; التلفزيون وقضايا المجتمعات العربية.. لماذا تُتهم التلفزيونات العربية؟ | مجلة المجتمع

العنوان التلفزيون وقضايا المجتمعات العربية.. لماذا تُتهم التلفزيونات العربية؟

الكاتب المهدي المغربي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

مشاهدات 66

نشر في العدد 892

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

ونحن على أعتاب عصر تلفزيوني جديد يتم فيه التقاط البث التلفزيوني مباشرة من الأقمار الصناعية، بحيث يرجح أن نكون فيه هدفًا لغزو إعلامي تلفزيوني لا نستطيع له ردًّا، فلا بد أن نلقي نظرة فاحصة على ما تقدمه تلفزيوناتنا موجهين الانتباه إلى الجوانب السلبية التي تخل برسالة التلفزيون الإعلامية والتثقيفية في بلداننا، وليس ذلك انتفاضًا من الجهد الكبير الذي يقوم به القائمون على التلفزيونات العربية ولا انتقامًا من الخطوات التي حققتها تلك التلفزيونات، وإنما من باب النقد البناء لتجاوز الحالة الراهنة لما هو أفضل، ومن باب إثارة التساؤل لدى المشاهد حتى لا يبقى مستهلكًا سلبيًّا للمادة التلفزية التي تقدم له عبر الشاشة الصغيرة، ولا بد أن نشير هنا إلى إنه في غياب الدراسات العلمية لمضامين البرامج التلفزية وندرة الإحصائيات الموثوق بها عما تقدمه التلفزيونات العربية من برامج ناجحة أو فاشلة ونسبة المشاهدين لتلك البرامج، فإنه يصعب إصدار الأحكام وتقرير الحقائق التي لا جدال فيها.

التلفزيون أداة سياسية موجهة

التلفزيون في البلدان العربية والإسلامية كما هو الشأن في كل دول العالم الثالث تقريبًا هو ملك للدولة وموجه من طرف الحكومات، فهو ليس مؤسسة حرة مثلما هو الشأن في أمريكا أو في أوروبا، ونظرًا لخطورة الدور الذي يلعبه وتأثيره الكبير على الجماهير وفي صياغة وجدان الشعب، فإن هذه الوسيلة الإعلامية تستغل في الدعاية للتوجهات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها للحزب الحاكم أو السلطة القائمة، فالحزب الحاكم أو الجهة الحاكمة تحاول من خلال الجهاز ترسيخ أطروحاتها في أذهان الناس والدفاع عن توجهها ليس من خلال البرامج السياسية فحسب، بل من خلال كل ما يذاع ويعرض، وأوضح دليل على ذلك أنه عندما يتغير الحكم في بلد من بلداننا تتغير لغة الخطاب التلفزي وتتغير كل البرامج التلفزيونية بما يخدم التوجهات الجديدة، وكأن كل ما قيل وما غني وما مثل من قبل لم يكن.

ولو عدنا إلى العهد الساداتي في مصر لرأينا التلفزيون المصري آنذاك ومن خلال معظم برامجه سواء كانت نشرات الأخبار أو الأغاني أو المسلسلات الدرامية أو الندوات الفكرية تمدح سياسة الانفتاح السياسي والاقتصادي، وتدافع عن معاهدة كامب ديفيد وترحب باستعادة سيناء وكأن مصر حققت بذلك الحل المنشود لمشكلة الشرق الأوسط.

من جهة أخرى انصبت الانتقادات على السياسة الاشتراكية التي كان يتبعها جمال عبد الناصر من قبل وتوالت الهجومات حتى على ما يعتبره البعض إنجازات ناصرية، وتنوسيت الأغاني التي كانت تمجد الناصرية والاشتراكية واستبدلت بالأغاني التي تمجد الانفتاح، وعلى نفس المنوال نسجت الأفلام والمسلسلات. 

وفي تونس وليس بالعهد من قدم تغيرت برامج التلفزيون بمجرد إحالة الرئيس بورقيبة على المعاش، فحذفت كل الفقرات التي كانت تمجد شخصه وسياسته وارتفع صوت المؤذن من خلال الشاشة الصغيرة بعد غياب طويل، وعرضت بعض البرامج التلفزية الليبية على الشاشة التونسية بعد أن كانت محرمة من قبل.

إن هذا التوجه الإعلامي المقصود للتلفزيون يسهم في تخدير المشاهدين بإظهار جانب واحد من القضايا والموضوعات وحجب الجوانب الأخرى منها، ولكن هذه التخدير لا يدوم مفعوله طويلًا خاصة لدى الطبقة المثقفة الواعية التي لها إمكانية استقاء المعلومات بطرق أخرى ومن خلال وسائل أخرى وسرعان ما تسقط الشعارات. ويجد الحزب الحاكم أو الجهة الحاكمة نفسها مجبرة في كثير من الأحيان على تغيير سياستها الإعلامية التلفزيونية. إن هذه المشكلة تعود أصلًا إلى غياب الحريات وانعدام الديمقراطية والتعسف على الرأس الآخر، ونلاحظ ذلك من عدم تمكين الأحزاب غير الحاكمة من منبر التلفزيون ومن عدم تشريكها في صياغة السياسية الإعلامية والتوجه الإعلامي التلفزيوني بالخصوص، وحتى أثناء الحملات الانتخابية فإن الأحزاب المعارضة لا تحظى إلا بدقائق معدودة في حين يستغل الحزب الحاكم التلفزيون على مدار السنة.

ما يعرضه التلفزيون لا يتطابق مع الواقع 

المجتمعات العربية عمومًا مجتمعات شابة، وتبلغ نسبة الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة في بعض الدول العربية 50% كما هو الشأن في الجزائر أو في مصر، ومن جهة ثانية فإن غالب مجتمعاتنا العربية هي مجتمعات ريفية وليست حضرية، ولكن البرامج التلفزية العربية تناقض هذه الحقائق وبالتالي تهمل إلى حد كبير البرامج التربوية والتكوينية للشباب، وإن هي اهتمت بذلك ففي نطاق الرياضة والرياضة الجماعية بالخصوص، كما أنها تهمل جانبًا كبيرًا من مشكلات الريفيين ولا تضعها في إطارها الحقيقي.

تقول دراسة مصرية قام بها الدكتور محمد سيد طالب بكلية الإعلام على عينة من المسلسلات المذاعة بأن المجتمع الحضري «المصري» قد شغل 80% من المسلسلات خلال العشرين سنة من 1965 إلى 1985، وإن 20% فقط ظهر فيه المجتمع الريفي وهو ما يوضح إهمالًا كبيرًا للريف المصري وواقعه ومشكلاته، ويزيد من إلقاء الضوء على المجتمع الحضري، وهذا ما أدى إلى هجرة الفلاحين في الأراضي الزراعية إلى المدينة. وفي التركيز على المدن والعواصم تغييب لمشكل أساسي من مشكلاتنا، وهو مشكل النزوح وإهمال الأرض وما يترتب على ذلك من مشكلات اجتماعية واقتصادية.

ومن جهة أخرى فإن ما تعرضه التلفزيونات العربية من مسلسلات -المصرية منها بالذات- لا يتطابق مع أماني المجتمع، فشكل المنازل والسقف التي تظهر في بعض المسلسلات بما تشتمل عليه من مفروشات وديكورات وتحف ثمينة لا تتماشى مع واقع الأسر المصرية ومستواها، حتى تلك التي تُعد مرفهة، ولا ندري لماذا يعمد المخرجون لذلك، أهو استغفال للمشاهد المصري أو للمشاهد العربي خارج مصر!

المادة التلفزيونية نصفها أجنبي وهي لا تلائم مجتمعاتنا 

ما زالت التلفزيونات العربية بما فيها تلفزيون مصر تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المادة التلفزية المستوردة لتغطية فترات الإرسال، وأمريكا هي أكثر الدول الأجنبية تصديرًا للبرامج التلفزيونية لدول المشرق العربي، في حين تحتل فرنسا المكان الأول في تصدير البرامج التلفزيونية لدول المغرب العربي، وقد جاء في دارسة لما قدمته تلفزيونات دول الخليج خلال سنوات 1979- 1980- 1981  أن متوسط البرامج المحلية لم يتجاوز 40.7% وإن البرامج الأمريكية بلغت 81.62% من نسبة البرامج الأجنبية المستوردة وأن نسبة البرامج المستوردة من البلاد العربية لا يتعدى 14.22% وتأتي جمهورية مصر في مقدمة الدول العربية من حيث تصدير البرامج والمسلسلات التلفزيونية، وهذا لا ينفي أن التلفزيون المصرى ما زال هو الآخر يعتمد على نسبة هامة من الأفلام والمسلسلات الأجنبية. ويقول الدكتور عدلي رضا المدرس في أطروحة قدمها عن التلفزيون المصري: «إن ما يقدم فكريًّا ومن خلال دراما المسلسلات يجعلنا تحت سيطرة الغزو الفكري، حيث إن أغلب ما يتقدم هو أعمال أمريكية في قالب مصري». ويقول بخصوص الاستيراد: «تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة الدول التي تعتمد عليها مصر في استيراد الأفلام والمسلسلات، حيث تبلغ نسبتها 77.92% من حجم المستورد».

ولا يخفي علينا كمشاهدين ومستهلكين لهذه المادة التلفزيونية المستوردة الفرق الكبير بين ما تطرحه تلك المادة وما تدور حوله من موضوعات وما يعاني منه الناس في مجتمعاتنا من مشكلات، والأدهى من ذلك أن تلك المادة وخاصة منها الأفلام والمسلسلات تعمل على مسخِنا فكريًّا وثقافيًّا وعقائديًّا وتسيء إلى قيمنا وديننا، وتساهم إلى حد كبير في تغريبنا لأن أي عمل فني تلفزيوني ليس بريئًا، بل يحمل في شكله ومضمونه رؤية معينة وفلسفة معينة ويرمي إلى أهداف ظاهرة وخفية، فالمسلسلات الأمريكية مثلا تركز على تفوق الرجل الأمريكي وتظهر في صورة سيئة الشعوب الاخرى بما فيها الشعوب العربية والإسلامية، كذلك فإن إطار هذه المسلسلات والأفلام المستوردة من أمريكا بما يظهر فيها من سيارات فارهة وترف وبذخ وتقدم علمي وتقني يعمل على إحباط المشاهد العربي خاصة في الدول العريبة الفقيرة، ويغرس فيه عقد النقص تجاه التقدم الذي أحرزته أمريكا والدول الغربية، لكن الذي يؤسف له أن معظم الأفلام والمسلسلات العربية هي الأخرى لا تسد نقصًا ولا تدفع غزوًا فكريًّا، بل تسهم أحيانا في انحطاط الشباب وتشويه عقولهم، حيث تجنح إلى الترفيه الرخيص أكثر مما تميل إلى التثقيف ورفع مستوى المشاهد عمومًا، فالكثير من التمثيليات تهريج في تهريج والكثير من الأفلام صعلكة وعنف ومغامرات رخيصة، فلا غرابة أن يتهم بعض المثقفين العرب مثل الدكتور رجاء عيد الثقافة التلفزيونية بنشر التخلف، وأن يقول الأديب يوسف القعيد متحدثًا عن التلفزيون المصري: «إنه يغيب الوعي.. وهو في النهاية مناخ غير صحي يتحول فيه رجل الشارع إلى كائن مسلوب الوعي ويساويه بباقي كائنات الأرض الأخرى، ومعنى هذا أنه يسلبه إنسانيته».

مشكلة العنف تهيمن على الشاشة الصغيرة

ولو استقرأنا المشكلات التي تطرحها الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والدراسات التي كتبت عنها، لعرفنا أن مشكلة الجريمة والعنف تحتل المرتبة الثالثة وتأتي قبل المشكلات الاقتصادية والتعليمية والسياسية، ولا يخفى أن الأحداث يتأثرون بمشاهد العنف والإجرام التي يشاهدونها على الشاشة ويحاول بعضهم تقليدها. يقول الدكتور صفوت العالم أستاذ العلاقات العامة والإعلان في كلية الإعلام بالقاهرة: «إن هذا التأثير يتم عادة نتيجة للعديد من الاعتبارات، أهمها حالة المحاكاة أو التقليد التي يصاب بها المشاهد عند مشاهدته للبرامج والمسلسلات والمنوعات، فضلًا عن أن نسبة غير قليلة من الممثلين والمذيعين أصبحوا يمثلون قادة رأي الجمهور العادي، مما يزيد في عملية التقليد والمحاكاة والاستهواء بالسلوكيات».

وهنا يحق لنا أن نتساءل: لماذا يحتفي التلفزيون في بلادنا بطبقة الفنانين والممثلين أكثر مما يحتفي بالعلماء والمثقفين ورجال الفكر، حتى يصل الأمر إلى اعتبار هؤلاء الممثلين بغثّهم وسمينهم قادة رأي وفكر؟

وخلاصة القول إن التلفزيون يُعد من أخطر الأدوات الإعلامية الجماهيرية، وعندما تسيطر السلطات أو الأحزاب الحاكمة في دول العالم الثالث على هذه الأداة سيطرة كاملة فإنها تصبح أداة قهر قد تضر أكثر مما تنفع، لأنها تخدم توجهات ومصالح معينة. ولكي يقوم التلفزيون بواجبه في التوعية والتثقيف وبالتالي في الإنماء، لا بد أن يدار إدارة تشارك فيها كل القوى والاتجاهات الفكرية والفنية والسياسية والاجتماعية، وعندئذ لا بد أن ترقى تلفزيوناتنا إلى المكانة التي تليق بها وتصبح أدوات إبداع وتطوير وتغيير.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 601

88

الثلاثاء 28-ديسمبر-1982

ثقافة- (عدد 601)

نشر في العدد 618

64

الثلاثاء 26-أبريل-1983

رسائل