العنوان التعليق الأسبوعي (العدد 285)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأربعاء 04-فبراير-1976
مشاهدات 58
نشر في العدد 285
نشر في الصفحة 4
الأربعاء 04-فبراير-1976
وأحيانًا على بكر أخينا
إذا ما لم نجد إلا أخانا!!
الأمد الفاصل بين الجاهلية العربية- على زمن الشاعر القطامي عمير بن شييم- وبين عرب اليوم. أمد طويل. ورغم هذا التنائي الزمني يوجد «تماثل نفسي» وسلوكي بين أولئك وهؤلاء.
فقد صور هذا الشاعر «الحمية الجاهلية» وهو يصف قومه في كرهم وعدوانهم على ذوي الأرحام. إن لم يجدوا غير ذوي الأرحام هدفًا لعدوانهم.
وأحيانًا على بكر أخينا | *** | إذا ما لم نجد إلا أخانا |
هذا التصوير الغابر يشمل- حاضرًا- الموقف بين المغرب والجزائر. فالمعركة بين البلدين هي معركة بين بكر وأخيه!!
والجاهليون الأقدمون كانوا معذورين بسببين:
• أن كلمة الله لم تبلغهم. وأنهم لم يدركوا إخاء الإسلام ولم يتواصوا بالمرحمة ليكونوا رحماء بينهم.
• وأنهم كانوا يؤجلون المعركة مع أخيهم بكر أو لا يلجؤون إليها إلا حين يفرغون من الغارات على الأباعد. فالأبيات التي سبقت البيت الآنف هي:
وكن إذا أغرن على جناب |
| وأعوزهن نهب حيث كانا |
فما عذر عرب الجزائر والمغرب؟
• ما عذرهم وهم ينتسبون إلى الإسلام الذي أطفأ حمية الجاهلية الأولى وأخي بينهم في العقيدة والولاء والتوجه والسلوك؟
• ما عذرهم وهم لم يفرغوا- ولن يفرغوا- من المعارك مع خصوم الأمة وحفاري قبور مجدها وكيانها وحضارتها؟
معارك مع الصهيونية، ومعارك مع الصليبية. ومعارك مع الشيوعية و. و.
نرجع ونقول: إن الجاهلية ليست فترة زمنية محددة، تمضي ولا تعود أبدًا.
الجاهلية «حالة نفسية» أو «وضع اجتماعي» أو «نمط فكري» أو «اتجاه سياسي» يلازم الإنسان والدولة والملك والرئيس. ما بقيت الدولة وما بقي الرئيس أو الملك متشبثًا بأسباب الجاهلية.
بعيدًا عن معايير الإسلام وتصوراته وهداه.
نرجع ونقول: إن الإسلام ليس انتسابا وراثيًّا. وليس دعوى من غير دليل وإثبات.
إنه التزام بالحق في المواقف كلها.
ولا نتحدث عن المسألة في جانبها الأكاديمي أو القانوني. وإنما نعني الحقيقة والواقع. وهذا هو مناط الأمر.
هذه واحدة مما يجري بين الجزائر والمغرب.
• والثانية: أن الجامعة العربية يجب أن تصفى وقبل أن تصفى يجب أن يبعد أمينها العام. بتهمة الفشل الإقليمية ومحاولة تخدير الأمة وإحباط أملها في التجمع والاتحاد.
إن الجامعة العربية نشأت في ظروف مريبة مشبوهة. ثم إن مواقفها التالية أكدت خيبتها وسوء مسلكها.
وفتح ملفها الفاشل يقتضي حديثًا طويلًا.. من هنا فإننا نكتفي بتقديم أمثلة من هذا الفشل المطبق.
• فشلت في مشكلة ظفار وعمان واليمن الجنوبي.
• فشلت في اتخاذ موقف من إيران حين احتلت الأخيرة جزرًا عربية. وتدخلت في شؤون عمان.
• فشلت في اتخاذ موقف من الصومال عندما ألغى النظام الفاشستي في مقديشو اللغة العربية وأحل مكانها اللغة اللاتينية.
ولكي تكون السخرية بالجامعة العربية كاملة فقد محيت اللغة العربية من الصومال بعد انضمام هذا البلد لجامعة الدول العربية!.
أما موقفها المطلق السلبية مما فعلته حكومة الصومال بالإسلام وعلماء الإسلام فنابع من نشأتها المشبوهة، ومن حرصها المستمر على تجاهل الإسلام في كل محفل ومجال.
فشلت في الاستفادة من اعتماد اللغة العربية لغة حية سادسة في الأمم المتحدة.
• فلم تكترث بهذا الحدث المهم ولم تنظم خطة للتعريف باللغة العربية ولم تفتح- بالتالي- مراكز لتعلمها. ولم. ولم.
• فشلت - إعلاميًّا - في مواجهة الإعلام الصهيوني في أوروبا وأمريكا وكل بقاع الأرض.
• فشلت في الصلح بين اليمنين- الشمالي والجنوبي– وفشلت في الصلح بين ليبيا ومصر وبين الأخيرة وسوريا.
وبين. وبين. وبين.
• وفشلت في عمل شيء في أحداث لبنان.
• وفشلت- وهذا هو هدف إیراد الشواهد- في الأزمة الناشبة بين المغرب والجزائر.
فمؤشرات الأحداث والمواقف كانت تشير منذ وقت مبكر إلى أن هناك أزمة بين البلدين تنذر ببلاء مروع.
أدرك ذلك الناس في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. حتى أن سكرتير الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية حاولا التعرف على الأزمة، لكن أمين عام جامعة الدول العربية لم يتحرك.
إن التخاذل أو السلبية في الأزمة بين المغرب والجزائر ينبغي أن تكون منطلقًا لإعادة النظر- بصفة جذرية وشاملة- في الجامعة العربية.
وغير مقبول أن تعلل هذه السلبية بأن الأمين العام مرتبط وملتزم بسياسة إقليمية لا يسمح له بتجاوزها.
هذه علة مرفوضة؛ لأنها عذر أقبح من الذنب. فجامعة الدول العربية هي لعشرين دولة عربية، لا لدولة واحدة.
فإذا كان الأمين العام يريد العمل الجماعي ولكنه يعجز عن ذلك نظرًا لالتزامات إقليمية وضغوط معروفة. فيجب أن يتقدم بالاستقالة.
وإذا كان هو ذاته إقليميًّا راضيًا عن الصبغة الإقليمية للجامعة فيجب أن يعزل بصراحة وحزم.
وثمة حلول مبدئية لهذه المشكلة.
• تعديل النظام الأساسي للجامعة
• أن يكون منصب الأمين العام دوريًّا- زمنًا- أي لا يزيد عن سنتين
• وأن يكون دوريًّا من حيث الإقليم أو الجغرافيا. مرة مصر. ومرة الجزائر.
ومرة السعودية. ومرة الكويت. ومرة سوريا وهكذا.
• والثالثة: أن الصراع بين المغرب والجزائر له جذوره وأهدافه الدولية.
ففي المواقف المعلنة تؤيد أمريكا- والمتأمركون- موقف الملك المغربي في النزاع.
ويؤيد الاتحاد السوفيتي- وأعوانه- موقف الرئيس الجزائري.
والصراع الدولي الذي اتخذ من قضية الصحراء الغربية ملعبًا جديدًا لتسجيل الأهداف. يركز في السنوات الأخيرة على أفريقيا.
وانقسام منظمة الوحدة الأفريقية إلى قسمين في مؤتمر قمتها الأخير حول أنجولا يعبر عن تعاظم الحركة الدولية للاستقطاب والاحتواء.
ولقد تردد أن الاتحاد السوفيتي قد دفع لرئيس دولة أفريقية ٢٥ مليون دولار مقابل الاعتراف بالجبهة الشعبية لتحرير أنجولا. وقبيل انعقاد مؤتمر القمة الأفريقي نشطت الدبلوماسية الأمريكية بشكل ملحوظ في القارة السوداء حتى لا يظفر الشيوعيون في أنجولا بتأييد الأكثرية.
ونشاط الدبلوماسية الأمريكية يعني الإغراء والتلويح بالاغتيال أو الانقلاب.
وثمة مناطق أفريقية أخرى تموج موجًا بالصراع المعلن والخفي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة؛ صراع فكري.. بالثقافة والإعلام، وصراع على المواد الخام وأسواق البضائع وأحزمة الأمن الاستراتيجي. ما يجري في الصحراء الغربية يقع في نطاق هذا الصراع.
فبمجرد أن وقع الصدام المسلح بين المغرب والجزائر، طار مبعوث ملكي مغربي إلى واشنطن يطلب مزيدًا من العون العسكري، والدعم السياسي والاقتصادي ووجد ترحيبًا واهتمامًا ملحوظين. ومنذ أسابيع دعي «جياب» القائد العسكري الفيتنامي إلى الجزائر وأطلق تصريحات مؤيدة للجزائر في هذا الموقف ونظمت له زيارة للصحراء موضع النزاع.
تقول المغرب: إن لروسيا قواعد عسكرية في الجزائر.
ويصدر عن الجزائر كلام مماثل: إن ثمة قواعد أمريكية في المغرب.
وأيًّا كانت الاتهامات فإن سياسة المحاور اتجاه واضح. في تصرفات النظامين أو الحكومتين. وأغرب ما في القضية أن الحكومة المغربية أصبحت تردد قصة «النفوذ اليساري أو الشيوعي» الذي يهدد المغرب العربي كله.
هذا الكلام نصدقه لو أنه صدر عن جهات تحارب الشيوعية لصالح الإسلام.
لكن السلطات المغربية تحالفت مع القوى اليسارية الملحدة داخل المغرب لاضطهاد الإسلاميين واعتقالهم وترويع أسرهم ومصادرة الكتب الإسلامية.
صحيح أن السلطات المغربية تفعل ذلك من أجل تأييدها في موضوع الصحراء وحتى لا يكون اليسار المغربي حليفًا للنظام الجزائري؛ بيد أن التضحية بالإسلام ودعاته في سبيل المناورات السياسية لعبة غبية ومكشوفة وباطلة، بل إن ترديد حكاية النفوذ الشيوعي في هذه الحال ليس سوى مبرر لوضع المغرب كله وبشكل نهائي تحت المظلة الأمريكية.
أما الجزائر فأمرها عجيب كذلك؛ لقد ظلت نائمة سنين عددًا. فلما تحررت الصحراء من قبضة أسبانيا. راحت تطالب بكذا وكذا.
إن أرض الجزائر واسعة جدًّا. ولم تستطع الإمكانات المتوفرة سوى استغلال جزء صغير من أراضي الجزائر. سواء في الزراعة أو الصناعة أو الإسكان.
فعلام البطولات إذن؟
نحن نعلم أن الجزائر تتخوف من تحويل الصحراء إلى قواعد ذات نفوذ أمريكي والحل في تقديرنا هو: أن تتفق الجزائر مع بعض الدول العربية على أن تظل الصحراء بعيدة عن النفوذ الأجنبي، وأن يلزم الملك الحسن بتطبيق هذا الشرط.
• والرابعة: أن السياسة الصهيونية الأمريكية قد أبرمت أمرًا- خاصة بعد تمثيلية أكتوبر واتفاقية سيناء- هذا الأمر هو: إشعال الحرائق في الوطن العربي. كلما انطفأ حريق أوقدوا غيره.
• الأزمة بين ليبيا ومصر التي وصلت إلى حد حشد الجيوش على حدود البلدين
• الأزمة بين منظمة التحرير ومصر.
• الحرب الأهلية في لبنان.
• حرب الصحراء بين المغرب والجزائر.. وهلم جرًّا.
إن هذه الحرائق تبعثر الطاقات، وتمزق الأمة، وتحلق ذات البين.
وما لم يفك الحكام والزعماء ارتباطهم بالقوى الدولية الاستعمارية. ما لم يمحضوا ولاءهم لله وحده فإن الحرائق ستستمر. وربما اشتعلت غدًا في مكان آخر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل