أعقبت المحادثات على انفراد ومثلها بحضور وفدي البلدين، وخلال المحادثات عبر رئيس الاتحاد الأوروبي عن حسن نوايا مجموعة الـ ١٥ وعن موقفها الثابت من مسألة الإرهاب وقال: «إننا ندين بصريح العبارة وأشدها الإرهاب سواء ذلك الذي تمارسه الجماعات الإسلامية المسلحة أو القوى الأخرى من القتلة المنتمين إلى نفس النزعة»، موضحًا أنه عندما يدعو الطرف الأوروبي إلى «فتح الحوار وتوسيعه بين جميع الأطراف التي تنبذ العنف»، فإنه «لا يقصد بذلك بأي حال من الأحوال التحاور مع الإرهابيين ولا حتى مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة»
مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي مع فتح الحوار وتوسيعه إلى أقصى ما يمكن، وفي حديثه عن مسار الجزائر للخروج من الأزمة التي تعرفها يرى جاك بوس رئيس الاتحاد الأوروبي أن «الجزائر لا يمكنها أن تنجح إلا إذا أضفت على سياستها «شفافية»، أكبر وسمحت لوسائل الإعلام أن تتطور بحرية»، لأن حرية الصحافة تعد من الحريات الأساسية والمهمة لأي بلد ديمقراطي، موضحًا أن «الاتحاد الأوروبي والجزائر يؤكدان تعلقهما المشترك بالحريات الأساسية وبترقية حقوق الإنسان».
واعتبر لقاءه بنظيره الجزائري مهمًّا جدًّا حيث سمح لنا بالاستماع مطولًا إلى السيد عطاف الذي أوضح وحلل لنا الوضع في بلاده، وكان ذلك «فرصة كذلك للاطلاع على الحلول التي تتصورها الحكومة الجزائرية والرئيس زروال لإخراج الجزائر من دوامة العنف التي توجد فيها اليوم» وألح في سياق حديثه على ضرورة إقامة «تعاون وثيق بين مصالح الأمن الأوروبية والجزائرية من أجل القضاء على آفة الإرهاب».
أما الطرف الجزائري فقد وصف اللقاء بالمفيد والمثمر وأعرب عن ارتياحه للمواقف الواضحة التي عبر عنها نظيره اللوكسمبورجي خاصة فيما يتعلق بهدف الاتحاد الأوروبي والمعلن والمتعلق بـ «الوقوف إلى جانب الجزائر من أجل القضاء على الإرهاب». وأعلن في ندوة صحفية مشتركة مع نائب رئيس وزير خارجية لوكسمبورج أن الطرف الجزائري أراد من خلال اللقاء الذي جمعه بممثل المجموعة
الأوروبية في مقر وزارة خارجية لوكسمبورج إزالة الغموض عن ثلاث نقاط أساسية عبرت عنها مختلف المواقف الأوروبية منذ عدة أسابيع ومنها ضرورة الحصول على «مواقف واضحة وصريحة» بخصوص الأحداث المأساوية التي تشهدها الجزائر منذ سنوات «وتوضيح موقف الاتحاد الأوروبي تجاه المسار الديمقراطي والإصلاحات الاقتصادية التي تنتهجها الجزائر منذ سنوات» بالإضافة إلى «آفة الإرهاب»، وأشار أحمد عطاف بأن مساعي الديبلوماسية الجزائرية لا يمكنها أن تكتفي بالتصريحات وحسن النوايا فإنها مهتمة أيضًا بضرورة ترجمة نوايا الأوروبيين وتصريحاتهم في الميدان من خلال تضييق الخناق على «شبكات الدعم اللوجيستيكي للإرهاب»، في الجزائر التي تشكلت ولا تزال داخل عدد من الدول الأوروبية، رفض عطاف ذكر أسمائها مكتفيًا بالقول: إن الحكومة الجزائرية على اتصال بها .
في البرلمان الأوروبي
من جانب آخر التقى أحمد عطاف نائب رئيس اللجنة الأوروبية في بروكسل السيد مانويل مارين قبل أن يلقي كلمة أمام لجنة الشؤون الخارجية الأوروبية تعرض فيها إلى الوضع السائد في الجزائر خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وقد أكد أحمد عطاف سواء في تدخله أمام أعضاء لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان الأوروبي أو خلال الندوة الصحفية التي عقدها بمقر السفارة الجزائرية في بروكسل أن «الجزائر تمتلك مؤسسات قوية ومتينة قادرة على تسيير ومعالجة وحل كل المشاكل التي يمكن أن تطرأ في بلادنا». لذلك فإن أي حديث عن لجنة تحقيق دولية أو حتى وطنية «لا مستقبل لها»، لأن ذلك لا يمكن أن يهدف حسب وزير الخارجية إلا إلى «تبرئة الجماعات الإرهابية» مادام «الجزائريون»، يتعرضون للأعمال الإرهابية ويروحون ضحيتها، ومادام القتلة أنفسهم يعلنون مسؤوليتهم عن ذلك دون أي غموض أو استحياء».
وبما أن الحديث عن لجان التحقيق برز بشدة إثر مجازر الصيف الأخير، فإن البرلمانيين الأوروبيين لم يغفلوا في أسئلتهم لوزير الخارجية الجزائري مسألة تباطؤ قوات الأمن في التدخل لمنع حدوث هذه الجرائم وهو ما رد عليه عطاف بقوله: إن قوات الأمن المختلفة لا تتوانى ولا تقصر في حماية المواطنين إلا في حالتين «الأولى عندما يكون هنالك تواطؤ من قبل المواطنين أنفسهم مع الجماعات الإرهابية، والثانية عندما لا تبلغ قوات الأمن عن تحركات هذه الجماعات»
ولم يخف برلمانيون أمثال الألماني دانيال كوهن بندیت مقرر اللجنة الفرعية الأوروبية لحقوق الإنسان وأندريه سوليي رئيس نفس اللجنة رغبتهم في زيارة الجزائر والالتقاء مع نواب المجلس الشعبي الوطني في الجزائر وهي المسألة التي لم يبد حولها أحمد عطاف أي امتناع مذكرًا بأن رئيس المجلس عبد القادر بن صالح قد وجه بنفسه هذه الدعوة لنظرائه الأوروبيين قبل شهرين وهي نقطة تندرج كما قال: «في إطار الحوار الشامل بين الجزائر والمجموعة الأوروبية» بخصوص الشراكة الأورومتوسطية
لكن مع ذلك تبقى مسألة إيواء الأوروبيين للعناصر التي تراها الجزائر مساندة أو مغذية للجماعات الإرهابية في الجزائر مسألة عالقة رغم «التطور المسجل في بعض المواقف الأوروبية» وذلك بسبب «تباين المواقف حول مفهوم حق اللجوء السياسي» الذي تعتبره أطراف أوروبية حقًّا مطلقًا وهو ما لا يوافق عليه الوزير الجزائري الذي يرى أنه «لا يمكن أخلاقيًّا أن يحتوي حق اللجوء السياسي على الممارسات والنشاطات الإرهابية»، ومع ذلك، فإن «الجدال أو الحوار يبقى قائمًا «مع هذه الدول ويتوقع أن يجد صدى أكبر عندما «يدرج موضوع الإرهاب ضمن محاور مفاوضات الشراكة القائمة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر»، والتي قال بشأنها عطاف إنها ستستأنف في فبراير القادم.
وكان وزير الخارجية قد التقى الخميس قبل الماضي في مقر اللجنة الأوروبية ببروكسل مانويل مارين نائب رئيس اللجنة حيث قيما علاقات التعاون الثنائي وتعرضا إلى أجندة المفاوضات حول اتفاق الشراكة الأورومتوسطية وهي المسألة التي ألح عليها بعد لقاء بعض أعضاء لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان الأوروبي في لقائهم بوزير خارجية الجزائر لحوالي ساعتين، كما استعرض الطرفان في اللقاء مسألة إعادة فتح ممثلية الاتحاد الأوروبي في الجزائر.
انتقاد تقرير منظمة العفو الدولية
من جانب آخر أشار رزاق بارة رئيس المرصد الوطني لحقوق الإنسان «تنظيم حكومي» أن منظمة العفو الدولية لا تعرف جيدًا حقيقة الأوضاع بالجزائر مؤكدًا رفضه لإنشاء لجنة دولية للتحقيق في المجازر على اعتبار أن الجزائر بلد يتمتع بالسيادة ومزود بقوانين ومؤسسات تعمل حول مسألة حقوق الإنسان وفق القوانين الوطنية والدولية، وأوضح رزاق بارة في رده على التقرير الذي نشرته «أمنيستي» حول الوضع في الجزائر بأن «هذه اللجنة الدولية يمكن التفكير فيها في حالة عدم وجود دولة ونظام سياسي وقانون ونظام قضائي» وحول اتهامات منظمة العفو الدولية للجيش بالتباطؤ في تدخلاته ضد الجماعات الإرهابية قال رئيس المرصد الوطني لحقوق الإنسان: إن «الجماعات الإرهابية لما هاجمت المواطنين العزل في بن طلحة والرايس مثلًا عملت على تطويق المنطقة بمئات الأمتار من الألغام وحتى وإن كان تدخل قوات الأمن قد تم بنوع من البطء لكنه لم يكن تهاونًا أو تواطؤًا ومثل هذه الحقائق «ترفض منظمة العفو الدولية أن تقولها لأنها لا تخدمها»، وفي هذا السياق ذكر رزاق بارة أن «الإرهاب موجود في الجزائر منذ ٥ سنوات» غير أن المجتمع الدولي بدأ يفطن لخطورة الوضع بعد هذه المجازر لأنها بلغت درجة غير معقولة، وبالنسبة لهذه المنظمة يقول رزاق بارة: حين تحدث هذه الجرائم البشعة في الجزائر تتسرع «أمنيستي» بالقول بأنها تجهل مرتكبيها ولما تحدث نفس الجرائم في أماكن أخرى فإنها تتوصل إلى التعرف على مرتكبيها!
وأشار السيد بارة إلى أن «أكثر من ٢٥٠ صحفيًّا من العالم انتقلوا إلى منطقتي الرايس وبن طلحة وتحققوا هناك من واقع الأحداث ومن الطريقة التي اقترفت بها الجرائم وفي هذا الإطار سجل رئيس المرصد الوطني لحقوق الإنسان في الجزائر تحامل أمنيستي في تقريرها الذي يعد السابع الذي تعده « أمنيستي حول الجزائر» في
ظرف ۱۸ شهرًا وهو تحامل يسعى للتأثير على المجتمع الدولي ويحفز التصور السياسي الجديد للعديد من الدول الأوروبية والأمريكية حول الوضع في الجزائر.
من جهته أكد ممثل الجزائر الدائم لدى الأمم المتحدة السيد عبد الله باعلي في نيويورك في تعقيبه على موقف منظمة العفو الدولية أن احترام حقوق الإنسان يعتبر إحدى المكونات الأساسية لعملية التجديد الوطني التي تقوم بها الجزائر، مشيرًا في هذا الخصوص إلى دور قوات الأمن التي تحارب بمساعدة الشعب بشجاعة وعزم الإرهاب العنيف الذي يستهدف النساء والأطفال والشيوخ في الجزائر ورفض الاتهامات الموجهة من قبل «أمنيستي» مؤكدًا أن «قوات الأمن لم تتخل أبدًا عن مهمتها وستواصل بعزم إنقاذ المواطنين خدمة للجزائر ولصالح السلام والاستقرار في المنطقة». معتبرًا أن الاتهامات من هذا النوع غير مقبولة وتعتبر جد خطيرة، أما بخصوص مسألة الدعوة للحوار فقد أشار ممثل الجزائر بأنه «من الصعب التخيل أن تعتبر منظمة العفو الدولية الذباحين والمغتصبين مجموعات معارضة مسلحة تستحق إعادة الاعتبار وأن تعامل كمحاور كريم وذي مصداقية»، ويذكر أن منظمة العفو الدولية نشرت مؤخرًا تقريرًا عن الجزائر ذكرت فيه أن المدنيين في الجزائر تعصف بهم دوامة العنف وجددت طلبها بشأن تشكيل لجنة تحقيق في المجازر وأعمال العنف التي راح ضحيتها حتى الآن ۸۰ آلف ضحية .