; التعليق الأسبوعي: صورة الحاضر والمستقبل بعد سقوط « ثورتين!!!» | مجلة المجتمع

العنوان التعليق الأسبوعي: صورة الحاضر والمستقبل بعد سقوط « ثورتين!!!»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يونيو-1974

مشاهدات 64

نشر في العدد 203

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 04-يونيو-1974

التعليق الاسبوعي صورة الحاضر والمستقبل بعد سقوط « ثورتين!!!» العاملون للإسلام. لا يستطيعون ممارسة واجبهم الإسلامي فى العمل والجهاد. ولا يستطيعون دفع نشاطهم- بوعي ونظام - فى مجرى الجد و الإيجابية.. إلا إذا عرفوا عصرهم- مع معرفتهم بإسلامهم- وإلا إذا كان إحساسهم بالمرحلة التاريخية مرهفًا ويقظًا. إن دراسة البيئة ومعرفة مشكلاتها وفضائلها ورذائلها شرط من شرائط التطبيق الإسلامي. وإن دراسة الظروف المحيطة والانتباه لخط سيرها باهتمام عال شرط من شروط العمل والإيجابية. والمنطقة تموج موجًا بأحداث ومواقف وتبدلات سياسية واجتماعية وحضارية لم يشهدها تاريخنا كله. وهذا يقتضى متابعة الأحداث ومعرفتها ودراستها وتكوين رؤية صحيحة واضحة عنها، بالدراسة الموضوعية.. لا بالتخمين أو التصورات السلبية التي تجعل الأحكام المرتجلة عوضًا عن العلم والاطلاع. ولكن لماذا كل ذلك؟ أمامنا الآن ثلاث حقائق تزكي هذا الأمر وتؤكده توكيدًا: 1ـ أن المسلمين لا ينبغي أن يكونوا تحت طائلة ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود ينبغي أن يكونوا حاضرين شهداء. والحضور والشهادة يقضيان بالإدراك وفتح العين وشحذ العقل والوعى. 2- أن الإسلام هو المقصود والمستهدف. فالوجود اليهودي الصهيوني والدعم الصليبي الشيوعي له إنما يريد ضرب الإسلام وتصفيته. والاحتلال اليهودي لفلسطين هو بمثابة قاعدة انقضاض على الإسلام كله في المنطقة. إن المعركة الحقيقية هي بين الإسلام.. واليهود. وما ينبغي أن يغفل أولياء الإسلام عن هذه الحقيقة. وبالتالي لا يجوز من رجل يحمل مبدأ الإسلام وشعاره أن يدير ظهره أو يتغافل عما يجري وكأن الأمر لا يعنيه. أو كأن الظروف المحيطة لا تمثل طوقًا لحركة الانتعاش الإسلامي. 3- أن الإسلام له خاصية «الشمول» وهذا يقتضى- عملًا- الاهتمام بالأحداث السياسية والتاريخية كجزء من اهتمامات الإسلام.. كمؤثر على سيرته. إن هناك تناقضًا معيبًا بين رفع شعار الشمول ـ نظريًا- ثم الانحصار- عمليًا- في أجزاء منه. صحيح أن هناك أسبقيات في سلم الترتيب. ولكن الترتيب لا يعني إغماض العين عن المهام الأخرى أو التغابي والتجاهل. ●أن الأمة العربية الإسلامية تجتاز مرحلة بالغة التعقيد والتعرجات والمكر والدهاء والخداع والتضليل، والإغراء والكيد الإقليمي والعالمي. مرحلة.. لها ما بعدها حقيقة. ●«والمجتمع» تجتهد في تقديم صورة عن الواقع والمستقبل فلعلها تعين العاملين على تبين أجزاء الخريطة. وطرق السير. صورة الواقع لانود سرد الأحداث فهذا شيء يعرفه العام والخاص. نريد أن نركز على نقاط جوهرية. في ضوء الأحداث الجارية و الوقائع المعاشة. أي توقيع ما يسمى «بالفصل بين القوات في مصر وسوريا» وما سبق ذلك وما صاحبه.. ثم ماتلاه. ●النقطة الأولى :أن مبدأ القضية قد تجوهل تمامًا. فقضية فلسطين صغرت فصارت إزالة آثار العدوان عام ١٩٦٧.. ثم صغرت فحضرت في موافقة العدو على قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢.. ثم صغرت فصارت حرب تحريك.. ثم صغرت فصارت فصلًا للقوات على جبهتي الجولان والقناة. قد تكبر من جديد. ويطالب العدو بالجلاء عن الأراضي التي احتلها عام ١٩٦٧. لكن التصغير الأول سيظل ساري المفعول. وهو تصغير خطير جدًا لأنه منح العدو أرض فلسطين مقابل الجلاء عن سيناء والجولان. ومعنى ذلك- مباشرة لا استنتاجًاـ أن مبدأ تحرير فلسطين قد تجوهل . ● النقطة الثانية: أن جوهر القضية- وليس مبدأها فحسبـ قد نحى من الساحة. وهو الإسلام. فاليهود کیان عقائدي زحف على المنطقة لبناء دولة عقائدية تتوسع على حساب الإسلام. وتحاول أن تصفي حسابها القديم معه. جوهر القضية هذا ليس في ذهن الحكام. ولا في وسائل عملهم. والتغافل عن الجوهر يؤدي باستمرار إلى حلول شكلية سطحية متهافتة باهتة. ●النقطة الثالثة: استدراج الفلسطينيين إلى دوامة الحلول الاستسلامية ودفعهم إلى الرضا بجزء هزيل من وطنهم يقيمون فوقه كيانًا ضعيفًا في الاستراتيجية والإمكانات. نحن نعلم أن ليس في السياسة مكاسب مطلقة ولكننا نعلم أن «الورطة» التاريخية ليست من العمل السياسي الناجح. والورطة تتمثل في: -استرداد الأراضي المصرية والسورية مقابل التنازل عن فلسطين. -إعطاء الفلسطينيين جزءًا من وطنهم مقابل التنازل عن بقية الأجزاء. هذه هي قصة جنيف في سطور!! ●النقطة الرابعة: ظهور موقعي الاتفاقيات مع العدو بمظهر البطولة والانتصار.. وهذا إفساد لمقاييس الأمة من جهة واستخفاف بوعيها من جهة أخرى. ●النقطة الخامسة: الاستعمار الأمريكي.. بدلًا من الاستعمار الروسي. بمعنى أن الحرب التي نشبت أخيرًا لم تحرر المنطقة من النفوذ الأجنبي كله وإنما حل نفوذ أمريكي محل النفوذ الروسي. الذي تغير هو وضع العنق فحسب الذبح كان في الجانب اليسار . فأصبح في الجانب اليمين !! ولا فرق بين أن يذبح الإنسان من هذا الجانب أو ذاك. فكله ذبح والسكين واحدة. ●النقطة السادسة: فقدان الرؤية التاريخية. ففي الوقت الذي برزت فيه قوى جديدة. مثل الصين واليابان وأوربا. وتقارب العالم الإسلامي. تعلق المتأمركون من جديد بأفكار الأربعينات والخمسينات فظنوا أن العالم لم يتحرك منذ أن كانوا يفكرون في الارتباط بأمريكا قديمًا. ●النقطة السابعة: إن الثورات والانقلابات التي قامت وزعمت أنها جاءت لتحرير فلسطين فقدت مبرر وجودها. وهناك نموذجان نضرب بهما مثلًا بل لاداعي للمثل لأن القضية تنحصر في هذه النموذجين. ●لقد سقط النموذج الناصري في الامتحان. فلم يكتف بعدم النجاح في تحرير فلسطين. بل أضاف إلى ذلك المساهمة في إضاعة فلسطين ذاتها التي ادعى أنه جاء لتخليصها. وبنى مجده على دويها. ●وسقط النموذج البعثي الذي تقدم للحكم بدعوى تحرير فلسطين. فلم يحرر فلسطين. ولم يتركها تحرر نفسها «!!» بل ساهم في إضاعتها. فالجلوس إلى المفاوضين اليهود في جنيف دليل أكيد على التسليم بمزاعمهم في فلسطين والموافقة الجماعية على ما يسمى بفك الارتباط.. إعلان جماعي ينعي الحزب. هذه ـ تقريبًا- خلاصة واقعية. حصاد مر بتجارب ربع قرن من الزمان. وهذه الخلاصة تكون صورة عن الواقع الذي تعيشه الأمة . صورة المستقبل التكيف أم التغيير؟ تلك كانت صورة الواقع. فما هي صورة المستقبل؟ المستقبل لا ينفصل عن الواقع- عادة- إلا في حالات معينة التاريخ. حالات الانتفاضات الكبرى والعميقة التي تنقل الأمة جذريًا من واقع سيء إلى مستقبل أحسن. ولا نرجم بالغيب ولا نستبق الأحداث. لكن مشيئة الله- سبحانه- قادرة على كل شيء. قادرة على إحداث هذه الانتفاضات والتي تنقل الأمة من حال إلى حال. بيد أن الله- تعالى- قد قضى بأن التغيير لن يحدث إلا إذا باشر الإنسان أسبابه. وأخذ بمقوماته: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11) في نطاق الأسباب المتطورة سيطرح شعاران في المنطقة. ●أما التكيف مع ماحدث. حيث يرتب الناس أمورهم وأحوالهم وأنفسهم على أساس التنازلات والاستسلام. ●وأما التغيير: أن ترفض الشعوب أو الطلائع المؤمنه الحرة في الشعوب مبدأ التكيف والرضوخ. وهنا تنشأ حركة في اتجاهين متضادين: 1-حركة تغيير تحاول قسر الناس على التكيف مع الأوضاع المتأمركة. 2- حركة أصيلة تعمل على التغيير الأصيل. أداء لواجبها . وإنقاذًا للأمة مما تعانيه. إن سقوط الناصرية والبعث يستلزم البديل الذي يتقدم ويأخذ مكانه تحت الضوء. الشيوعيون سيحاولون- وقد منحتهم الهجمة الأمريكية شيئًا من اليقظة والحركة- استثمار الظروف وانتهاز الفرص. وإقناع الأمة بأنهم هم البديل المرتقب. ستعاود الحركات الوطنية المجردة الظهور من جديد على أساس إقليمي ينكب على المصلحة الوطنية. ويتخلى عن القضايا الكبرى التي تهم الأمة بأسرها. ستظهر طبقات متأمركة مترفة تجعل أعناقها جسرًا للنفوذ الأمريكي وترتبط مصلحيًا بالشركات ورجال الأعمال الأمريكيين. وستنشىء هذه الطبقات- بطبيعة أخلاقها ومسالكها وأساليبها- أوضاعًا سيئة تعمق هوة التفاوت بين قطاعات المجتمع أوضاعًا مثل الأوضاع التي أنشأتها الامتيازات الاستعمارية القديمة. سينشط الهدامون- برعاية اليهود- في تدمير الحياة الاجتماعية والأخلاقية في العالم العربي عن طريق الفنانين والسينما والتلفزيون وكتاب الغزو الفكري. والصحافة الماجنة. ولكن الفجر- رغم كل ذلك- يلوح من بعيد. فكل هذه المحاولات الشريرة سترتد على أعقابها. أو يقل شرها إلى أقصى درجة إذا أدركنا الحقائق التالية: ● أن هذه الأوضاع- صورة الواقع والمستقبل- تولد مدًا عظيمًا من السخط والملمة الاجتماعية والسياسية. هذا المد سيجدد في الأمة معاني الكفاح. ويورثها مرانًا على المقاومة ويوقظ خصائص التحدي في أعماقها الدفينة. إن قصة كفاح المسلمين طويلة. ولن تنتهي أبدًا عند لحظات التوقيع على مايسمى «بفصل القوات». إن العودة للخضوع لأمريكا لا تعني قط أن المسلمين سيطوون رايات كفاحهم وجهادهم. ●أنه ينبغي أن تتعمق صورة محددة في الضمير الإسلامي.. أن المسلمين هم البديل.. لا الشيوعيون ولا المتأمركون. ولا المائعون. صورة يتصورها المسلمون في اليقظة ويحلمون بها في المنام واليقين بشيء يمثل أقوى دوافع العمل والإيجابية. ● توسيع أوعية الوعي الإسلامي بحيث يشمل الأمة كلها. ولا ينحصر في حركة أو حزب. فمن التجارب أن الحركة المجسدة في عدد محدود يمكن أن تضرب.. لكن حين يشمل الوعي الإسلامي الأمة كلها تنحصر القضية في احتمالين: 1-إما أن يعجز الخصوم عن حرب أمة بكاملها. فيرتاح المؤمنون من شرهم ويمضون في طريق الله صاعدين راشدين. 2-وإما أن يحاولوا قمع اتجاه الأمة فيدخلون معهاـ من ثم ـ في صراع شامل يحدد المواقف بصراحة. ويجند طاقات الأمة كلها لحرب الخصوم. والله غالب على أمره.
الرابط المختصر :