الثلاثاء 20-نوفمبر-1979
كل الحمق الأميركي اجتمع هذه المرة في كتلة واحدة وحط على رأس الرئيس كارتر.
لماذا؟
لأن کارتر حريص أولًا على بقائه في البيت الأبيض «ومن الحرص ما قتل» ولأنه أيضًا أوشك أن يفقد بيضة القبات التي هي بيضة التوازن الدولي في العالم!!
ولهذا.. فإن للحمق الأميركي في البيت الأبيض صعيدين:
أولًا: الصعيد الداخلي:
ويتركز ذلك في الوضع الداخلي للولايات المتحدة:
● فالشعب الأميركي على أبواب انتخابات «برلمانية- ورئاسية» جديدة.
● والأميركان يطمحون أن تكون أعوام الثمانينات سنوات للراحة في المعترك السياسي والطموح في البحبوحة الاقتصادية.
والحزب الجمهوري يلعب مع حزب کارتر «الديمقراطي» لعبة الهر والفأر كعادتهم في مواسم الانتخابات.
● والدولار الأميركي وصل في العهد الكارتري إلى أدنى مستوى له في تاريخ العملة الأميركية.
كل هذه النقاط تدفع بالرئيس كارتر للخروج من مأزق السفارة الأميركية في طهران بشكل ما.
وإذا كان الوضع الأميركي في العالم كوضع سيادة قد اهتز عدة مرات هذا العام، فإن حادث السفارة له طعم آخر من المرارة تحت أضراس رجال البيت الأبيض. من أجل هذا تجمع الحمق كله في رأس الرئيس هذه المرة.
ثانيًا: الصعيد الخارجي:
لقد حسب الرجل الأبيض في الولايات المتحدة نفسه سيد الدنيا مدة طويلة:
● فالمحاور السياسية في العالم الغربي باتت تأتمر بأمره منذ الحرب الثانية وحتى سنوات قليلة.
● ودول العالم الثالث في معظمها لا تنفك عن الأحلاف التي ترتبط من قريب أو بعيد بحصان طروادة الأميركي.
● والعسكرية الأميركية ما زالت تعيش أحلى أحلام السيطرة «بحرًا- وبرًا- وجوًا» وذلك على أساس شد العضلات أمام كل معضلة.
وبجانب هذه النقاط، تأتي مسألة السفارة الأميركية في طهران لتقلب هذا المارد ولو لسويعات «بطن ظهر»، وترده ثانية «ظهر بطن» الأمر الذي يؤجج كل الحمق الأميركي في رأس الرئيس بعد أن اهتزت الهيبة في أحلام البيت الأبيض أمام العالم أجمع.
لكن: ماذا حصل للأميركان على الصعيد الخارجي؟ إن حماقات الأميركان المتكررة ستفقد ولا شك الرئيس كارتر قسطًا كبيرًا من رصيده الدولي على كافة المستويات السياسية، وإذا أشرنا إلى الملاحظات الآتية يمكن أن يقدر الإنسان حجم الصفعة التي نزلت على وجه الرئيس الأميركي:
1 - فبعد سقوط الجناح الأميركي في الثورة الإيرانية بحسب تصريح، السيد أبو الحسن بني صدر، بدأ اليساريون بالتحرك لجر الحبل إليهم وركوب الموجة الثورية الليبرالية، وهذا يفقد دون شك الأميركان ممارساتهم السرية التي كانوا يمارسونها عبر الرجال الذين ندد بهم مؤخرًا بني صدر ورجال خمینیون آخرون، حيث اتهم وزير الخارجية الأسبق الدكتور إبراهيم يزدي بأنه رجل أميركا في إيران.
2 - وبعد القطيعة النفطية بين إيران وأميركا وهي قطيعة ذات مدلولات دولية عميقة أعلنت بعض الشركات الفرنسية بالذات عن قدرتها على استيعاب النفط الإيراني.
وهنا يستطيع المراقب أن يجزم بأن الحماقة الأميركية بإيواء الشاه أولًا، وتكثيف النشاط الدبلوماسي المعادي للجناح الجديد في إيران قد أوصلت الرئيس كارتر إلى حد من اللا هيبة العالمية لم تحصل لأي رئيس أميركي قبله، ومن أجل هذا فإن كارتر ولا شك ما زال يفكر بأي طريقة تخرجه من هذا المأزق، فهل سيقتل الشاه، أم سيوجه حماقته لاغتيال الآخرين هذه المرة؟؟
إن التكهن بما قد يحدث ما زال صعبًا على مراقبي العلاقات السياسية بين طهران وواشنطن، ولكن المرء يمكن أن يتحسس ما يلي:
1 – قد تكون الطريقة التي يفكر فيها الأميركيون هذه المرة تختلف عن الذهنية المألوفة لديهم، فإمكانية إحداث انقلاب عسكري يطيح بالخميني وجماعته أمر يصعب على الأميركان وغيرهم تنفيذه لسبب يعود إلى ظروف إيرانية عقدية محضة.
2 - إن التحرك السوفياتي «إعلاميًا على الأقل» نحو إيران سيؤثر بشكل فعال على التحرك الأميركي المضاد، ذلك أن أية خطوة حمقاء تقوم بها العسكرية الأميركية على الأراضي الإيرانية قد تفقد بعض الأطراف صوابه ويحدث ما لا تحمد عقباه على المسرح العسكري في شتى أنحاء العالم.
3 - يبقى هناك احتمال الاغتيال السياسي وهو أمر سيظل يقلق جميع الأطراف إلا إذا حصلت مفاجأة أعادت موازين العملية إلى ترتيب آخر.
وعلى كل احتمال، فإن أية مغامرة يقوم بها البيت الأبيض سوف تهز بالتالي الحكومة الأميركية وستكون بداية النهاية للرئيس كارتر والحزب الديمقراطي بما يتعلق في انتخابات الرئاسة القادمة، وسوف يكون لهذا الاهتزاز أثره البالغ على مصالح الولايات المتحدة في كافة المناطق العالمية، وهذا يعني أن الحكم الكارتري لأميركا سوف يتيح بالتالي المجال لقوى عالمية أخرى للبروز على السطح العالمي وقد تكون فرنسا أبرز من سيلعب على مسرح العالم الثالث في المستقبل.