العنوان التفسير السياسي للهجرة النبوية.. خلاصة المحاضرة التي أُلقيت في جمعية المعلمين يوم 29 من ذي الحجة سنة 1398هـ
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1978
مشاهدات 68
نشر في العدد 422
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 05-ديسمبر-1978
إن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن نبيًا فحسب، ولكنه كان أيضًا رئيس دولة، ومن هنا كان له فكره السياسي وتصرفه السياسي.
ولما أخذ رسول الله وأصحابه يلقى من كفار قريش ما يلقى، آمن عليه الصلاة والسلام إنه لا بد من وجود سلطة تحمي الدعوة التي جاء بها من عند الله، واتجهت أنظار رسول الله إلي المدينة المنورة ليقيم عليها السلطة التي تحمي الدعوة بعد دراسة وتمحيص، لأنها أنسب مكان لقيام تلك السلطة فيه.
وأخذ عليه الصلاة والسلام بالاتصال بالوافدين إلي مكة المكرمة من أهل المدينة فحقق مع بعضهم نجاحًا، فأمنوا به، ثم عادوا إلي قومهم في المدينة، وفي العام التالي قدم إلي رسول الله في مكة اثنا عشر رجلًا من أهل المدينة فأمنوا به وبذلوا له البيعة المسماة ببيعة النساء ثم عادوا إلي المدينة المنورة.
وأرسل رسول الله مع هؤلاء العائدين مصعب بن عمير في مهمة سياسية إلي جانب مهمته في الدعوة إلي الله. وهي جمع المعلومات الكافية عن المدينة المنورة وعن أهلها وعن كل شيء فيها، فذهب مصعب بن عمير إلي المدينة وباشر الدعوة فيها.
وأخذ يجمع المعلومات التي أوصاه رسول الله بجمعها، ولما كان العام القادم عاد مصعب إلي رسول الله ومعه ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتين ممن آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام من أهل المدينة، فبذلوا له البيعة على قتال الأبيض والأسود، وحمايته وحماية دعوته من كل سوء.
والحقيقة أن مصعب ما عاد من المدينة المنورة إلي مكة المكرمة إلا ليفضي بالمعلومات التي حصل عليها إلي رسول الله وليضعها بين يديه، ولذلك طلب منه رسول الله أن يلقاه سرًا في جوف الليل – فلقيه، وعندئذ حدثه بما حدثه من أمر المدينة المنورة.
تقدير الموقف:
ومن المعلومات التي حصل عليها رسول الله، ومن المعلومات التي استقاها رسول الله من مصادر أخرى خرج رسول الله بتقدير دقيق للموقف يتلخص بما يلي الوضع الداخلي:
1 - إنه ستوجد في المدينة فئة تناوىء الدعوة والدولة، ولها أسلوبها في الخداع، ولا أمل في اجتذاب هؤلاء إلي الإيمان بالدعوة ولا إلي الولاء للدولة وهي – فئة اليهود.
٢ - كما ستوجد فئة مزقتها الخلافات وهي فئة العرب بأوسها وخزرجها.
٣ - كما ستوجد فئة هي أشد ما تكون ولاءً للدولة وإيمانًا بالدعوة ولكن الفقر خيم عليها وهي فئة المهاجرين.
أما الوضع الخارجي فهو سيكون كما يلي:
1 - لن ترضى قريش بقيام الدولة الإسلامية ولذلك ستقف منها موقف العداء وسيؤيدها في ذلك كثير من القبائل العربية.
2 - لن ترضى كل من الدولتين الفارسية والرومانية بقيام دولة قوية تجاور حدودها ولذلك لا بد من أن تناوئها العداء.
القرار
تجاه هذا الموقف فقد اتخذ رسول الله قرارًا على درجة كبيرة من السرية ومن الخطورة وهو:
1 - تكوين جماعة الحماية في المدينة المنورة، لحماية الهجرة، ثم السلطة والدعوة من أن تجهض في أيامها الأولى.
2 - معالجة الوضع الداخلي بكثير من الحكمة، وخاصة وضع اليهود.
3 - تصفية أوضاع اليهود بوصفهم كتلة سياسية من الجزيرة العربية.
4 - تصفية نفوذ العرب بوصفهم كتلة سياسية.
5 - الصدام مع الروم ثم مع الفرس.
تنفيذ هذا القرار:
قد يكون من السهل على المرء أن يتخذ قرارًا، ولكن الأصعب منه تنفيذ هذا القرار بشكل يضمن النتائج التي يريدها.
وقد استطاع رسول الله تنفيذ هذا القرار مع كل ما يحيط به من صعوبات وأقام دولة الإسلام التي حمت الدعوة وحملت لواء انتشارها.
1 - تشكيل جماعة الحماية:
لما عاد مصعب بن عمير _سفير رسول الله_ من المدينة المنورة - إلي مكة مع جماعة من أهل المدينة طلب أولئك الجماعة بتحريض من مصعب من رسول الله القدوم إلي المدينة والإقامة فيها، فاشترط عليهم رسول الله أن يحموه ويدافعوا عن الدعوة والدولة ولو أدى ذلك إلي حرب الأبيض والأسود فقبلوا.. وأعطوا البيعة على ذلك.
وبذلك يكون رسول الله قد شكل جماعة الحماية من هؤلاء، ومن المهاجرين الذين أمرهم أن يسبقوه إلي المدينة المنورة، لضرب كل تحرك مشبوه تقوم به الجماعات المعادية حين قدوم رسول الله إليها.
٢ - معالجة الوضع الداخلي:
أ - تجميد أوضاع اليهود:
بدأ عليه الصلاة والسلام أول ما بدأ بتجميد اليهود في المدينة بمعاهدة تضمن الأمن والاستقرار في المدينة، وتنص بنودها على ما يلي:
- السيادة في البلاد للشريعة الإسلامية، وتحل جميع الخلافات بينها.
- على اليهود الاشتراك مع المسلمين في الدفاع عن البلاد حين تعرضها لأي اعتداء.
- عدم مغادرة أي فرد منهم المدينة المنورة إلا بإذن من الرسول.
- على اليهود النصح والنصيحة لرسول الله والدولة.
وبهذه المعاهدة استطاع تجميد اليهود ليتفرغ تفرغًا كاملًا لبناء الدولة الإسلامية، وصد الهجمات التي يشنها أعداء الإسلام عليها، والخروج لفرض هيبة وسيطرة الدولة الإسلامية على مناطق من الجزيرة دون أن يستطيع اليهود القيام بقلاقل داخلية ذات تأثير فعال على الدولة.
ب - الإصلاح بين الأوس والخزرج:
وجمع رسول الله بين الأوس والخزرج ووحد كلمتهم تحت لواء الإسلام، ولم يكتف بذلك بل كون منهم مجموعات متكافلة متضامنة فيما بينهما، تؤدي دورها في البناء الجديد للمجتمع الجديد.
ج - حل مشكلة المهاجرين الاقتصادية:
أما مشكلة المهاجرين الاقتصادية _حيث إنهم تركوا أموالهم في مكة وقدموا المدينة فقراء_ فقد حلها عليه الصلاة والسلام حلًا مستندًا إلي جذور العقيدة بفرض الأخوة الإسلامية، فكان الأنصارى يتنازل عن جزء من ماله لأخيه المهاجر، كما كانوا يتوارثون فيما بينهم، وبذلك حلت _إلي حد معقول_ مشكلة المهاجرين.
د – بناء القوة السياسية والعسكرية للدولة:
وتفرغ رسول الله بعد ذلك لبناء القوة السياسية والعسكرية للدولة الإسلامية، والدولة بحاجة إلي أمرين لا يستغنى عن واحد منهما:
الأول: المال، ولذلك كان على الجميع أن يعمل لتوفير المال الذي يتطلبه البناء الجديد.
الثااني: الدفاع عن الدعوة والدولة، ولذلك كان على الجميع _من رجال ونساء_ أن يحارب.
ولما كان عدد المسلمين قليلًا، لا يمكن قسمهم إلى فئة للقتال، وأخرى للإنتاج فقد جعل رسول الله اليد التي تبني الاقتصاد هي بذاتها التي تحمل السلاح عندما يتطلب الأمر ذلك، وكان هذا يفرض عليه أن يدرب جميع أفراد الدولة الإسلامية، ففعل ذلك عليه الصلاة والسلام وحقق شعار «الجيش هو الشعب ».
ه - تصفية خصوم الدولة:
بعد أن تم لرسول الله ما أراد من البناء السياسي والعسكري اتجه إلي تصفية خصوم الدولة الإسلامية، فكان يصفي في كل عام جماعة حسب مخطط دقيق قد وضعه عليه الصلاة والسلام، ولكنه لم يفصح عنه لئلا يفقد فعاليته.
وقد بدأ بتصفية اليهود لأن تصفيتهم تعتبر جزءًا من الإصلاح الداخلي، ولأنهم أخطر أعداء الدولة الإسلامية.
ففي السنة الثالثة من الهجرة صفى رسول الله بني قينقاع.
وفي السنة الرابعة صفىي بني النضير وفي السنة الخامسة صفى بني قريظة.
وف السنة السادسة كان هجومه على بني المصطلق.
وفي السنة السابعة صفى خيبر. وبذلك انتهى من أمر اليهود.
وفي السنة الثامنة من الهجرة التفت إلي تصفية نفوذ العرب المشركين في الجزيرة العربية، فصفى في هذه السنة قريشًا وهوزان ومن أيدهما من قبائل العرب، وبذلك انتهى من أمر العرب، وأصبحت وفود القبائل تأتيه طائعة معلنة إسلامها وولاءها للدولة الإسلامية.
ولم يبق أمام رسول الله إلا الكتلتان الكبيرتان في العالم وهما _فارس والروم_ وقد آن الأوان أن نفتح جبهة القتال معهما. لأنه إن لم نفتح الأن فستختار كلا من الدولتين التوقيت المناسب للانقضاض على الدولة الإسلامية، ولذلك فقد جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة جيشًا وضع فيه كل قوة المسلمين واتجه به نحو تبوك من تخوم بلاد الروم، قاصدًا التحرش بهم، ولكن الروم لم تتورط معه بقتال فعاد عليه الصلاة والسلام بعد أن عقد معاهدات بعض القبائل العربية هناك ضمن بها ولاءها.
وفي السنة العاشرة من الهجرة جهز رسول الله جيشًا لأسامة بن زيد وأمره أن يطأ به أرض الروم. وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركًا مهمة تصفية أعداء الدولة الإسلامية لأصحابه من بعده، فقام بها أصحاب رسول الله خير قيام.
الخلاصة:
إن حادثة الهجرة من مكة المكرمة إلي المدينة المنورة كانت من أهم التحركات السياسية التي قام بها رسول الله لبناء السلطة _الدولة_ التي تحمي الدعوة وتحمل لواءها.