العنوان التعليم التطبيقي .. الإصلاح الإداري قبل زيادة الميزانية
الكاتب طارق الحمود
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مايو-1988
مشاهدات 73
نشر في العدد 868
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 31-مايو-1988
*جزء كبير من ميزانية الهيئة يعود إلى وزارة المالية في نهاية السنة المالية بسبب سوء الإدارة والبيروقراطية.
*يُفترض أن تُقدِم الهيئة على وضع خطة للإعداد والتطوير المهني لأعضاء هيئة التدريس والتدريب.
*الهيئة ضاعفت رواتب غير الكويتيين وأبقت رواتب الكويتيين كما هي.
في دول العالم المتقدمة يحظى التعليم بوجه عام بالأهمية القصوى من بين مجالات الأنشطة البشرية في تلك المجتمعات، فتراها تخصص أعلى معدل من الميزانيات لإنفاقه على مجال التعليم، فالإنسان في نظر تلك الدول هو الاستثمار الأكبر الذي لا محل للخسارة فيه، وهو المعول عليه كأساس للنهضة والرقي المأمول.
ولا عجب أن نجد حتى تلك الدول ذات الموارد المادية القليلة، استطاعت أن تقفز قفزات هائلة في مجال الحضارة باعتمادها على ذلكم العنصر البشري المدرب، ففي اليابان وألمانيا مثلًا حيث دكّت الحرب العالمية الثانية هاتين الدولتين، لم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى نهضتا كالعملاقين في مجال الصناعة، وذلك لأن الإنفاق قد توجه إلى العنصر البشري استهدف تخريج الإنسان القادر على المساهمة في الإنتاجية المستمرة لهذا المجتمع.
وبلا شك فإن التعليم التطبيقي والتكنولوجي يأتي - من حيث الأهمية - في مقدمة مسارات التعليم، خاصة في البلدان التي تريد أن تتطور ذاتيًا وتنمي مواردها كالكويت، غير أن الواقع هنا يعاكس ذلك تمامًا فنجد أن نسبة الإنفاق على التعليم في الكويت لا تتناسب والاهتمام المطلوب به، وبالرغم من الثروة الوطنية الكبيرة التي تملكها الكويت إلا أننا نجد مرافق التعليم العالي على سبيل المثال متخلفة وقديمة وغير مجهزة تجهيزًا كاملًا ولم تنل حظًا كافيًا من هذا الإنفاق.
ويتوازى ضعف الإنفاق على التعليم لدينا مع سوء إدارة الأموال المخصصة لها داخل المؤسسات التعليمية ليشكلا جناحي المشكلة المزمنة التي يعاني منها التعليم بوجه عام، والتعليم التطبيقي بوجه خاص، ويهمنا هنا هذا النوع الأخير من التعليم، حيث إن الحاجة في الكويت قد تعاظمت ولا تزال إلى مخرجات التعليم التطبيقي من ذوي التخصصات الفنية، سدًا لتلك الحاجة من جهة، وسعيًا إلى تعديل التركيبة المهنية السكانية في الكويت حيث يغلب الاتجاه إلى التخصصات الإدارية والكتابية لدى الكويتيين دون التخصصات الفنية.
وقد نشرت الزميلة القبس ندوة بعنوان «التعليم التطبيقي.. الواقع والمستقبل»، تحدث فيها مجموعة من المختصين والمهتمين بشؤون هذا التعليم، وأشار فيها مدير عام الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب الدكتور عبد الرحمن المحيلان إلى مشكلة ضعف الميزانية قائلًا:
«ميزانية الهيئة لا تتناسب مع تزايد العبء السنوي عليها، كما أنها لا تتناسب مع الطموحات والآمال المنتظرة من مخرجات الهيئة، فعندما أنشئت الهيئة في ديسمبر 1982 كانت ظلال أزمة المناخ في يوليو، مما أثر على تركيبة الميزانية وأضعف موقفنا عند التفاوض على قيمة الميزانية، بينما تزايد العبء بزيادة 39% من نسبة الطلبة.. نجد معهد الدراسات المصرفية ميزانيته التدريبية تُقدّر بمليون دينار، في حين ميزانية التدريب في الهيئة تُقدّر بـ50 ألف دينار لكل أجهزة الهيئة».
وأكد هذا التوجه المدير الأسبق للهيئة، السيد أحمد المزروعي، بقوله: «إن التعليم التطبيقي يُراد له أن ينمو بدون أن تُوفّر له الاحتياجات التي يحتاجها من مبانٍ ومن تجهيزات ومن إعداد مدرسين، وقضية ترشيد الإنفاق يجب ألا تكون في أهم استثمار وهو الاستثمار البشري، وبالتالي فأي ترشيد في هذا الإنفاق سوف يؤثر سلبًا على المدرس وعلى الطالب وعلى مخرجات الهيئة».
لماذا الإنفاق؟
يرتبط بحديثنا عن حاجة التعليم التطبيقي إلى الإنفاق، التطرق إلى وجوه هذا الإنفاق الذي يُفترض أن يتم، والذي يُفترض أن تُخصّص له ميزانية تتلاءم وحجمه وأهميته، وهذه الوجوه هي كالتالي:
الإنفاق على المباني:
فالمباني قديمة، بل إن بعضها مر عليه أكثر من 35 سنة دون أن يطرأ عليه أي صيانة أو تجديد، كمباني الكلية الصناعية والتي تشغلها كلية الدراسات التكنولوجية، ومباني المعهد التجاري التي بنيت في الأصل لتكون مدرسة وليس معهدًا أو كلية تجارية، وهناك مباني كلية العلوم الأساسية، ناهيك عن مباني مراكز التدريب التي هي مبانٍ مؤقتة عبارة عن «شبرات»، وأهمية الحديث عن المباني تنبع من كونها هي التي تطبع الطالب المتدرب فيها بمفاهيم العمل منذ أول يوم له في الكلية أو المعهد، فهي التي تشعره بالبيئة التكنولوجية المحيطة به من ورش وملابس وأجهزة، وهي من جهة أخرى يجب أن تلبي حاجته من كفاية التدريب وتحقيق الهدف منه.
الإنفاق على المختبرات والورش:
فهي الأخرى من أهم مستلزمات التعليم التطبيقي، ويجب أن تُوفّر لها ميزانية تفي وتغطي الحاجة إليها، بحيث تكون هذه الورش والمختبرات مقامة على أحدث النظم التكنولوجية، فالطالب التكنولوجي الذي يذهب إلى سوق العمل يُفترض أنه تدرب على تشغيل أحدث الأجهزة وليس أقدمها، ولا شك بأن إنشاء هذه الورش والمختبرات مكلف للغاية من الناحية المادية، وهو ما يجعل الإنفاق على التعليم التطبيقي باهظ الثمن حرصًا على المواكبة المستمرة لتطور التعليم التطبيقي، الأمر الذي يعني وجوب أن تكون الميزانية قادرة على استيعاب هذه المواكبة.
تدريب الهيئة التدريسية:
يأتي بالدرجة الثالثة أيضًا الإنفاق على تدريب هيئة التدريس في التعليم التطبيقي، فمعظم أعضاء الهيئة التدريسية الحالية هم من مخرجات التعليم الأكاديمي وخبرتهم محدودة في التعليم التطبيقي، بل إن بعضهم لا يدرك أهداف التعليم التطبيقي ونوعيته، فيُفترض أن تقوم الهيئة بوضع خطة للإعداد والتطوير المهني لأعضاء هيئة التدريس، وذلك بإرسالهم في دورات مستمرة إلى المؤسسات الصناعية الكبرى في العالم، وإلى المؤسسات التعليمية التكنولوجية المماثلة للهيئة لاكتساب الخبرة المطلوبة، وهو ما يستتبع تخصيص ميزانية تحقق الغرض من هذا الطلب.
الميزانية.. ومستقبل الهيئة:
إذا كنا قد ركزنا في حديثنا على وجوب تخصيص ميزانية قوية للهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، فإن ذلك لسبب وحيد في نظرنا وهو أن الهيئة لن تحقق الأهداف التي أنشئت من أجلها دون تخصيص مثل هذه الميزانية، ولو أردنا الدخول في التفاصيل لوجدنا أن عجز الميزانية المخصصة للهيئة يحول دون نمو هذه الهيئة بواقعها البئيس.
وهناك أمر آخر يستحق التنويه إليه، وهو أن بعض القياديين في الهيئة رغم تقديرنا الشديد لأشخاصهم، إلا أنهم يواجهون مشكلة أخرى تكمن في سوء إنفاق الميزانية الحالية أو سوء تدبير إنفاق هذه الميزانية، يُضاف إليها استمرارية سوء التخطيط وعدم ملاءمة القرارات في هذه الهيئة، ولعل الفوضى التي أحدثها المدير السابق داخل الهيئة أصبحت عُرفًا وقانونًا يضرب أطنابه حتى اليوم داخل الهيئة، ولا ينصلح شأن هذه الأوضاع سوى بوجود قيادة إدارية خبيرة بالتعليم التطبيقي ذات إلمام بتجارب الهيئة، ونحن رغم تقديرنا لقيادات الهيئة الحالية، والتي نراها صالحة في ذاتها وأشخاصها وحريصة على مصلحة الوطن، إلا أن مستوى أدائها الحالي في الإدارة لم يفلح حتى الآن في إصلاح تلك العيوب المزمنة رغم مرور فترة ليست بالقصيرة على تسلّمها مسؤولية الإدارة.
طريقة عشوائية لصرف الميزانية:
وعلى الرغم من ضعف الميزانية المخصصة للهيئة قياسًا للدور المطلوب منها فإنه أيضًا تبرز سوء صرف أموال هذه الميزانية، وتتشكل مظاهر هذه المشكلة في الآتي:
أرادت الهيئة استقطاب الخبرات الفنية العالية كالعاملين بالصناعة لكي ينتقلوا إلى المجال التدريسي، وهذا يعني وجوب أن تتساوى رواتبهم عند تعيينهم في الهيئة مع رواتبهم في القطاع الصناعي، وعلى ذلك فقد قامت الهيئة بتعديل كادرها الوظيفي وسلّم الرواتب فيها، وبدلًا من أن تقوم بوضع سلّم رواتب يجذب الكفاءات الصناعية والكويتية، وضعت سلّم رواتب مماثل لسلّم النظام الجامعي لا يجذب إلا أصحاب الشهادات الأكاديمية والمعلومات النظرية البحتة، وعند تطبيق هذه الكوادر الجديدة تضاعفت رواتب غير الكويتيين، بينما بقيت رواتب الكويتيين على ما هي عليه، بل إن بعضهم نقصت رواتبهم عما كانت عليه قبل تطبيق الكادر الجديد، وهذا بحد ذاته يعتبر سوء إدارة للمال في الهيئة، إذ كيف تقل أو تبقى رواتب الكويتيين كما هي، وتُضاعف رواتب غير الكويتيين ممن هم ليسوا من أصحاب الكفاءات والخبرات العملية.
سياسة خاطئة للأجور والرواتب:
وعندما قامت الهيئة بالتعاقد مع أعضاء هيئة تدريس جدد أنجزت العملية بشكل ساذج لا يتم عن معرفة ودراية، فصارت تتعاقد مع الخبرات الأكاديمية العالية من حملة الألقاب العلمية الرفيعة، وذلك لتخريج طلبة في مستوى الدبلوم، وهؤلاء أصحاب الدراسات الأكاديمية العالية ليس لديهم أدنى خبرة تطبيقية، وهم في الوقت نفسه يكلفون الدولة مبالغ طائلة دون جدوى من ورائها، في حين أن الهيئة بدأت تنهي عقود أصحاب الخبرات التطبيقية المتدنية الرواتب قياسًا إلى أصحاب الشهادات العلمية النظرية، وهذا الأمر يعطي صورة واضحة عن عدم الرشد في توجيه الميزانية وتصريفها، فقد اتضح أن معظم أعضاء هيئة التدريس الذين تم التعاقد معهم برواتب عالية لا تتلاءم مع العملية التدريسية في التعليم التطبيقي، ولهذا السبب فإن باب الرواتب قد تضخم بشكل كبير وأصبح الجزء الأكبر من ميزانيتها يذهب إلى باب الرواتب دون أن يستفيد منه الكويتيون، ودون أن تنجح الهيئة في استقطاب الكفاءات الصناعية، الأمر الذي أضر بالعملية التطبيقية وجرفها نحو التعليم الأكاديمي.
يذهب جزء لا بأس به من الميزانية المخصصة لتجهيز مختبرات وورش التعليم التطبيقي والتدريب يعود إلى وزارة المالية في نهاية السنة المالية كما هو، وذلك بسبب البيروقراطية الشديدة والروتين العقيم الذي يحرم المؤسسات التعليمية من التمتع بهذه الأموال، ونتيجة لذلك، فإن هذه الأموال لا تعود بالفائدة على الهيئة في الجزء الذي يعود للوزارة، كما أن الجزء الذي يُصرف على الأجهزة لا يخلو تصريفه من سلبيات، حيث إن كثيرًا من هذه الأجهزة لا يأتي حسب المواصفات المطلوبة، وكثير منها يأتي دون كتالوجات التركيب والتشغيل، وبعضها يأتي دون تأمين على عملية شحنه، ومن جهة أخرى كثيرًا ما تلجأ الهيئة إلى شراء معدات وأجهزة وأحيانًا أثاث من الأنواع الرديئة بأثمان عالية، مما يثير الكثير من التساؤلات حول أسباب هذا الصرف غير المبرر، ولو أردنا الاسترسال في قراءة ملف المصروفات لوجدناه مليئًا بالعجائب.
تُعتبر الميزانية المخصصة لتنمية وتطوير القوى البشرية في الهيئة من أدنى الأرقام المخصصة لأعضاء هيئة التدريس مما يعكس عدم الاهتمام لدى الهيئة بتطوير أعضاء هيئة التدريس، بل إنه للأسف نجد أن معظم هذا المبلغ المخصص لتطويرهم يذهب لدورات ورحلات القيادات في الهيئة، فقد بلغ عدد الدورات التي أخذها أحد عمداء الكليات في سنة واحدة أكثر من عدد الدورات التي أخذها جميع أعضاء هيئة التدريس الموجودين في الهيئة، ومن جهة أخرى تمر أحيانًا السنوات الدراسية دون أن يستفيد أعضاء هيئة التدريس من الميزانية، يُضاف إلى ذلك أن ما يُصرف لأحد القياديين عند ذهابه في دورة يصل إلى مخصص يومي لا يقل عن 60 دينارًا مع تذكرة سفر درجة أولى، في حين ما يُصرف للمدرس من أعضاء هيئة التدريس لا يزيد على 10 دنانير يوميًا مع معاناة شديدة في البيروقراطية الإدارية لصرف مخصصاته وصرف تذاكره.
ظلت الهيئة طوال السنوات الماضية تخصص مبالغ للبحث العلمي ونظرًا للروتين الإداري والبيروقراطية العقيمة، فإن هذه المبالغ لا تُصرف بتاتًا وتعود كما جاءت إلى وزارة المالية، ولو طالبنا إدارة الميزانيات في وزارة المالية أو ديوان المحاسبة بالتدقيق في الميزانيات السابقة للهيئة، لوجدت ذلك موجودًا، ولتوصلت إلى قناعة بتكرار المخالفات، ولتكتشف الإدارة أن القضية ليست محصورة في زيادة ميزانية الهيئة وإنما لها وجه آخر وهو وجوب حسن التصرف بالأموال، ونحن نعتقد أن الهيئة ابتداءً من مجلس إدارتها إلى ديوانها غير قادرة على حسن التدبير والتصريف لهذه الأموال ما لم يحدث انقلاب إداري تأتي معه إدارة خبيرة ذات دراية أو أن تتغير طريقة الصرف والتدبير لدى الإدارة الحالية، التي نتمنى أن تصحح من مسار التعليم التطبيقي باستيعاب ما تطرقنا له في هذا المقال من ملاحظات وتعمل على تمتين الصلة بين الآمال والطموحات المرسومة لمستقبل الهيئة وبين الواقع المليء بالأخطاء والمخالفات، والذي يحتاج إلى يد حازمة تقوم ما اعوج من شؤونه وتُقيم أود الأمور كما ينبغي أن تكون.