; التكتيك الإسلامي المضاد «١٥» | مجلة المجتمع

العنوان التكتيك الإسلامي المضاد «١٥»

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1987

مشاهدات 58

نشر في العدد 817

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 12-مايو-1987

على صهوة الكلمة

 من المؤسف أن قضية الثقافة والفكر لم تأخذ نصيبها المفترض من الاهتمام في أطر العمل الإسلامي، ففي زحمة التحديات والأخطار التي تحيط بالمسلمين عمومًا، يرى البعض أنه ليس بمستساغ أن نجلس في البعد الخامس من الوجود كيما نتجاذب الأحاديث في النظرية الإسلامية والثقافة والفكر والتحولات التاريخية، وفي رأيي أن هذا البعض يسيء فهم قضية الثقافة والفكر من أساسها، فهي ليست مطارحات نظرية من الممكن الاستعاضة عنها أو تجاهلها، فالقضية أخطر من ذلك بكثير؛ لأن لها انعكاسات خطيرة وسلبية على مسار العمل الإسلامي واتجاهاته، ولا أبالغ إذا قلت بأن معظم الثغرات الخطيرة التي أشرنا إليها في الأسبوعين الفارطين والتي يعاني منها العمل الإسلامي مربوطة بالواقع الثقافي والفكري لإطارات العمل الإسلامي، ولا أبالغ إذا قلت- أيضًا- بأن نقطة البداية الصحيحة لمعالجة تلك الثغرات تكمن في معالجة قضية التخلف الثقافي والفكري في إطارات العمل الإسلامي.

إن الحركة الإسلامية المعاصرة- كغيرها من الحركات المعاصرة- لا تنطلق من فراغ ثقافي وفكري، فالفكر لا ينشأ من فراغ، ولا يؤدي إلى فراغ، ولذا فإن المضمون الثقافي والفكري «المفاهيم والرؤية» ينعكس مباشرة على الأداء والتحرك، وكثيرًا ما يؤدي ضباب الرؤية وعدم الوضوح الفكري إلى معارك جانبية نهدر فيها كثيرًا من الطاقات والأوقات. إذن مطلوب صقل إطارات العمل الإسلامي ثقافيًّا وفكريًّا لكي تتوفر لها الرؤية الموضوعية والواقعية للأوضاع والأشياء، والتي بناءً عليها تترتب الأولويات في كل مرحلة من مراحل العمل لمساندة ونصرة قضية الإسلام في هذا العالم الذي يضج بالحركة والحياة.

 هل من الضروري أن تكون الثقافة الإسلامية- أو ثقافة المسلم المعاصر تحديدًا- ثقافة عقائدية وأحادية وموجهة؟ وهل تقوى هذه الثقافة العقائدية الموجهة أن تحصن المسلم المعاصر، أو بالأحرى تحقق له شيئًا من الأمن الثقافي؟ وبالتالي هل تقوى هذه الثقافة العقائدية الموجهة أن تحافظ على تماسك التيار الإسلامي نفسه، وعلى حيوية تفاعله مع المجتمعات التي نشأ فيها؟

أرى- والله اعلم- أن المسلم المعاصر في حاجة- إضافة لثقافته العقائدية الموجهة- إلى ثقافة موضوعية تتم بالتفتح على معطيات العصر الإيجابية الفكرية والمادية. فالثقافة العقائدية الموجهة باتت- في إطار الغياب الكامل للثقافة الموضوعية- تعزل المسلم المعاصر عن مجرى الحياة، وتسهم في صناعة عقلية الحصار لديه، وهي عقلية كثيرًا ما تؤدي إلى الغلو في الدين، والتشرذم الاجتماعي، بأن الثقافة العقائدية الموجهة وحدها تحقق للمسلم المعاصر الأمن الثقافي الذي يحتاجه في هذا العصر الذي تتلاطم فيه موجات الثقافات المتنافرة والمتباينة، فهو بحاجة لثقافة موضوعية وعصرية تعينه على فهم وتمثل هذا العصر بقضاياه وتياراته ورؤاه، ولا أعتقد بأن الثقافة العقائدية الموجة تقوى على رص التيار الإسلامي ونقله إلى حالة الفعالية الاجتماعية، وإنما الذي يقدر على ذلك الثقافة الموضوعية المشتعلة بقضايا العصر ومجتمعات العصر.

إن فهم القوانين التي تحكم حركة المجتمع والمشاكل التي تواجهه، لا يمكن أن نصل إليه من خلال الثقافة العقائدية الموجهة، بل من خلال الثقافة الموضوعية الحرة وغير المقيدة، وهي ثقافة أجد أن المسلم المعاصر يفتقر إليها في مواجهاته مع الحركات اللا دينية، وعلى رأسها الشيوعية، وهذه ثغرة في التكتيك الإسلامي المضاد لا بد من ردمها.

الرابط المختصر :