العنوان التغربيبون يستهدفون تحطيم اللغة والتراث
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
مشاهدات 62
نشر في العدد 933
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
في لقاء سريع مع الأديب الإسلامي
الدكتور محمد عادل الهاشمي جرى نقاش فكري - أدبي حول دور التيار
التغريبي في الأدب العربي الحديث كعامل من عوامل الهدم.. وفي هذا العدد نقدم
للقارئ الكريم حوارنا مع الدكتور الهاشمي وذلك كما يلي:
المجتمع: ما طروحات تيار
التغريب الأوروبي في عالمنا العربي والإسلامي؟ وما مدى تحقيقه لأهداف الحداثة
الأوروبية في النتاج الأدبي؟
الدكتور الهاشمي: إن أتباع
الحداثة أو التغريب الأوروبي يطرحون في عالمنا العربي والإسلامي النظرة الأوروبية
للحياة بديلًا للنظرة الإسلامية، فمفهوم الحداثة كما ينقلونه من أوروبا «تصور
جديد تمامًا للكون والإنسان والمجتمع» ويسمونه ثورة عالمية تقودها حضارة الإنسان
الأوروبي، والمطلوب من أدبائنا وشعرائنا أن ينطلقوا من هذه النظرة وإلا وصفوا
بالرجعية، وطروحاتهم في تحويل الوجهة الأدبية إلى أوروبا تتضمن هدم المعطيات
الحضارية الإسلامية كلها، من ذلك ما يطرحه «أدونيس» في تعريفه القصيدة
أو المسرحية أو القصة الحداثية بأنها هي التي تهدم كل شيء: الموروث، الدين،
السياسة، العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، ويتابع أبو أديب هذا الطرح بأن
الحداثة: «انقطاع معرفي، مصادرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني»، وكون
الإنسان مركز الوجود «لا الله»، ويصف حركتها بأنها «أعنف شرح يضرب
الثقافة العربية في تاريخها الطويل، يكاد هذا الشرخ يكون انبتاتًا عن الجذر»،
ويضيف أيضًا: «الحداثة صراع بين الماهية والوجود، فيه يصبح الوجود سابقًا على
الماهية» فيستعير من الوجودية طريقة إلحادها، ويأخذ من «زولا» رأس
الطبيعية ومن «لينين» رأس الشيوعية الهجوم على الماضي، ومن «سانت
بيف» إلغاء الأحكام السالفة، كما يأخذ «أدونيس» عن «رامبو» تمزيق
اللغة ورفض التراث، فماذا يبقى لهؤلاء التابعين من حداثة؟ إنما هو التغريب،
واحتذاء خطوات الأجنبي.
المجتمع: ما وجهة نظرك في
استخدام مصطلح «الالتزام» في الأدب؟
الدكتور الهاشمي: لم يعرف أدبنا
خلال عصوره المختلفة مصطلح «الالتزام»، وإنما بلغنا عن طريق الآداب الأوروبية
بمصطلحه الأوروبيEMGAGEMENT، وترجع جذوره إلى اتجاه «الأدب للحياة» في أوروبا الذي
استند في اتجاهه إلى الفلسفات التجريبية والاجتماعية القائمة على نظرات مادية،
تجعل المادة أصلًا في نمو الحياة وتطورها.
وقد نشأ هذا الاتجاه في صورة ردة فعل
في الآداب الأوروبية لاتجاه «الفن للفن»، الذي يعنى بالمتعة والجمال الفني
دون المضمون، وقد احتل مصطلح «الالتزام» وأضحت الدعوة إلى الالتزام
الأدبي من تعاليم الواقعية الاشتراكية كما عبر عنها قرار اللجنة المركزية للحزب
الشيوعي الذي يوجب على الكتاب أن يجعلوا نتاجهم الأدبي متوخيًا نشر الفكرة
الشيوعية، وتعليم الشباب مبادئ الشيوعية.
وقد استخدمت الوجودية أيضًا مصطلح
الالتزام في المسرح الوجودي، وإن بدا الالتزام أظهر عند الشيوعيين، إذ وجه أحد
الكتاب إلى «سارتر»، قائلًا: «إذا كنت تريد أن تلتزم فماذا يؤجل انضمامك إلى
الحزب الشيوعي»، وقد عرضت للنتاج الذي نشر تحت شعار الأدب الملتزم - في
الواقعية الاشتراكية – للأديبين السوفيتيين: «مكسيم جوركي» و«أنطون تشيكوف» كما
عرضت لنتاج من تابعهما من أدباء الاشتراكية في بلادنا، كما عرضت لأدب سارتر
الملتزم ومن تابعه من أدبائنا المتغربين في نتاجهم بما يعطي
لمصطلح «الالتزام» صورته الحقيقية.
)انظر في الأدب الإسلامي تجارب ومواقف، ص: 29).
وأتساءل بعد هذا: ما حاجتنا إلى
هذا المصطلح ذي الظل التغريبي القاتم؟ إنه لم تعد ثمة حاجة له بعد أن استقرت أصول
دراسات الأدب الإسلامي، ولقد كتبت زهاء ألف صفحة في الأدب الإسلامي فلم أجد خلالها
حاجة لاستخدامه، فقد كفاني إشراق مصطلح «الأدب الإسلامي» وأغنى، إن
مصطلح الأدب الإسلامي يمثل تميزًا في تصور حقيقة وخصائص الأدب الإسلامي بما يفرده
عن الآداب الأخرى، ويعلي من قيمته، فلا يدور في فلكها، ولا يكون تابعًا لدائرة من
دوائرها، إنما يكون الاعتماد في الأدب الإسلامي على النص الأدبي، وبمقدار إحراز
الأديب في نصه على الشروط المطلوبة في الأدب الإسلامي فنًا وتصورًا يكون التقويم،
بهذا التميز والتفرد في المصطلح والمعايير لا تجعل الأدب الإسلامي فرعًا من الفن
للفن أو الفن للحياة، وإنما هو أدب ذو طبيعة متميزة تنبع من تصوره المنفرد،
ونتجاوز بذلك المقولات أو الدراسات التي أصبحت مرحلية تاريخية وتخطاها الزمان.
المجتمع: ما تاریخ استخدام
مصطلح «الالتزام» في الدراسات الأدبية المعاصرة؟ وما وجهة نظرك فيها؟
الدكتور الهاشمي: لقد كانت
الدراسات الأدبية التي تحدثت عن الالتزام في بلادنا انعكاسا لتيار «الأدب
للحياة» في أوروبا، حيث نهض الأدباء منذ عقود عدة خلت يثبتون وجود الالتزام
الخلقي والاجتماعي لدينا قبل أوروبا، ومن ذلك ما عرضت له الدكتورة عائشة عبدالرحمن
بأن الالتزام موجود في الآداب منذ بدء الخليقة، وقد سبقنا- نحن العرب- إلى
هذا الالتزام منذ الجاهلية ولكنه التزام تلقائي، وليس إلزامًا، وأسهبت في شرح
الفرق بين الإلزام والالتزام، كما لعب في ذلك أدباء آخرون محللين هذه الظاهرة
الأوروبية ليثبتوا أنها موجودة عندنا، شأن بعض الأدباء المعاصرين في اختطاف أية
ظاهرة أوروبية وتبنيها، ثم رفع الثوريون الاشتراكيون لواء الالتزام ببلادنا في
الخمسينيات، وأضحى الالتزام شعار الثورية والاشتراكية، حتى إذا ما بدأ الاهتمام
بالدراسات الأدبية الإسلامية، وجد بعض الدارسين وهم في أول الطريق أن طريق
الالتزام مفتوح لهم، إذ يمكنهم دون عناء أن يتحدثوا عن الالتزام الأوروبي في الأدب
كاتجاه عام، وعن الالتزام الإسلامي بوصفه التزاما من نوع خاص، ولعل لاستخدام مصطلح
الالتزام في بدء الدراسات الأدبية الإسلامية ما يسوغه لأن الطرح الإسلامي في الأدب
جديد على الأوساط الأدبية المتأثرة بالعلمانية، ولعل مخاطبتها بمصطلح الالتزام
الذي تعرفه يحل بعض العقد، فكان هذا الاستخدام بمثابة وصل وتأليف للأسماع والأذهان
في هذه المرحلة، ولكن هذا المصطلح المرحلي ما كان ليلائم الأدب الإسلامي بعد بلوغه
مرحلة التأصيل، وأن اقترانه بآداب الالتزام من اشتراكية ووجودية لا يميزه، لأن
المصطلح الأدبي لا يظل رمزًا ولكنه يسقط ظله على الأدب المسمى به، ومن آثار هذا
المصطلح السلبية على الدراسات الأدبية الإسلامية أن بعض الدارسين أخذوا يستمدون في
الكتابة عن الأدب الإسلامي مبادئ الالتزام التي يقررها باحثون يدرسون الأدب بعامة
ولا يعنيهم الأدب الإسلامي، وبذلك كرسوا- دون أن يشعروا- تبعية الأدب
الإسلامي لدراسات الالتزام التي يقررها باحثون يدرسون الأدب بعامة ولا يعنيهم
الأدب الإسلامي، وبذلك كرسوا - دون أن يشعروا - تبعية الأدب
الإسلامي لدراسات الالتزام من أجنبية وعربية، وهذا غير جائز، إذ كيف نؤصل للأدب
الإسلامي بمعطيات باحثين بعيدين عن الأدب الإسلامي، وهذا أول الغيث إذ إن الأخطاء
في المنطلقات ستؤدي إلى أخطاء في الدراسات وتنحرف بها عن وجهة التميز والوحدة.
علينا أن نختار أحد طريقين لتأصيل
الأدب الإسلامي الأول: طريق الأصل الإسلامي استنادًا إلى غناء مصطلحه عن أية إضافة
تغريبية، وبمنطلق متميز يستمد خصائصه من كتاب الله وسنة رسوله، والثاني: طريق
استعارة الأصل الأوروبي بالاشتراك مع الواقعية الاشتراكية والوجودية بإلصاق «الالتزام»،
وهو مصطلح تغريبي بالأدب الإسلامي.
ولعل مبدأ الأصالة والبعد عن شبهات
التغريب تملي علينا اختيار الطريق الأول.
وفيه صدرت الدراسات الجامعية
الاختصاصية المعتمدة.. فحددت منطلق الأدب الإسلامي ومسماه المتميز بعيدًا عن
التغريب والمرحليات.
المجتمع: ما ميزان الأصالة
الأدبية التي حرصت على أن تقوم الظواهر الثلاث على ضوئها؟
الدكتور الهاشمي: الأصالة
الأدبية التي أنشدها في الأدب وظواهره النقدية، تتضمن أن يصدر الأدب عن عقيدة
الأمة المسلمة اللي تنبثق عنها قيم الإنسان المسلم، وفكره الأصيل، بما يثبت حضور
شخصيتنا الحضارية في النتاج، وصمودنا في وجه التغريب، مع الإفادة من معطيات العصر
بعد صهرها بشخصيتنا المسلمة وإذابتها في معين حضارتنا.
إنها تحديد المنطلق الأصيل متمثلًا
في تصورنا المستقل للوجود ووجهة نظرنا في الحياة، وعدم الذوبان في معطيات الجاهلية
أو الاستجابة لمغرياتها الزائفة، وهذا حق طبيعي تملكه كل أمة تحرص على شخصيتها،
وأما الاتجاه إلى العالمية فإنما ينطلق من رسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام
على خير وجه في رعاية البشرية ورقيها.
قال تعالى:
- ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
(الأنبياء: 107).
- ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا
وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أكثر النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: 28).
وقد نهضنا بهذا الدور العالمي في
عهودنا الزاهرة فكان مناخ رحمة وهداية رفلت فيه البشرية قرونًا، على النقيض مما
يدعو إليه اليوم أصحاب الحداثة المدعاة من عالمية أوروبا التي نشهد إفلاسها
وويلاتها..
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ
لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (سورة
ق: 37).
المجتمع: مع فائق الشكر
للدكتور الهاشمي آملين أن يعينكم الله على تحقيق هدفكم الأسمى في بيان الحق ودحض
أباطيل المبطلين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل