العنوان التعليم الديني ومناهجه بعيد عن الإرهاب.. بل هو حرب عليه
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2001
مشاهدات 52
نشر في العدد 1482
نشر في الصفحة 9
السبت 29-ديسمبر-2001
منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي التي هزت أمريكا ومن ورائها العالم طفقت الأقلام تكتب عن الإرهاب وأسبابه ومنابعه وجذوره، وقد كتبنا في حينه عن ضرورة البحث عن أسباب الإرهاب وعلاجها، وأن على الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، أن تبحث في الأسباب الحقيقية وراء الأحداث، ولكن الغرب - كعادته - يغفل عن الحلول الواقعية، ويبحث في قضايا جانبية قد لا يكون لها علاقة بالموضوع، فبدلاً من معالجة قضايا الظلم الدولي والسيطرة والهيمنة، وبدلاً من السعي لإقامة العدل في أرجاء العالم ومساعدة الشعوب الفقيرة ومحاولة انتشالها من وهدة الفقر والجهل والمرض التي هي بؤر للإرهاب وردم الهوة الواسعة التي تفصل بين عالمين من البشر يعيشان على كوكب واحد، بدلاً من ذلك كله يتجه الغرب للضغط على بعض الدول العربية والإسلامية طالباً، وربما آمراً، تغيير المناهج التعليمية والبرامج الثقافية، وإغلاق المدارس الدينية والقرآنية، زاعماً أن تلك المناهج والبرامج والمدارس هي التي تغذي الإرهاب المزعوم وتوفر له عناصره.
وهكذا بدأت عمليات التضييق على المدارس الدينية والقرآنية في باكستان واليمن ومصر وانبرى الغرب يعرض المساعدات لإغلاق تلك المدارس وإنشاء أخرى بديلة لا علاقة لها بتعليم الإسلام.
إن هذا التصرف ينبع من تصور خاطئ للإسلام الذي هو دين الحق والعدل والسلام، الدين الذي يرفض الاعتداء بدون وجه حق على حشرة أو حيوان، فضلاً عن البشر، بل هو يكافح الإرهاب بكل صوره، وهو تصرف مناف للحقيقة والواقع، فالمناهج التعليمية والمدارس الدينية والقرآنية موجودة ومنتشرة في كل أرجاء العالم الإسلامي منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. ولم يحدث خلال تلك القرون أن خرجت أناس يعتدون على الآخرين بدون وجه حق أو يروعون الآمنين أو يسفكون الدماء لإشباع نزواتهم، كما حدث في الغرب نفسه، لأن الإسلام يقف ضد تلك التوجهات تماماً، لقد مات في الحربين العالميتين اللتين أشعلتهما أوروبا قرابة ٦٠ مليون شخص، أكثر من نصفهم من المدنيين، فهل كان الإرهاب الإسلامي المزعوم وراء هاتين الحربين؟ ومات أكثر من ١٥٠ مليون إنسان خلال القرن الميلادي المنصرم بسبب الأهواء والشطحات السياسية الجامحة، ولم يكن وراء ذلك إرهاب إسلامي مزعوم.
وهذه الضغوط الأمريكية والغربية ضد المؤسسات الإسلامية تتنافى مع المبادئ المعلنة حول الحرية الدينية وحرية الاعتقاد، فكيف يعقل أن يتاح لأي إنسان في الغرب أن يعلن كفره بالله والرسل والكتب واليوم الآخر، أو أن يعبد الشيطان، أو أن يكون ملحداً، أو يؤمن بأي عقيدة بشرية ملفقة، وهي أمور ترفضها الشرائع السماوية، ولا يجوز للمسلم أن يؤمن بالإسلام الدين الحق ويعمل بتعاليمه ويتعلمها، بل يحاول الغرب الفصل بين الإسلام ومعتنقيه؟ وكيف يقبل أن يتدخل الغرب للدفاع عن المارقين والمجدفين والشواذ في وقت يحارب فيه عقيدة الإسلام السمحة؟!
وهذا التوجه سيصب في النهاية لصالح الداعين إلى تسعير الحرب بين الغرب والإسلام. وهي فكرة صهيونية في الأساس، إذ لن يترك مجالاً للشك في أن ما يحدث هو حرب ضد الإسلام وليست حرباً على الإرهاب، وسيعزز من القناعة التي تترسخ يوماً بعد يوم في عقول الكثيرين بأن الغرب قد أعلن بالفعل حرباً صليبية جديدة على المسلمين.
وأخيراً فإن الشعوب الإسلامية لن ترضى بتدخل أي قوة أجنبية لتغيير مفاهيمها الدينية ومناهجها التربوية التي انبثقت عن الإسلام وستواجه ذلك بكل حزم مما يزيد التوترات القائمة ولا يذهبها، ومن الواضح أن الغرب، رغم جيوش المستشرقين والباحثين في الإسلام، لا يزال يجهل ذلك الدين الحق، ولو علم ما به من نظرة شاملة وعدل ورفع للظلم ودعوة للخير والبر والإحسان لتبنى تدريسه لأبنائه لما فيه من دعوة للخير ولمكافحة الرذيلة والآفات الاجتماعية التي غرق فيها الغرب من انحلال خلقي، وشذوذ، وانتشار المخدرات، وفساد.. وغير ذلك. فهل من مدكر؟