; التقسيم | مجلة المجتمع

العنوان التقسيم

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1983

مشاهدات 57

نشر في العدد 638

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 27-سبتمبر-1983

  • الخطوط الحمراء التي تضعها أمريكا وإسرائيل هي خطوط التقسيم.

  • زعيمة «العالم الحر»!!! لا تريد الحل «الديمقراطي» في لبنان.

  • لماذا شاركت أمريكا في الدفاع عن سوق الغرب ومنعت إسرائيل وصول الدروز للساحل؟

حين وقفت حكومات العالم كله من الكتائبيين ضد فلسطينيين في لبنان حتى استطاعوا إخراجهم من بيروت وجنوب لبنان، ظن الكتائبيون أن العالم كله أو نصفه على الأقل وخاصة القُوَى الصليبية متعددة الجنسيات، بالإضافة إلى قُوَى الصهيونية ستقف إلى جانبهم من أجل بسط سيطرتهم المطلقة على كل لبنان، ولكن حساباتهم هذه المرة أخطأت، ذلك أن حساب المصالح في عالم السياسة أقوى من حساب الصداقة.

وهكذا، فعلى الرغم من أن القوات الإسرائيلية قامت بالدور الرئيسي في مساعدة الكتائبيين ضد الفلسطينيين؛ لأن ذلك يتفق مع مصلحة الإسرائيليين التي تتناقض مع مصلحة الفلسطينيين، إلا إننا نجد إسرائيل هذه المرة لا تقف بجانب الكتائبيين ضد الدروز ومن يقف وراءهم في الوقت الحاضر على الأقل إن لم يكن على المدى البعيد.

ولماذا تقف إسرائيل ضد الدروز الذين لا يطمحون في أكثر من مساواتهم مع الكتائبيين أو العيش آمنين في منطقتهم الدرزية، ثم إن الدروز يخدمون في الجيش الإسرائيلي ضد العرب كما أثبتوا قدرتهم الفائقة في التعامل مع المعتقلين الفلسطينيين في سجون إسرائيل.

  • الدروز داخل اللعبة

ولماذا نذهب بعيدًا.. هل قاوم الدروز اليهود وحاولوا منعهم من دخول منطقتهم؟ أم أن اليهود مرُّوا من باب بيت وليد جنبلاط في المختارة في طريقهم إلى بيروت؟ نحن لا نريد أن ننكأ الجراح، ولكننا نريد أن نسلط الأضواء على مايجري في لبنان الآن حتى لا ينخدع المسلمون أكثر مما انخدعوا.

على أن الدروز يقفون اليوم في معركة مصيرهم هم ضد الكتائبيين الذين ذبحوا ويذبحون المسلمين على الهوية لا يُفَرِّقُونَ بين رجل وامرأة، طفل وشيخ، شعارهم قتل المسلم كائنًا من كان مذنبًا أو غير مذنب، فذلك أمر لا يعنيهم، ولقد طبعوا هذه الشعارات الإجرامية على قمصانهم شأنهم شأن «فرسان المعبد» الذين قدَّموا من أوروبا في الحروب الصليبية لقتل المسلمين في بلاد الشام، والكتائبيون اليوم صليبيون جدد بكل معنى الكلمة.

  • وليد جنبلاط: المساواة أو الحرب

ولذلك فعندما نسمع أن القوات الدرزية استطاعت أن تحرز انتصارات ضد هؤلاء الصليبين الجدد، فإننا نوقن أن القوات الدرزية تنطلق من منطلق مصلحي فقط... وها نحن نسمع تصريحات فظّة وقاسية لوليد جنبلاط ضد الفلسطينيين على الرغم من وقوف قواتهم في كل مرة ضد الكتائب.

  • معارك على أرض لبنان

إن تصريحات جنبلاط المعادية للفلسطينيين والمنهكمة عليهم رغم أنهم الذين دربوا جيشه وسلّحُوه وأوقفوه على قدميه، وجعلوا منه قائدًا عامًّا للقوى الوطنية والتقدمية في لبنان وتصارعوا مع قاتلي والده، حتى سالت دماؤهم ولم يتخلوا عنه، ولم يبيعوه بعون مادي أو معنوي، نجده لقاء خمسة آلاف دولار يقبضها من الذين طلبوا من الفلسطينيين أن ينتحروا، يتهكم على قادتهم الذين (جاءوا متأخرين، من الأبواب الضيقة، متسللين على زورق من مالطا!)

  • وجاء موعد التقسيم

إن هذا التصريح يكشف أبعاد اللعبة كلها.... فبعد أن اطمأنَّ الكبار والصغار أو هكذا تصوروا على أن المقاومة الفلسطينية أصبحت في (خبر كان) جاء دور لبنان لتقسيمه إلى (شطائر): الجنوب لليهود، والشمال والبقاع لسوريا، والجبل للدروز، وبيروت الكبرى والمتن الشمالي للكتائبيين وكل الدلائل تشير إلى هذا.

فقد انسحب الإسرائيليون إلى نهر الأَوْلي وشرعوا هناك في إقامة الحدود «الآمنة» لإسرائيل، وتركوا الصراع بين الدروز المدعومين من سوريا وليبيا يأخذ مداه مع التحذير بأن هناك خطوطًا حمراء لا ينبغي على السوريين تجاوزها، كما لا ينبغي على الفلسطينيين العودة إلى جبال الشوف وعالية حتى لا يشكلوا خطرًا على إسرائيل التى تريد أن تجعل من الكيان الدرزي خطًّا دفاعيًّا أول عن إسرائيل بعد الخط الدفاعي الثاني لدولة سعد حداد في الجنوب.

وأما بسط الهيمنة الكتائبية على كل لبنان فربما كان فيه خطر على إسرائيل من قيام كيان مسيحي جوار إسرائيل ربما يكون أكثر التصاقًا بالغرب، مما يهدد الحظوة الإسرائيلية لدى الغرب بالخطر! ولعل رفض الكتائبيين الخضوع التام لإسرائيل هو الذي حَدَا بإسرائيل إلى أن تنهج هذا المنهج المعادي في الظاهر للكتائب، والمنسجم في الواقع مع مصالح إسرائيل.

وربما كانت أمريكا تميل إلى إنشاء كيان كتائبي يشمل كل لبنان يؤمن لها مصالحها التى ربما تتعارض أحيانًا مع مصالح إسرائيل، ولكنها تصطدم هنا بالمصالح السورية التى ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار بعد أن أثبتت قدرتها على الفعل في الثورة الفلسطينية.

وهكذا يبدو الموقف الأمريكي مترددًا متناقضًا في الظاهر ولكنه يصب في بوتقة واحدة هي تصفية القضية الفلسطينية، وتكريس دول الطوائف في المنطقة وتثبيت الهيمنة الأمريكية الكاملة.

  • أمريكا والحل

يقول ريغان في تصريح أخير له: إن الحل الأمريكي في لبنان يمهد للحل الامريكي لمشكلة الشرق الأوسط. أو بهذا المعنى والحل الامريكي المعلن في لبنان هو بسط الهيمنة الكتائبية على كل لبنان باسم الشرعية وهي تعلم أن مثل هذا الحل مرفوض لدى كافة الفئات الإسلامية في لبنان.

  • أمين الجميل: بسط السيطرة الكتائبية

ولو أرادت الحل فعلا لاستمعت إلى رأي الطرف الآخر (جبهة الخلاص الوطني) التي تنادي بالمشاركة الفعلية في حكم بلدها والمساواة - نعم المساواة- مع الكتائبيين ولكن أمريكا التي لا تطمئن إلى ديمومة أتباعها من حكام المسلمين تريد تثبيت كيان صليبي في نظامة وبنيته يكون رديفًا للكيان اليهودي في فلسطين. هذا الكيان اللبناني الذي سبق لفرنسا أن وضعت نظامه الحالي عام 1943م بعد انهيار الخلافة الإسلامية.

و(العالم الحر) الذي يمارس (الديمقراطية) في بلاده يرفضها في بلاد الآخرين، ولذلك نجد الدول التي أرسلت بقواتها إلى لبنان بدلًا من أن تكون قوات حفظ سلام ووفاق وطني وطائفي تنحاز علنًا إلى طائفة من الطوائف التي اكتسبت شرعيتها الزائفة أول مرة في ظل الاحتلال الفرنسي، ثم اكتسبت شرعيتها الحالية في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وهي بالطبع شرعية زائفة، والدول التي أرسلت قواتها متعددة الجنسيات تعلم ذلك.

ولماذا نطلب الإنصاف والنصرة من هذه الدول التي دعمت الكيان اليهودي في فلسطين وهي تعلم أنه كيان زائف؟ ولكنها المصالح والمخاوف، مصالح الدول الكبرى ومخاوفها من إقامة كيان إسلامي واحد موحد يكشف زيف ديمقراطياتها ويضربها على أصابعها الممدودة إلى جسم الأمة الإسلامية تعمل فيه خرابًا وتدميرًا وافسادًا.

نقول إن أمريكا يمكنها أن تفرض الحل على الكتائب كما يمكنها أن تفرض الحل على اليهود ولكنها لا تريد الوصول إلى الحل لغرض في نفس يعقوب.

  • ساحة القتال

ماذا يجري الآن في ساحة القتال؟ لقد سجل الدروز انتصارات عسكرية في الأسبوع الأخير، فقد نجحوا في إحكام سيطرتهم على محور بحمدون الذي أتاح لهم قطع الطريق على تقدم الجيش من ظهر الوحش، كما أتاح لهم السيطرة على مختلف قُرَى وبلدات قضاء عالية، وفتح لهم طرق الإمدادات لقرى وبلدات قضاء الشوف المعزولة.

وعلى محور خلدة- الدامور حافظ الدروزعلى تفوقهم ومنعوا تمدد الجيش على الطريق الساحلي وصولًا إلى نهر الأوْلي وصعودًا إلى دير القمر وكفر متّي. وعلى محور عالية استطاع الدروز دخول سوق الغرب لولا اشتراك القوات الأمريكية مباشرة في القتال، وبالنسبة لمحور الشوف فقد سيطر الدروز على معظم المناطق والقرى باستثناء دير القمر.

ومازال هناك جيب كتائبي في كفر متّى يشكل تطويق هذا الجيب والحد من خطورته،

وإذا كانت أمريكا قد تدخلت مباشرة لمنع الدروز من الاستيلاء على سوق الغرب فإن إسرائيل تدخلت مباشرة لمنع الدروز من الاستيلاء على الشريط الساحلي ومعنى ذلك أن هناك اتفاقًا أمريكيًّا إسرائيليًّا على خطوط حمراء يجب ألا يتجاوزها الدروز وهي الخطوط التي ترى فيها أمريكا وإسرائيل معالم الحدود المستقبلية للبنان المقسم.

تقول إذاعة إسرائيل في أحد تعليقاتها إننا نستطيع أن نفهم تخوف الدروز على قراهم وأملاكهم وعائلاتهم وأنفسهم ولكننا لا نستطيع أن نجد مبررًا لاحتلالهم لقرية سوق الغرب، ثم إن القوات الإسرائيلية تعدت الحدود التي وضعتها لنفسها حين تقدمت بقواتها لمنع وصول الدروز إلى خلدة والدامور.

وبالرغم من أن جنبلاط يعلن باستمرار أن الفلسطينيين لا يشاركونه القتال وبالرغم من أن قادة المقاومة يعلنون أنهم لا يشاركون في القتال إلا أن كلًّا من أمريكا وإسرائيل تؤكد وقوفها في وجه التقدم الدرزي بحجة عدم وصول الفلسطينيين إلى المناطق التي خرجوا منها.

ومن المعروف أن إسرائيل تستطيع إعادة هيمنتها على جبل الدروز وتجريده من سلاحه وتسليمه للكتائبيين، ولكنها لا تريد ومن المعروف أيضًا أن أمريكا تستطيع أن تحسم الأمر وأن تجد حلًّا معقولًا ولكنها لا تريد، والاتحاد السوفييتي أيضًا يستطيع أن يكون أكثر حزمًا في مواجهة التدخل المباشر للولايات المتحدة ولكنه لا يريد...! والخطوط الحمراء التي رسمت لسوريا أيضًا وطلب منها عدم تجاوزها معروفة جيدًا.

فماذا يمكن أن نستنتج من كل ما تقدم؟

  • معالم التقسيم

إن هناك معالم لخارطة لبنانية جديدة مقسمة إلى أقسام كما أشارت إلى ذلك صحيفة القبس الكويتية وهي:

أولًا: منطقة بيروت الكبرى التي تسيطر عليها حكومة أمين الجميل بدعم من القوات متعددة الجنسية وتضم العاصمة والتلال المحيطة بها والخط الساحلي من خلدة إلى نهر الأولي.

ثانيًا: منطقة الدروز في الشوف وعالية والمتن الأعلى وتضم 42 بلدة وقرية مسيحية تمت السيطرة عليها مؤخرًا.

ثالثًا: دولة سعد حداد الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.

رابعًا: منطقة البقاع والشمال تحت السيطرة السورية الفلسطينية.

خامسًا: منطقة المتن الشمالي وكسروان وجبيل تحت السيطرة الكتائبية.

ونحن في الحقيقة لا نرى فرقًا بين المنطقة الأولى التي تشرف عليها الحكومة اللبنانية وبين المنطقة الخامسة التي يشرف عليها الكتائبيون ونعتبرها منطقة واحدة.

وبذلك فاحتمال تقسيم لبنان إلى مناطق أربعة أمر وارد اعتمادًا على المعطيات الواقعية والعسكرية والسياسية والقوى ذات التأثير على مجريات الأمور في لبنان.

ورغم ذلك فقد تحدُث مفاجآت تقلب كل الموازين، وبناء على ما نرى ونسمع ونتوقع فإننا نضع أيدينا على قلوبنا ونتوجه إلى الله العلي القدير أن يلطف بنا وأن يهدينا الصراط المستقيم وأن يلهمنا القدرة على الفعل لرد الأذى عنا وليس مجرد الانفعال.

الرابط المختصر :