; التعليق الأسبوعي معهد عالٍ للرؤساء والوزراء.. الدراسة السياسة في ضوء القرآن | مجلة المجتمع

العنوان التعليق الأسبوعي معهد عالٍ للرؤساء والوزراء.. الدراسة السياسة في ضوء القرآن

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1974

مشاهدات 69

نشر في العدد 214

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 20-أغسطس-1974

ليس من الفكاهة أن نطالب بإنشاء معهد عال لرؤساء ووزراء خارجية دول العالم الإسلامي.. يأخذون فيه دورات منتظمة يدرسون عبرها «العلاقات السياسية في ضوء الكتاب والسنة». حتى يكونوا أكثر وعيًا. وأذكى حصافة. وأبعد نظرًا، وحتى لا يفرضوا على شعوبهم اتجاهات سياسية تتناقض مع مطالب قرآنها. نطالب بإنشاء هذا المعهد جادين لا متفكهين. فالعلم مطلوب من المهد إلى اللحد.. لعامل التليفون.. وللرئيس سواء، وليس هناك رجل أو مسؤول تجاوز مرحلة الحاجة إلى المزيد من العلم: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:76) وإذا وضعنا في الحسبان أن ذوي السلطان قد وصلوا إلى الحكم عن طريق الغلبة. والبطش أو طريق فترة الانتقال.. أو طريق المكر والخديعة.. أي أنهم وصلوا إلى الحكم بغير مؤهلات علمية وفكرية. إذا وضعنا هذا الاعتبار في الحساب أدركنا- بهدوء موضوعي- ضرورة عودتهم إلى مقاعد الدراسة والتحصيل والاستيعاب.  وحتى نتبين أهمية هذا المعهد في حياة المسلمين السياسية، نستعرض موقفين اثنين. حدثا في غيبة ذلك المعهد أو في غيبة «الرؤية السياسية الإسلامية الواضحة».  الموقف الأول يتعلق بحادثة الإسراء والمعراج.. فالرؤية السياسية- المنبثقة عن تصور عقائدي- لهذه الحادثة تتضمن جملة حقائق تمثل فرقانًا يمد الناس بالهدى في قضايا المنطقة وأحداثها. فالإسراء والمعراج دليل على انتقال القيادة من يد اليهود.. إلى أمة الإسـلام.  فالإسراء بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ يحمل بوضوح معنى هيمنة الرسول وأمته بالتالي- على مواريث النبوة جميعًا. وإن المسلمين- بعد رسولهم- هم حفظة هذه المواريث وأمناؤها.. لا ينازعهم في هذا الحق أحد.  وفي الإسراء.. تقدم رسولنا فأمّ الأنبياء والمرسلين في الصلاة.  وهذا دليل حاسم على حق المسلمين في منصب «الإمامة» والأخذ بزمام القيادة. وتبوؤ مقدمة الصفوف. ربط القرآن الكريم ربطًا وثيقًا بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء:1)  وهو ربط مقصود يجعل المسجد الأقصى يتبع ـ مباشرة ـ المسجد الحرام.  في ضوء هذا الفرقان عزم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على فتح بيت المقدس ففتحه، وأعطى المسلمين مفاتيحه.  فلما سقط بيت المقدس في يد الصليبيين.. تقدم صلاح الدين الأيوبي فحرره و أعاده للقيادة الإسلامية.  هنا نجد أن حادثة الإسراء والمعراج أكدت- بالقرآن وبالرحلة المعجزة ذاتها- ثم بفتح عمر بن الخطاب ومعارك صلاح الدين.... أكدت الحقائق الآنفة  ضع هذا في ذهنك.. وانظر ماذا يفعل.. الساسة والزعماء اليوم؟  يريدون أن يكون كيسنجر اليهودي أمامهم!!  ويرضون بأن تكون مواريث النبوة في بيت المقدس تحت سيطرة اليهود  ويحاول- بحلولهم الاستسلامية أن يفرقوا بين المسجد الحرام..... وبين أخيه المسجد الأقصى عبر جسر الاحتلال اليهودي. عمر بن الخطاب فتح بيت المقدس.. وهؤلاء آثروا وعد بلفور أو قرار کاردون على موقف عمر!!  صلاح الدين.. عبأ الأمة للجهاد وقذف بها في معارك شتى لتحرير القدس وهؤلاء يريدون تحرير القدس- وهمًا ـ عن طريق واشنطن وموسكو. ولكن.. ما الذي بدّل الأمور تبديلا وجمل زعماء اليوم يبددون إنجازات قادة الأمس؟ لنترك جانبًا اتهامات الخيانة... والعمالة. ونركز على تهمة واضحة وموضوعية جداً وهي: أن هؤلاء اتخذوا هذا الموقف السطحي الساذج في غيبة الرؤية الإسلامية الواضحة. ذلك أنهم لا يقيمون علاقات دائمة مع قرآنهم. ولا مع سيرة نبيهم يجعلون إسلامهم.. وتاريخهم معًا. ولا حل. ولا علاج يمحو هذه الأمية إلا بثقافات إسلامية واسعة وبدراسات سياسية إسلامية جادة. لمقومات المنطقة وتاريخها.. دراسات تتناول العلائق السياسية كلها في ضوء الكتاب والسنة. وترك هذا الموضوع وللهوايات الشخصية.. لن يؤدى إلى نتيجة نافعة. لذلك اقترحنا إنشاء معهد عال طلابه رؤساء ووزراء خارجية دول العالم الإسلامي. الموقف الثاني يتعلق بتحويل القبلة  حادثة الإسراء والمعراج تمت في رجب  وتحويل القبلة.. تم في شعبان... أي في مثل هذا الشهر وهذا الحدث العظيم- تحويل القبلة- اتسم بعمق التغيير كما دار حوله جدل كثير حسمه القرآن الكريم بتوكيد حقيقة أن المسلمين أمة وسط لها وزنها المتميز. ودورها المنفرد وقبلتها الخاصة.  ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 142-145 ) وتحويل القبلة، وجعلها إلى المسجد الحرام ينتظم جملة حقائق.  منها أن المسلمين أصحاب تمييز خاص.. من طريقة السلام إلى قبلة التوجه. ومنها أن الأمة الوسط الشهيدة على الناس لا ينبغي لها أن تلتفت إلى قبلة أخرى.  ومنها أن اتباع أهواء أصحاب القبلات الأخرى للحقيقة.. وظلم للنفس وإلى جانب قبلة الصلاة هناك. قبلة الولاء.. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ (الزمر:11)  وقبلة التشريع.. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية :18)  ضع هذا في ذهنك... وانظر ماذا يفعل رؤساء وزعماء اليوم؟ لقد جعلوا قبلتهم واشنطن وذابوا فلم يكونوا أمة وسطًا.. وغابوا فلم يكونوا شهداء على الناس منهم من جعل- كما قلنا- واشنطن قبلته  ومنهم من جعل موسكو قبلته.  ومنهم من جعل بكين قبلته. وما بعضهم بتابع قبلة بعض. ونحن نعلم أن لكل قوم قبلة. الكاثوليك قبلتهم الفاتيكان. واليهود قبلتهم الهيكل.. وهكذا ولم يتحول هؤلاء- كجماعات- عن قبلتهم إلى قبلتنا. لكن الزعامات التي آل إليها أمر المسلمين تعمل على أن تنتقل هي وتنقل الأمة معها إلى قبلات الأمم الأخرى. في الولاء  والسياسة  والتشريع  والحياة الاجتماعية والسلوك. وما فعلوا ذلك إلا لذات السبب.. ولنفس العلة. وهي غيبة الرؤية الإسلامية الواضحة في القضايا السياسية.  ومن الواضح أن زعماء ورؤساء المسلمين وحدهم هم الذين يتنكرون لإسلامهم ويتخلون عن الحس العقائدي في التعامل الخارجي والداخلي. ولو أن رئيس صندوق التنمية الكويتي- مثلاً- أصبح عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية أو مؤسسة اسمها- نتخيل ذلك تخيلًا- المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية في العالم. لو حدث ذلك لتندرت صحف.. وسخرت مجلات.. وسخر كتاب في منطقتنا من هذه الخطوة ولقالوا: وي أن فلانًا أصبح رجل دين أو صار رجلًا رجعيًا!!  لكن مكنمارا رئيس صندوق البنك الدولي، وهو الآن عضو في مجلس الكنائس العالمي لم ينتقده أحد. ولم يسخر منه أحد. وإذا استطردنا نجد الأمثال كثيرة وفيرة. في ألمانيا حزب قيادي يسمى الحزب الديمقراطي المسيحي.  وفي إيطاليا حزب قيادي يحمل نفس الاسم.  وفي التنظيمات النقابية الدولية تنظيم يحمل اسم «اتحاد النقابات الدولية المسيحية». وفي إسرائيل أحزاب دينية.. بل إن جميع الأحزاب في الأرض المحتلة تؤمن بوجودها هناك على أساس ديني. وفي إيرلندا الشمالية صراع بين الكاثوليك.. والبروتستانت.  وفي اليونان حزب مسيحي. وفي شمال أوروبا أربعة أحزاب مسيحية. وفي فرنسا أحزاب مسيحية ونقابات عمالية كاثوليكية تجاوزت الملايين عددًا.  وفي الهند وبورما وتايلاند أحزاب وثنية.  وفي روسيا والصين.. ومعظم دول العالم أحزاب شيوعية.  وفورد في أول خطاب له بعد توليه الرئاسة أبرز بروتستانتیته واعتز بها. ما من أحد تخلى عن عقيدته.  وما من أحد تخلى عن قبلته.  ولكن الزعماء والرؤساء في العالم الإسلامي.. يتجاهلون المعاني الكبيرة في الإسراء والمعراج والحقائق الواضحة في قضية تحويل القبلة. وحين نستبعد مرة أخرى تهم الخيانة والعمالة.. ينصب الاتهام ويتركز في جهل الإسلام.. والأمية السياسية في قضاياه وشؤونه وأهدافه. والخطوة الإيجابية لستر هذا العرى العقلي والعقائدي.. وإيجاد رؤية سياسية إسلامية واضحة تبدل العمى.. إبصارًا.. والغفلة.. يقظة.. والعبط السياسي.. حصافة وحنكة وعبقرية. الخطوة الإيجابية هي: إنشاء معهد عال «لدراسة العلاقات السياسية في ضوء الكتاب والسنة»  .. يؤمه الرؤساء ووزراء الخارجية
الرابط المختصر :