العنوان التلازم بين الهوية والمصطلح
الكاتب علي لاغا
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000
مشاهدات 109
نشر في العدد 1383
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 04-يناير-2000
باحث وأستاذ جامعي- لبنان.
أزمة الهوية والمصطلح مسألة ذات أهمية قصوى في حياة الأمم ومستلزمات بقائها، إذ تتغير هوية الذات تبعًا لما يطرأ على المصطلح والمفردات المعبرة عنها.
فالهوية تضطرد مع المصطلح وتلحق به، لذا فإنه من الأهمية بمكان وجوب التوقف عند تطور صيغ التعبير عن أسس ومنطلقات أي فكر منظم لحياة أمة، وتعظم القضية عندما يتعلق الحديث بالإسلام والوعاء اللغوي الذي يحمله.
الإسلام والإيمان: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ (سورة آل عمران: آية: 19-20)
والإسلام هو المصطلح لدين الله تعالى على الإطلاق ، وليس فقط للشريعة التي نزلت على محمد ﷺ: ﴿حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (سورة الحج: آية: 78).
وآمن: صدِّق، والإيمان «إظهار الخضوع والقبول للشريعة»، وورد فعل آمن ومشتقاتها حوالي ٥٤٠ مرة في القرآن الكريم، وذلك إما لدعوة من لم يسلم بعد، أو الإشارة إلى المصدقين لوحي الله تعالى واستمر هذان المصطلحان طيلة القرون الأولى من صدر الإسلام، فليس في القرآن الكريم ولا في الحديث الشريف ولا عند التابعين مفردة أخرى بديلًا عنها.
ثم وبعد انتشار الإسلام في كل أرجاء العالم المعروف يومها بدأت عملية التفاعل والغزو المتبادل بين المصطلحات، فعرف المسلمون مصطلح العقيدة بديلًا عن «الإيمان»، و«التوحيد»، بعد إهمال «العدل» حيث إن أهل العدل والتوحيد، هم المعتزلة الذين نفوا القدر وعنوا بالتوحيد نفي الصفات القديمة والدفاع عن وحدانية الله عز وجل حصل ذلك كردة فعل على ما طرحه يوحنا الدمشقي في العهد الأموي، بعد أن اشترك المسلمون والنصارى في مناظرات دينية، ودخل مصطلح «القدم» و«الحدوث» الذي استعمله أرسطو الإغريقي وتجلى ذلك بمسألة خلق القرآن التي حملها لبيد بن الأعصم اليهودي إلى المجتمع المسلم كما روى ابن الأثير، وكان لبيد عدوًّا للنبي ﷺ، وكان يقول بخلق التوراة، ثم أخذ ابن أخته طالوت هذه المقالة عنه وصنف في خلق القرآن. وكان طالوت زنديقًا فأفشى الزند. «ابن الأثير ج ۷ص٤٩»، ودخلت مصطلحات كثيرة، بدعوى إثبات وجود الله عز وجل مثل: العرض والجوهر الفرد.. والواجب الوجود والممكن الموجود. وحدثت معركة بين الأصيل والوافد فاستشهد مصطلح «الإيمان» لصالح مجموعة من المفردات التي كانت مستعملة عند غير المسلمين والتي تعني بدراسات غيبية «لاهوتية» انظر: زهدي حسن جار الله، المعتزلة، القاهرة ١٤٤٧م ص٢٠.
وما بعدها كما استشهد المنهج القرآني «الإسلام» الذي هو استسلام ورضا وإيمان إلى المنهج الجدلي العقيم الذي يعتمد على المنطق الأرسطي الذي حاول عبثًا فقهاء المسلمين الأوائل الحيلولة بينه وبين اختراقه جدار المنهج الإسلامي المبني على الحسي والمباشر والخبر الصادق المؤكد بأسانيده، ومن يراقب مسرى حياة المجتمع المسلم عبر التاريخ ويرسم له خطًا بيانيًّا مقابل انتشار المصطلحات الجديدة يراه ينحدر بقدر ما يتعاظم تواجد المصطلحات الغازية.. ما عدا استثنائيات بسيطة حتى يومنا هذا.
- أدخل المسلمون المعاصرون مصطلحات جديدة إلى فكرهم السياسي مثل الثورة التي تعني الاقتلاع الجذري بالقوة والعنف. بينما الإسلام دعوة وتدرج في التبليغ.
مصطلحات معاصرة
إن المشابهة بغير المسلمين وحتى بمنحرفين مسلمين كانوا أو غير مسلمين لها ضوابطها: يقول تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة الحشر: آية: 19) ويقول ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» (رواه أبو داود الحديث:٢٤-٤). وقد أفرد فقهاء المسلمين مجلدات في شأن التشبه في المجالات المعيشية كالملبس والمشرب فكيف في معرض المصطلحات الفكرية، لقد أدخل المسلمون المعاصرون مصطلحات جديدة إلى فكرهم السياسي مثل: الثورة التي تعني الهيج والاقتلاع الجذري بالقوة والعنف، بينما الإسلام دعوة ومنهجه التدرج في التبليغ، وأدخلوا الاشتراكية، وكذا الوطنية، مع أن هذه المفردة ليست معروفة عند العرب والمسلمين، وإلا لما ترك أبناء مكة المكرمة بيت الله الحرام، بعد أن تبلغوا دعوة الله عز وجل، ويمموا وجوههم شطر المشرق والمغرب، يحملون «لا إله إلا الله محمد رسول الله» إلى العالم المعروف فكانت قبورهم حيث انتهوا في قبرص، وتركيا وسيبيريا، وأسيا، وعلى مشارف باريس، إن الانتماء للإيمان وليس للأرض، وهذا لا يعنى إطلاقًا عدم محبة الأوطان، فمحمد ﷺ يوم هاجر من مكة إلى يثرب التفت وقال: «إنكِ أحب بلاد الله إليَّ ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت».
الديمقراطية
هذا المصطلح الذي بدا للكثيرين كأنه وسيلة خلاص، ليس آخر خيوط العنكبوت، لكنه اليوم يمثل الشعار البراق اللامع.
في ١٨٦٧م وضع خير الدين التونسي كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» وحض فيه على الاقتباس من الفكر السياسي الأوروبي بحجة أن ذلك أخذ من المسلمين ومن حقهم أن يستعيدوه «فإن الأمر إذا كان صادرًا من غيرنا كان صوابًا موافقًا للأدلة، لا سيما إذا كنا عليه وأخذ من أيدينا، فلا وجه لإنكاره وإهماله، بل الواجب الحرص على استرجاعه واستعماله».
وحشد كثيرًا من الأدلة مثل الإفادة من خبرات سلمان -رضي الله عنه- في حفر الخندق واستعمال المنطق، ويخلص التونسي «فأي مانع لنا اليوم من أخذ بعض المعارف التي نرى أنفسنا محتاجين إليها غاية الاحتياج في دفع المكائد وجلب الفوائد؟» وفي مجلة المجتمع العدد ۱۳۷۱ ص: ٣٩، يقول الشيخ راشد الغنوشي بين الشورى والديمقراطية: «أمكن للغرب الذي ورث المدنية الإسلامية أن يحقق نجاحات باهرة في تنظيم شورانا وتحويلها فعلًا إلى أنظمة للإدارة والحكم، جسدت سلطة الشعب»، ويستغرب الغنوشي ردة فعل المسلمين، أو قلة منهم، الذين «بدل أن يحمدوا ذلك معلنين: هذه بضاعتنا ردت إلينا، تراهم قد استوحشوا تلك الآليات المنظمة للشورى معلنين الحرب على الديمقراطية.
إن الأمر ليس في هذه البساطة، إن كلمة «ديمقراطية»، رفعت في وجه الأباطرة والملوك الذين كانوا يدعون الألوهية أو الحكم بإرادة الله. وعمل يومها المفكرون الغربيون أمثال لوك، وروسو، ومنتسكيو، وغيرهم لجعل الشعب مصدر السلطة.
هذا هو معنى الديمقراطية ومبرر وجودها، أما مسألة التنظيمات الاجتماعية وطرق الانتخاب والضمان الاجتماعي وحرية الكلمة، فهذه أمور أخرى.
إن النظم السياسية في الغرب ليست هي الشورى، ومجرد التقاء جوانب معينة لا يعني التطابق، فالحرية عندهم ليست هي الحرية التي تضمنها الشريعة الإسلامية، والضمان الاجتماعي خاص بمن يحمل الجنسية عندهم، بينما هو في الشريعة الإسلامية لكل إنسان يعيش في منطقة سيادة الدولة الإسلامية ولو كان عابر سبيل، والمجالس الشعبية في الديمقراطية الغربية من حقها أن تشرع ما تشاء ولو في إباحة الشذوذ بينما ذلك محدود بسقف الشريعة الإسلامية في مجالس الشورى، وفي الديمقراطية تكفي العددية بينما الشورى تشترط الأهلية.
صحيح أن الشورى لم تكمل طريقها وتتطور في الدولة الإسلامية، لكن ليس إلى حد الفشل كما ورد في مقال الشيخ الغنوشي.
إن المجلس الذي انعقد عقب استشهاد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- تجلت فيه أكمل صور أساليب الاختيار. إن النظام الديمقراطي، مبدئيًا يجيز قرارًا صوت عليه ١٠٠مجنون مقابل ۹۹عالمًا من علماء المجتمع، لذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الغربية لا تعطي الحرية مطلقة للأعداد الشعبية، بل وضعت لها ضوابط تحول دون سيطرة الغوغاء والعوام.
عن أي نظام حكم يتحدث بعض الإصلاحيين اليوم؟ هل منعت الديمقراطية اغتصاب فلسطين؟
ما الحقوق التي تمنحها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وغيرها لملايين المسلمين الذين يعيشون في تلك الدول وهم منها؟ إن الديمقراطية لا تتورع عن افتعال أزمة لمجرد أن فتاة وضعت حجابًا على رأسها، إن تلك الديمقراطية تتقبل أن يعاشر الرجل ما استطاع من النساء يوميًّا، لكنها تحرم أن يتزوج امرأة ثانية زواجًا معترفًا به.
هل بمقدور كل الدول الديمقراطية أن تصدر قرارًا واحدًا شبيهًا بما فعله قاض عجوز عندما أرسله الخليفة عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- للتحقق من شكوى أهالي سمرقند ضد قتيبة وجيشه، لقد حكم بخروج الجيش الفاتح من المدينة لأن قتيبة بن مسلم دخلها دون تخيير أهلها بالإسلام أو العهد أو الحرب.
يجب أن نفيد من التجارب ونختصر المعاناة لتشخيص المرض وتحديد العلاج، وما فعله الإصلاحيون من على أرض منتدى الأحرار في مصر في ظل الحكم البريطاني ضد الدولة العثمانية بغية إصلاحها وما آلت إليه النتائج أمر يجب الاتعاظ به، واليوم نرى بريطانيا وغيرها يتعاملون مع الذئب والحمل في آن معًا.. أو مع الخصمين في وقت واحد. إن هذه الدول الديمقراطية تحتضن المعارضة في العراق وتضمن بقاء الحكومة قائمة.
إن المسألة أعمق من مصطلحات تطلق وأحلام تدغدغ المشاعر، نحن أمة مغلوبة والمنتصرون لديهم من الإمكانات ما يساعدهم على استمرار احتلالهم، والسذاجة في التعامل معهم هي إحدى مبررات بقائهم محتلين لبلادنا ولنمط التفكير عندنا، وعلى الرغم من كل ذلك فإن الثبات على الحال محال غير أن التغيير يستوجب التعمق في فهم السنن والتعامل معها، إن على الإصلاحيين أن يقدموا مقترحات مجدية آخذين بعين الاعتبار «أن سباق الحضارات مستمر دون هوادة والرابح هو الذي يسعى بكفاءة وفاعلية وصبر أكثر كي يحرز مرتبة الإتقان والإحسان والتفوق النوعي»، فإن قانون تداول الحضارات لا يكون إلا بتغيير ما بأنفسنا»، وإن «سبعة قرون من التدهور تلزمها ٧٠ سنة للإصلاح».
ثم بعد ذلك كيف يدعو البعض للاندماج أو تبني منهج حضارة نظن يقينًا أنها ستنهار؟ ومجرد وجودها في القمة هو نقض لوجودنا ونحن وإياها في منافسة؟ لم كل هذا الإعجاب بها مع أن من ثمارها بروز عوامل انحطاط تنخر من الداخل على الرغم ما تظهره تلك الدول من قوة واستعلاء؟ ماذا سيحدث إذا انهارت الحضارة الغربية بعد ربع قرن كما سبقتها الشيوعية؟ ومن سيكون الوارث الفعلي للحضارة الإنسانية.
إن الأمر أخطر وأعمق، وأصحاب الديمقراطية هم وراء كل ما يرتكب من مظالم في عالمنا الإسلامي، وليس هذا القول محاولة إسقاط أو لوم للآخر، إنهم يعملون لمصالح شعوبهم كما يتصورون، ونحن علينا أن نفتش عما يغير واقعنا ويخرجنا من دائرة حلبة سيطرتهم المتوحشة وليس في هذا الوصف مبالغة، فإلى مزيد من استعادة وعي الذات والانكباب على صنع الترياق الشافي والمعافي إن شاء الله تعالى، وعند ذلك سيفرح المؤمنون بنصر الله وتتخلص البشرية من شراهة وعبثية من لا يرعون فيهم إلًّا ولا ذمة.
الفن الإسلامي بين الفقه والممارسة
تعقيب من مؤسسة سنا
عجبنا وفوجئنا، مما قرأنا في مجلة المجتمع العدد ۱۳۸۱ الصفحة ٥٠ من كلام يحمل نقدًا صريحًا لأحد الأعمال التي قدمتها المؤسسة في سلسلة دوحة النشيد، وهو فيديو الطفل والبحر، ومبعث العجب والمفاجأة أمران:
الأول: أننا لم نتعود أن نقرأ على صفحات المجتمع إلا كل ما هو ثمين رصين.
الثاني: أن المقال لم يتعرض لمسألة شرعية حسب الأدب النبوي الكريم: ما بال أقوام.. ثم يشير إلى بعض السلبيات والهنات في بعض الأعمال المنشورة على الناس.
ونحن لن نرد على كاتب المقال وإنما نحب أن نشير -بالمناسبة- إلى أن المؤسسة قامت لسد ثغرة من بين ألوف الثغرات في ميدان الفن الهادف، ومن الأعمال التي قدمتها:
- ثلاثون شريطًا لفضيلة الشيخ علي الطنطاوي -يرحمه الله-.
- ألبوم كاسيت بعنوان «نزهات في رياض الصالحين» وهو قراءة مختصرة لكتاب رياض الصالحين للإمام النووي.
- والذين اهتدوا «مقابلات مع بعض العائدين إلى الله من أهل الفن».
- سلسلة دوحة النشيد وتضم أشرطة: الطفل والبحر: نشيد المستقبل.
- سلسلة أناشيد للحياة وتضم أشرطة: جئناك قلوب الناس، كن معي أقدار، أعراس، أسق العطاش.
- الوقت والنجاح.
وقد لقيت هذه الأعمال بفضل الله من ثناء أهل العلم والعقل والفضل، ومن قبول لدى عامة المسلمين وخاصتهم فوق ما كنا نأمل، وأكثر مما كنا نطمح إليه، وذلك من فضل الله، فله وحده الحمد والمنة.
وكلمة أخيرة: فإننا على يقين أنه ما من عمل بشري معصوم من الخطأ والزلل والهفوات ونحن ما نزال في أول الطريق نحاول، ونجتهد ونتعلم ونسترشد بأهل العلم ممن نثق بدينهم وعقلهم وفقههم، ونفيد من نقد الآخرين، حين يكون نقدًا عاقلًا بصيرًا بزمانه متأدبًا بأدب الشرع.