; التغيير.. بين القَدَر الإلهي والإمكان البشري | مجلة المجتمع

العنوان التغيير.. بين القَدَر الإلهي والإمكان البشري

الكاتب ناصر حمدادوش

تاريخ النشر الأربعاء 31-أغسطس-2022

مشاهدات 84

نشر في العدد 2171

نشر في الصفحة 66

الأربعاء 31-أغسطس-2022

انتكاسة «الربيع العربي» جاءت بعد عسكرته ودخول فواعل خارجية على خطِّه لتزيد من حالة اليأس

النُّخب خاضت صراعاً مريراً مع الأنظمة لعقود ولم يكن كافياً للتغيير لأنَّ الشُّعوب كانت متفرجة

التغيير لن يحدث إلا إذا تناغمت إراداته بين النخب والشعب بعد وصول الظلم إلى غالبيته

حتى يتحقق التغيير يجب الأخذ بالأسباب البشرية مع مراعاة السُّنن الإلهية

ناصر حمدادوش

برلماني جزائري سابق

 

ما زِلْنا نعاني من موْجاتٍ عصيَّةٍ على التغيير، ومقاومَةٍ شرسةٍ له، من قِبل أنظمةٍ لها القدرة على التحكُّم والسيطرة، وخاصَّة في ظلِّ غياب القوى التي تضع نفسها في المكان المناسب، عندما تتحرَّك الدَّورات الحضارية وِفْق السُّنن الكونية والاجتماعية.

ويندب البعضُ حظَّه أنَّه جاء في هذا السِّياق التاريخي المعقَّد، وفي ظلِّ هذه الظروف التي أصابت إرادات التغيير بالشَّلل والعجز، ولم تجد إلا الاستقالة الطوعية والعيشَ على هامش الحياة، وفي أحسن الأحوال الاستمرارية في المقاومة السياسية من أجل البقاء، لأنَّ موازين القوَّة ليست في صالحها؛ محلِّياً وإقليمياً ودولياً، وأنَّ عمْر التغيير وكُلْفته قد تتجاوز عُمر الأفراد والجماعات.

وجاءت انتكاسة «الرَّبيع العربي» بعد عسكرته ودخول فواعل خارجية على خطِّه لتزيد من حالة اليأس والإحباط، بعد انتقاله من حالته الاحتجاجية العفوية إلى حالته الثورية المنتظمة، ليستيقظ الجميعُ على حالةٍ من الفوضى والعنف، نزعت عنه الشرعية، وأعطت الأنظمة المستبدَّة مبرِّر البقاء في الحكم بشرعية مكافحة العنف والإرهاب، ومساومة الشعوب بين الأمن والاستقرار والشرعية والديمقراطية.

وبعد أن خاضت النُّخبُ صراعاً مريراً مع الأنظمة لعقودٍ من الزَّمن، ومنها الحركة الإسلامية، فإنَّ ذلك لم يكن كافياً لإحداث التغيير، إذ إنَّ الشُّعوبَ كانت متفرِّجة من بعيد، معتبرة ذلك الصِّراع لا يعنيها، فهو في نظرِها صراع على السُّلطة من أجل حُكم الشَّعب وليس من أجل خدمته.

وهو ما يعني أنَّ التغيير لن يحدث إلا إذا تناغمت إراداتُه بين النُّخب والشَّعب، ولن يكون ذلك إلا إذا وصل الشُّعور بالظلم وخطر الاستبداد إلى غالبية الشَّعب، كما قال عبدالرَّحمن الثعالبي: «فالأمَّة التي لا يشعر كلُّها أو أغلبُها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحرِّية»، وهو ما يدفعنا إلى الحديث عن إمكانية التغيير، وعن تناغم سُننه، بين السُّن الشرعية والسُّنن القدَرية، أو بين القَدَر الإلهي والإمكان البشري.

فمن المشاريع الفكرية العملاقة في الوَحي الإلهي مسألة التغيير، وهو من المصطلحات اللاَّمعة والمثيرة في القرآن الكريم، وهو من المفاهيم المركزية والمحورية فيه، وِفق نسَقٍ مفاهيميٍّ متكامل، كأحدِ أهمِّ المصادر المؤسِّسة للمعرفة والسُّلوك.

وبالرَّغم من التداول العُرفي لهذا المصطلح وفق الوضع اللُّغوي، فإنَّ السِّياق القرآني جعلَ له وَضْعاً شرعياً، وواقعاً دلالياً، فلم يتوقف على الحقيقة اللُّغوية عند العرب، بل تعدَّاها إلى الحقيقة الشرعية عند المُكلَّفين، التي ستكون تكليفاً إلهياً وليس مجرد ترفٍ فكريٍّ وتناولٍ بلاغيٍّ مجرَّد، إذ لا معنى للبناء اللغوي في عالَم الأشياء إنْ لم يتحوَّل إلى بناءٍ شرعيٍّ واقعيٍّ في عالم الأفكار والقيم والسُّلوك بتغيير ما بالأنفس والآفاق، مصداقاً لقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرّعد: 11).

وإنَّ لفظة التغيير تدلُّ على الشُّمول والاستغراق لكلِّ أحوال النَّفس البشرية؛ الإيمانية والفكرية، القولية والفعلية، الخلقية والسُّلوكية، بل وتتجاوز التغيير على مستوى النَّفس -كفرد- إلى التغيير على مستوى القوم؛ أي المجتمع والدولة، وهو ما ينسجم مع واجب الانتقال من الصلاح الفردي إلى الإصلاح الجماعي بإقامة الشَّهادة على الناس، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما جاء في الحديث الشَّريف، عن زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: أَنَهْلك وفينا الصَّالحون؟ قال: «نعم، إذا كثُر الخبث»؛ أي أنَّ الصلاح الفردي لا ينفع مع تعطُّل الإصلاح الجماعي، وهو النَّهي عن المنكر (الخبَث).

وفي حديث خرْق السَّفينة الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه: «.. فإنْ ترَكوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإنْ أخذوا على أيديهم نجُوا ونجُوا جميعاً»، فتصبح القدرةُ على التغيير واجباً، والتكاسل عنه إثماً يستوجب العقوبة، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف، الذي رواه أبو داود في سُننه، في كتاب «الملاحم»، باب الأمر والنَّهي، وهو يستنهض هِمَمَ التغيير والقيام بالواجب تجاهه: «ما مِن قومٍ يُعمل فيهم بالمعاصي، يقْدِرون أن يغيِّروا فلا يغيِّرون، إلاَّ أصابَهم الله بعقاب..»، وقد ورد مصطلح التغيير في الظواهر الحسِّية للخلق، في عالم الأشياء المادية بالمعنى اللغوي الظاهري، في مثل قوله تعالى: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ) (النساء: 119)، وفي قوله تعالى: (فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) (محمد: 15).

كما ورد مصطلح التغيير في عالم القيم والأفكار، في مثل قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الأنفال: 53)، التي تجعل من التغيير وظيفة الإنسان، وأنه بإرادة الإنسان، وأنَّ محوره وساحته هو الإنسان، وما إرادة الله تعالى في ذلك إلا سُنَّة متناغمة مع إرادة الإنسان في نفسه، وأنَّ السُّننَ ناتجةٌ عن فعل الإنسان في ممارسة أقصى طاقته الذِّهنية والعملية، فهي الأثر المتحقِّق من جراء العمل، وأنَّ هذا الخطاب القرآني يؤكِّد هذه الحقيقة الأزلية، التي ترافق المسيرة الإنسانية الوجودية، بأنَّ مفتاح التغيير الأساسي يكون على مستوى النَّفس البشرية، وليس فكرة مُرحَّلة إلى غيره.

وهي نصٌّ على تغييرين؛ أحدهما من الله جلَّ جلاله، والثاني من الإنسان، وأنَّ العلاقة بينهما هي علاقةٌ سُننية سببية متلازمة، كعلاقة المقدِّمة بالنتيجة؛ وهو ما يعني أنَّ هناك سُنناً شرعية متمثِّلة في الأسباب البشرية كمقدِّمات، وسُنناً كونية متمثِّلة في القدَر الإلهي كنتائج، وأنَّ التشريع الرَّباني جاء من أجل المطابقة بينهما حتى يحدث التغيير المنشود، بتلازم السُّنن الشَّرعية مع السُّنن الكونية، مثل ذلك الترتيب السُّنني المنهجي المحكم في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (الأعراف: 96)، فمقدِّمة السُّنن الشرعية بالأخذ بالأسباب اختياراً (الإيمان والتقوى) تترتَّب عنها نتيجة؛ وهي تدخُّل السُّنن الكونية والقدرة الإلهية قهراً، بالفتح عليهم من بركات السَّماء والأرض.

وهو ما يعني الحسم المعرفي القرآني في الثنائيات الجدلية للتغيير؛ بين تغيير الظَّاهر والباطن، وتغيير النَّفس والغير، وتغيير الفكر والفعل، والتغيير النِّسبي والكلِّي، والتغيير الإرادي والقَدَري، بعد أن تركَّزت فاعلية هذه الثنائيات في الإيمان الحي والاقتناع الواعي والاختيار الحر في نظرة الإنسان إلى الله والكون والحياة.

وهو ما يجعل هذا الاقتران بين الإيمان الحق؛ (أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً) (الأنفال: 4)، وبين الفعل الإرادي الحقيقي؛ (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) (النَّجم: 39) قوَّة في صناعة التغيير وتفاعل الإنسان مع الحاضر والحضارة، وهو ما جاء التحذير القرآني من مخالفته في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ {2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصّف)، وهو ما يعبِّر عن الإمكان في إحداث التغيير، وأنَّه سُنَّةٌ كونيةٌ، كما أنه سُنَّةٌ شرعيةٌ مطِّردة وممتدةٌ في الزِّمان والمكان.

الرابط المختصر :