العنوان التكتيك الإسلامي المضاد «12»
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1987
مشاهدات 63
نشر في العدد 814
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 21-أبريل-1987
على صهوة الكلمة:
- لا بد قبل البحث في التكتيك الإسلامي المضاد للحركات اللا دينية– وعلى رأسها الحركة الشيوعية العالمية- نقول لا بد قبل الشروع في ذلك من حسم بعض القضايا الجوهرية داخل الحظيرة الإسلامية ذاتها وضمن أطر العمل الإسلامي نفسه. إذ ينبغي الاعتراف بأنه ثمة ثغرات خطيرة للغاية ضمن العمل الإسلامي لا بد من تناولها بالمناقشة الموجزة. وفي تصوري أن هذه الثغرات ستؤثر كثيرًا- وسلبًا- على مستقبل العمل الإسلامي في كل بلاد العالم وسيكون تأثيرها جوهريًا.
- أولى هذه الثغرات هي غياب «النظرية المتكاملة» في السياسة والاقتصادوالاجتماع وباقي مجالات الحياة، فلقد أهمل العمل الإسلامي خلال الأجيال الغابرة شيئًا مهما للغاية في عصرنا الحاضر وهو التأصيل النظري للعقائد والشرائع والاجتهادات، ولقد كان الخطاب الإسلامي- أعني جله- خلال الخمسين سنة السالفة يتناول نظام القيم، ولكن ما نحتاجه الآن- وبشكل ملح- هو تحديدًا نظام للمفاهيم. ونحن نشدد بأنه بدون تحديد علمي وموضوعي للمفاهيم لا يمكن بلورة النظرية المتكاملة المطلوبة اليوم بإلحاح في ساحة العمل الإسلامي. والإسلام- في الأساس- ليس مذهبًا فلسفيًا أو تيارًا ثقافيًّا، إنما هو حركة اجتماعية تستهدف التغيير الاجتماعي نحو الأفضل والأمثل في كل مجالات الحياة؛بمعنى آخر إن للإسلام وظيفة اجتماعية كبيرة ولذا كان لا بد من إيديولوجيا إسلامية أي نظرية إسلامية متكاملة تضع مواصفات التغيير الاجتماعي المطلوب على كافة الصعد أي تفاصيل وحيثيات المشروع الإسلامي في التحول الاجتماعي. إذن ينبغي فرز فريق عمل من الكفاءات الإسلامية التي تزخر بها إطارات العمل الإسلامي للقيام بصياغة أيديولوجيا إسلامية تسهم في توضيح الرؤية الإسلامية المنهجية إذ إن كثيرًا ما يؤدي ضباب الرؤية إلى هدر في الأرواح والدماء والمشتغلون في العمل الإسلامي يدركون طقوس السرية في كلامي.
- ثاني هذه الثغرات هو غياب ظاهرة الحوار ضمن إطارات العمل الإسلامي ومع من هم خارجه،فالحوار وسيلة فعالة لحل كثير من المشاكل التي قد تبدو مستعصية ومنها مشكلة الأيديولوجيا الإسلامية. فالحديث المتكرر عن ضرورة الشورى والتشاور والكتب العديدة التي وضعت عن الحرية الفكرية في الإسلام لا تجد لها صدى ما لم يتمكن العاملون في مجال الدعوة الإسلامية من تأسيس ظاهرة الحوار في منهجية العمل الإسلامي نفسه، في علاقاته الداخلية وفي قلم اتصاله بالخارج الفكري والتنظيمي،لقد أدركت كل الحركات العالمية- بشتى راياتها ومسمياتها- أهمية الحوار ولذا فقد دأبت على عقد المؤتمرات له بغية تحقيق الحد الأدنى من التكامل التصوري «النظري والعملي» بينها ومن يتابع هذه المؤتمرات وما تمخض عنها لا يعوزه الذكاء لإدراك أهمية الحوار كظاهرة سياسية، بل إنسانية عامة.
- ثالث هذه الثغرات هو غياب ظاهرة النقد الذاتي والتقويم الموضوعي والعلمي للأداء الإسلامي في كافة المجالات. ورغم مرور ما لا يقل عن ستين سنة من عمر الحركة الإسلامية المعاصرة فلا نجد في المكتبة الإسلامية المعاصرة كتابًا واحدًا صادرًا من داخل أطر العمل الإسلامي نفسه يتناول هذا الموضوع بالنقد والتقويم الموضوعيين العلميين. بل أزيد فأقول بإن ثمة دوائر وحركات سياسية علمانية ولا دينية قد وظفت جهودًا كبيرة في هذا المجال أكثر بكثير مما وظفه الإسلاميون أنفسهم. هذا الغياب البارز للنقد الذاتي والتقويم الموضوعي للأداء الإسلامي أدى لنزعة التعلق بالأشخاص أكثر من الأفكار وأدى أيضًا إلى نزعة الغلو في الدين وهي نزعة لا تزدهر إلا عندما يغيب الوعي بالتاريخ والفكر ومشكلات الواقع المعاش وهي نزعة ليست من الدين في شيء.
- وفي تصوري أنه لكي يصار إلى بلورة صحيحة للتكتيك الإسلامي المضاد للحركات اللا دينية «وعلى رأسها الشيوعية» لا بد من التصدي أولًا لهذه الثغرات الخطيرة.
الرابط المختصر :