العنوان التعليم التطبيقي في الكويت إلى أين؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1981
مشاهدات 63
نشر في العدد 533
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 16-يونيو-1981
التعليم التطبيقي عامل مهم من عوامل التنمية الشاملة واللحاق بركب الأمم المتقدمة.
الكويتيون عشر قوة العمل، ولا بد من توزيعهم على القيادات العليا والوسطى والقاعدة.
المجتمع الكويتي يتطور بسرعة في عالم الإنتاج والخدمات، ويحتاج إلى الحرفيين والفنيين.
وزارة التربية تشرف على التعليم التطبيقي، ولكن هناك عقبات ومشاكل.
الهيئة التدريسية في المعاهد لا تواكب التطور التكنولوجي وخبراتها محدودة.
روتين الوزارة وتبعية المعاهد لميزانيتها يعرقل نموها وتصورها.
الطلاب لا يقبلون على الدراسات الفنية المهنية؛ لأن تعيينهم بعد التخرج غير مجز.
مشروع قانون التعليم التطبيقي طرح منذ سنة، ولكن مصيره مجهول.
أعضاء مجلس الأمة يقطعون على أنفسهم عهودًا بإصلاح نظام التعليم لصالح التعليم التطبيقي.
لماذا لم يناقش مجلس الأمة إصلاح نظام التعليم التطبيقي حتى الآن؟!
مطلوب من المجلس إصدار قانون بتأسيس هيئة عامة مستقلة للتعليم التطبيقي.
التعليم التطبيقي- أو كما يسمى في الكويت التعليم الفني والمهني- أصبح من ضرورات العصر بحكم تقدم التكنولوجيا، وتدخلها في كل مجالات الإنتاج والخدمات، والتي أصبحت في البلدان الصناعية جزءًا لا يتجزأ من نسيج الحياة اليومية للأفراد، وقد أدركت الدول النامية أخيرًا أهمية التعليم الفني والمهني؛ فأدخلته في أنظمتها التعليمية، والكويت- كبلد نام ولاعتبارات خاصة- عليه أن يهتم بتطوير هذا التعليم؛ بحيث يخدم عملية التنمية الشاملة للموارد الطبيعية والبشرية؛ ويمكن تلخيص هذه الاعتبارات الخاصة فيما يلي:
مع أن تعداد الكويتيين يقترب من نصف تعداد السكان، إلا أن قوة العمل الفعلية منهم لا تشكل إلا حوالي ١٠% من مجموع القوى العاملة في البلد، وهذا يعني أن الكويتيين مهيؤون لاستلام المناصب القيادية، وهذا ما أخذت به السياسة التعليمية فعلًا؛ فركزت على إنشاء جامعة الكويت لتخريج هذه القيادات، ولكن التجربة كشفت عن عجز الجامعة في تخريج القيادات الوسطى وقيادات الحرفيين والفنيين، في الوقت الذي بدأ سوق العمل الكويتي يحتاج مثل هذه الكفاءات بسبب شيوع استخدام التكنولوجيا الحديثة والأجهزة الفنية المختلفة، التي تحتاج إلى مهارة خاصة لتشغيلها وصيانتها.
الصناعة.. من يشغلها؟
هناك اتجاه عام لتنويع مصادر الدخل القومي، وعدم الاعتماد الكلي على إنتاج النفط الخام الذي مازالت عائداته تشكل ٩٥% من الدخل القومي، وفي هذا السبيل بدأت الدولة بعمل مشاريع صناعية بتروكيماوية، وأنشأت البنك الصناعي لتشجيع الاستثمار في حقل الصناعة- ولو الخفيفة منها- وتطوير قطاع الصناعة- كما لا يخفى- يحتاج إلى أجهزة حديثة متنوعة- ويحتاج إلى أيدي عاملة فنية لتشغيلها وصيانتها.
كذلك فإن عجز المؤسسات التعليمية القائمة عن استيعاب جميع طلبة الثانوية العامة من الكويتيين، حتم على السياسة التربوية أن توجد لهم مؤسسات تعليمية تهيئ لهم فرصة التعلم من جهة، وتلبي حاجة المجتمع من جهة أخرى.
وبما أن الكويت ناشطة تجاريًا وفي طريقها إلى استخدام التكنولوجيا في الإدارة العامة والخدمات خاصة المالية، فهي بحاجة إلى الفنيين المهيئين لإنجاح خطط التنمية والتطوير، فعلى سبيل المثال شاع في الكويت مؤخرًا استخدام نظام الكمبيوتر في الوقت الذي لم تكن السياسة التعليمية قد هيأت الكادر الفني القادر على استخدامه بكفاءة وسرعة، من أجل ذلك أقامت عدة مراكز خاصة للتدريب على عمليات الكمبيوتر، ومعظمها لا يعطي الطالب القدر المطلوب، كما لجأ أصحاب العمل إلى استجلاب الفنيين في هذا المجال من الخارج، ومثل هذا ينطبق على خدمات الصحة والماء والكهرباء وغيرها.
التربية تستجيب
انطلاقًا من النقاط السابقة، وتحسسًا لحاجات المجتمع، فقد استجابت وزارة التربية والتعليم، فعملت منذ عام ١٩٧٤ على إنشاء معاهد مهنية وفنية، وصارت لها إدارة يشرف عليها الوكيل المساعد لشؤون التعليم الفني والمهني السيد أحمد المزروعي.
هذه المعاهد هي معهد الكويت للتكنولوجيا، معهد المعلمين والمعلمات، المعهد الصحي للبنات، والمعهد التجاري، وهناك بالطبع معهد المواصلات السلكية واللاسلكية، ومركز التدريب المهني الذي يخرج الأيدي العاملة الماهرة من غير المتعلمين.
ولعل معهد التكنولوجيا هو أهم هذه المعاهد من حيث تعدد التخصصات الفنية فيه، ومن حيث أهمية هذه التخصصات لحاجة سوق العمل.
ووزارة التربية كما صرح السيد أحمد المزروعي للصحف يوم الخميس الماضي لا تألو جهدًا لتطوير التعليم الفني والمهني، ونضرب على ذلك مثالًا بنظام البعثات للكويتيين، وتعيينهم في هيئة التدريس.
ولكن..
ومع ذلك فهناك عقبات ومشاكل كبيرة يواجهها التعليم التطبيقي في الكويت على حد تعبير المدير المساعد للشؤون العلمية في معهد التكنولوجيا الأستاذ إسماعيل الشطي، وهذه المشاكل والعقبات بعضها يتعلق بهيئة التدريس، وبعضها يتعلق بالإدارة، وبعضها يتعلق بمستقبل خريجي المعهد، وما ينطبق على معهد التكنولوجيا يكاد ينطبق على مختلف المعاهد بتفاوت نسبي.
المهم أن التعليم التطبيقي في الكويت- بالرغم من الجهود المشكورة لوزارة التربية- يحتاج إلى تطوير ودفع إلى الأمام؛ ليكون بحق عاملًا أساسًيا في تنمية البلد تنمية شاملة ومتوازنة.
ولا شك أن أول خطوة على طريق التطوير هي التعرف على المشاكل والعقبات التي يواجهها التعليم التطبيقي.
مشاكل هيئة التدريس
تقول مصادر تربوية مطلعة: إن مشاكل هيئة التدريس تتلخص في عدم القدرة على اجتذاب ذوي الخبرات الفنية من المؤهلين القادرين على استيعاب الجديد في عالم التكنولوجيا وتفهيمه للطلاب، فالهيئة التدريسية الحالية في معظمها، وإن كان بعضها من ذوي الخبرات؛ إلا أن عقليتهم وطرقهم في التدريس قديمة لا تساير تطور التكنولوجيا، وترجع هذه المصادر سبب ذلك إلى ناحيتين:
الأولى: أن المدرسين في المعاهد يتم تعيينهم على كادر وزارة التربية، ويعتبرون مثل غيرهم من المدرسين.. ومن الطبيعي أن مكافآت ورواتب كادر وزارة التربية لا تسمح باجتذاب الكفاءات العالية.
الثانية: تتعلق بكادر التربية أيضًا، ومحدودية الترقية فيه، وألقاب المدرسين، فالمدرس في المعاهد الفنية من الناحية الاجتماعية والواقعية ليس أكثر من مدرس من مدرسي وزارة التربية أي كمدرس المراحل التعليمية الإلزامية.
والخلاصة أن الحوافز والمغريات التي تعمل على إيجاد هيئة تدريس ذات كفاءة غير متوافرة.
ومشاكل إدارية
وإضافة إلى ذلك تقول مصادر تربوية: إن ارتباط ميزانية المعاهد بميزانية وزارة التربية وتبعيتها الإدارية كذلك، تضع قيودًا وعراقيل كثيرة أمام إدارة المعاهد مما يعوق عملية تطويرها، وتوفير احتياجاتها من المعدات والمستلزمات الأخرى، فكثيرًا ما تكون الحاجة ملحة لشراء جهاز متقدم تكنولوجيًّا، ولكن روتين الوزارة وقيود ميزانيتها تحول دون ذلك أو تؤخره لأجل قد تنتفي فيه الحاجة إليه، ولذلك كما- ترى هذه المصادر- فالأمر يتطلب أن يتمتع التعليم التطبيقي بإدارة وميزانية مستقلة كغيره من المؤسسات العامة، التي أملتها حاجة المجتمع كالجامعة ومعهد الكويت للأبحاث العلمية وغيرها.
عدم إقبال الطلاب
على أن أهم المشاكل وأجدرها بالمعالجة هي مشكلة عدم إقبال الطلاب الكويتيين على الالتحاق بالمعاهد الفنية، الأمر الذي قد ينسف التعليم التطبيقي من أساسه، فما الحاجة إليه إذا لم يكن هنالك من يريد أن يتعلم؟!
وعدم إقبال الكويتيين على المعاهد الفنية والمهنية يعود إلى عدة أسباب، يأتي في مقدمتها وضعه الوظيفي بعد التخرج، فالخريج في الوقت الحاضر بالنسبة لمعهدي التكنولوجيا والمعهد التجاري يتعين على الدرجة الخامسة.. وأما خريجو المعاهد الأخرى فأقل!
من هنا فإن الطالب يفضل أن يتخرج من الجامعة ولو من فرع أدبي، ليضمن له وظيفة مجزية بعد التخرج، ويترتب على هذا خلل في عملية التنمية الشاملة، ولو أخذنا معهد التكنولوجيا كمثال لوجدنا أن الطالب يتخرج خلال سنتين ونصف، ولكنه يتلقى ۲۰۰۰ ساعة كمقررات، فيما طالب الجامعة يتلقى ٢٤٠٠ ساعة على مدى أربع أو خمس سنوات وهذا يعني أولًا: أن خريج المعهد يوفر على الدولة مصاريف أكثر، وثانيًا: يكون مظلومًا في التعيين، وثالثا: يكون حقه مهضومًا بلقبه العلمي كمساعد مهندس مثلًا.
ولعلاج هذه المشاكل لا بد من تحقيق المساواة والعدل بين خريجي المعاهد والجامعة من حيث التعيين واللقب العلمي.
قانون التعليم التطبيقي
ولكن هل من علاج لجميع هذه المشاكل والمعوقات؟ ثم ألم تتحسس وزارة التربية تلك المشاكل، فتعمل على حلها وتذليلها؟!
الحقيقة أنه يبدو أن وزارة التربية قد تحسست تلك المشاكل جميعًا، وحاولت أن تحلها من خلال إعدادها مشروعًا لقانون بشأن التعليم التطبيقي، وقد تم إعداد هذا المشروع منذ أكثر من عام، ولكنه حتى اللحظة لم ير النور، ولا أحد يدري ماذا يكون المصير!
وهناك معلومات لم تتضح بعد مفادها أن وزير التربية يعتبر مشروع القانون اقتطاعًا لمسؤولياته؛ ولذلك فإنه سيعمل على وقفه! والذين يذهبون إلى هذا يؤيدون وجهة نظرهم بحصر مسؤولية التعليم الفني والمهني بشخصيته كوزير، أما الوكيل المساعد المختص سابقًا فقد جعله نائبًا للوزير.
على أية حال فمشروع القانون قد حل جميع المشاكل والعقبات التي نكرناها وذلك من خلال تأكيده على:
١- إنشاء هيئة عامة للتعليم التطبيقي تتمتع بإدارة وميزانية مستقلة وتقع مسؤوليتها على وزير التربية.
٢- مساواة هيئة التدريس في المعاهد بزملائهم في جامعة الكويت من حيث المرتبات ومسمى الوظائف وشروط التعيين.
3- إعادة النظر في مسمى الشهادات العلمية التي تمنحها الهيئة المقترحة بحيث تشمل: دبلوم العلوم التطبيقية، وبكالوريوس العلوم التطبيقية.
هذه أهم الجوانب الإيجابية في مشروع القانون، وإذا كان هناك من سلبيات فمحصورة في ربط المسؤولية وحصرها بشخص وزير التربية؛ لأن ذلك سيظل يحد من الذاتية الاستقلالية لهيئة التعليم التطبيقي، بالرغم من أن المشروع قائم على أساس إعطائها الاستقلالية الإدارية والمالية.
ما العمل؟
في كل يوم تتأكد وتتعمق حاجة المجتمع إلى إصلاح نظام التعليم التطبيقي فما العمل؟ هنالك رأي يبدو أنه أكثر قابلية ومعقولية للتنفيذ وهو ما نتبناه في هذا المقال، وهو ضرورة أن يتنادى المخلصون والعقلاء بالإسراع في إقرار مشروع قانون التعليم التطبيقي، وإجراء بعض التعديلات عليه بعد دراسة دقيقة يشترك فيها المختصون من القطاعين العام والخاص والخبراء.
إن خير من يقوم بهذه المهمة هو مجلس الأمة باعتباره السلطة التشريعية في البلاد، وإن أعضاءه قد قطعوا عهدًا على أنفسهم لجمهور الناخبين أن يعملوا على إصلاح نظم التعليم بشكل عام، والتعليم الفني والمهني بشكل خاص، فقد تبين في استطلاع للمجتمع حول توجهات النواب حول القضايا التعليمية أن ٤٨% منهم يرون أن الجامعة لم تحقق أهدافها، وأن ٧٦% منهم طالب بإنشاء كلية للإعلام.
مقابلات ووعود
وفي مقابلات أجرتها المجتمع مع أبرز المرشحين في شهر فبراير الماضي قال جاسم الصقر: «الدولة بحاجة ماسة إلى الحرفيين والفنيين على مستوى رفيع كأعمال التبريد والميكانيكا وغيرها كثير، وأنا أقترح رفع كفاءة المؤسسات التعليمية المتخصصة من حيث مستواها الفني والتكنولوجي، ثم إنه لابد من تهيئة العيش الكريم لهؤلاء»، وحول نفس الموضوع قال محمد العدساني: «السلطة التشريعية دون شك مطالبة بإيجاد سياسات تعليمية، ثم إنه يجب متابعة ومراقبة تنفيذ هذه السياسات»، أما أحمد السعدون فقد علق قائلًا: «الوضع الحالي يحتاج إلى إعادة النظر في السياسة التعليمية بما يتفق مع حاجة البلاد من القوى العاملة التي يجب تحديدها مسبقًا، والعمل على التنسيق بين احتياجات الدولة، وما تستوعبه الجامعة والمعاهد، وخريجو التعليم العالي، واستخدام هذه القوى في مجال التخصص».
وأما النائب عيسى ماجد الشاهين فقد قال في مقابلة مع المجتمع: «ينبغي تشغيل القوة العاملة الكويتية وتوزيعها على المناصب القيادية العليا والوسطى والقاعدة، إنه من المحزن حقًا ألا تكون هناك قاعدة عاملة فنية، وتصوُّري أن حل هذا الإشكال يكون بتبني سياسة تعليمية تحد من عزوف الطلاب عن الالتحاق بالمعاهد الفنية من جهة، وبإعطاء الخريجين من المعاهد الفنية فرصًا وامتيازات مشجعة».
وبعد..
فهذه بعض من الوعود التي قطعها النواب على أنفسهم للشعب، نضعها أمامهم ليتذكروا، ولينتبهوا إلى هذا الموضوع المهم جدًا.
نعم، لقد طرح النواب مواضيع كثيرة أثناء جلسات مجلس الأمة، ولكن أيًا منهم لم يطرح موضوع التعليم التطبيقي للنقاش حتى الآن، والمطلوب من المجلس- وخاصة لجانه المتخصصة- دراسة الموضوع بعد الاطلاع على مشروع قانون التعليم التطبيقي، والاستفسار عن سبب عدم إقراره، والعمل على إخراج الهيئة العامة المقترحة إلى حيز الوجود.. وإنا لمنتظرون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل