; التلقيح الصناعي.. أفرز في المجتمعات الحديثة قضايا أخلاقية | مجلة المجتمع

العنوان التلقيح الصناعي.. أفرز في المجتمعات الحديثة قضايا أخلاقية

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1987

مشاهدات 77

نشر في العدد 810

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 24-مارس-1987

إن عدم الخصوبة والعقم يشكلان مشكلة طبية في مختلف مناطق العالم؛ فقد قدرت منظمة الصحة العالمية أن ما بين خمسة وعشرة بالمائة من الأزواج في سن الخصوبة يعانون من عدم الخصوبة INFERTILITY والعقم STERILITY، وفي الولايات المتحدة كان واحد من كل عشرة في سن الخصوبة يعاني من عدم الخصوبة والعقم عام 1976، وفي عام 1984 كان واحد من كل ستة يعاني من عدم الخصوبة والعقم، وفي خلال العشرين عامًا الماضية بلغت الزيادة في عدم الخصوبة والعقم في الولايات المتحدة نسبة 300 بالمئة (1-4).

ويرجح الباحثون هذه الزيادة إلى انتشار الأمراض الجنسية بسبب انتشار الإباحية والممارسات الجنسية الشاذة (250 مليون حالة سیلان «جونوریا» سنويًا في العالم، وحوالي ضعف ذلك من الكلاميديا في الولايات المتحدة، 50% من حالات انسداد الأنابيب بسبب الكلاميديا، و25% بسبب السيلان «الجونوريا»، وخمسين مليون حالة زهري أولى وثانوي في كل عام) وبسبب انتشار الإجهاض المحدث INDUCED ABORTION، الذي كان يسمى الإجهاض الجنائي CRIMINAL ABORTION، حيث بلغ عدد حالات الإجهاض المحدث عام 1984 خمسين مليون حالة أكثر من نصفها فيما يسمى العالم الثالث، وبسبب انتشار اللولب I. U. D لمنع الحمل حيث تستعمله مئات الملايين من النساء في العالم (5-8).

 وبسبب الوطء في المحيض الذي يسبب انتباذ بطانة الرحمENDOMETERIOSIS (1)، لهذا كله فإن أية وسيلة لعلاج عدم الخصوبة والعقم تلقى ترحيبًا لدى الدوائر الطبية والجمهور.

ومنذ عام 1978 عندما تمت ولادة لويزا براون أول طفلة أنبوب في العالم، وحتى عام 1984 تم ميلاد ألف طفل بهذه الطريقة، منهم 56 توائم ثنائية، وثمانية ثلاثية، واثنان رباعية.

وفي عام 1986 كان عدد أطفال الأنابيب قد تجاوز ثلاثة آلاف طفل، وانتشرت مراكز التلقيح الاصطناعي الخارجي في مختلف أرجاء العالم، منها 125 مركزًا في الولايات المتحدة، ومركزين في مدينة جدة، وآخر في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية. (2)

وقد تم بالفعل ولادة امرأتين سعوديتين بهذه الطريقة، إحداهما لقحت في بريطانيا والأخرى في جدة، وهناك أكثر من عشرين امرأة في المملكة العربية السعودية حامل حاليًا، كلهن تم تلقيحهن بهذه الطريقة.

ومنذ فترة الستينيات من القرن العشرين انتشر استخدام التلقيح الاصطناعي (الداخلي A. I)، ومنذ السبعينيات انتشرت بنوك المني في كثير من مناطق العالم وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، ومنذ ذلك الحين ظهرت طرق جديدة للتناسل غير الطريقة الطبيعية التي جعلها الله من اتصال الذكر بالأنثى، وقد بلغت هذه الطرق أكثر من 16 طريقة كلها مغايرة للفطرة.

وبما أن الإسلام لا يقبل طريقًا للتناسل سوى طريق الزواج، فقد أفتى علماء الإسلام الأجلاء بأن أية وسيلة للتناسل يستخدم فيها طرف ثالث هي لاغية وباطلة ومحرمة شرعًا وموجبة للتعزير لكل من يشترك فيها.

ونقصد باستخدام طرف ثالث استخدام منى رجل آخر أو بويضة امرأة أخرى، أو أن تحمل اللقيحة امرأة أخرى (رحم مستأجر MOTHER SURROGATE) أو أن تزرع خصية في رجل أو مبيض في امرأة.

ولابد لحصول التناسل أن يتم في إطار الزوجية، أثناء قيام عقد الزوجية، فإذا انتهى هذا العقد بموت أو طلاق انتهت عدته أو طلاق بائن فلا يجوز أن يتم التناسل بين هذين الشخصين مهما كانت الأعذار والدوافع.

لهذا فإن معظم المشاكل الأخلاقية الناتجة عن استخدام التلقيح الصناعي بنوعيه الداخلي والخارجي، والتي شغلت الأطباء والقانونيين ورجال اللاهوت ورجال الإعلام في الغرب لا ينبغي أن تقوم في البلاد التي تلتزم بالشريعة الإسلامية.

ذلك لأن استخدام التلقيح الصناعي الخارجي والداخلي بكافة طرقهما المتعددة مرفوضة في الإسلام ما عدا في حالة واحدة فقط هي أن يتم التلقيح بين ماء الزوج وبويضة زوجته في حال قيام عقد الزوجية.

ومع هذا فهناك مشاكل أخرى قامت وستقوم رغم هذا التحديد الصارم للحالات المسموح بها وهي كالتالي:

1- التلقيح الاصطناعي الخارجي باهظ التكاليف (ما بين أربعة إلى ستة آلاف دولار)، وبما أن معظم دول العالم تعاني من أزمات اقتصادية بما في ذلك الدول المتقدمة، فإن هذه التكاليف الباهظة لا تستطيع أن تقوم بها الحكومات وخاصة في العالم الثالث حيث المشاكل الصحية الضخمة والخطيرة توجب تحويل المبالغ القليلة إلى ما هو أهم وأجدى وأنفع.

2- نسبة نجاح التلقيح الاصطناعي لا تزال منخفضة (30 بالمئة في أحسن المراكز العالمية، بينما لم تحقق بعض المراكز سوى نسبة ضئيلة من النجاح).

3- احتمال حدوث خطأ في المختبر بحيث يوضع مني فلان مع غير زوجته.

4- مع عدم وجود الرقابة الصارمة وخاصة في البلاد النامية، هناك احتمال كبير بأن عامل الربح سيدفع من لا خلاق له باستخدام المني الجاهز من البنك أو من شخص آخر لتلقيح امرأة عقيم وزوجها يعاني من ندرة الحيوانات المنوية أو حتى غيابها الكلي AZOSPERMIA.

5- يقوم الأطباء بتنبيه المبيض لإفراز عدد من البويضات قد تصل إلى 12 بويضة أو أكثر، فإذا قام الطبيب بتلقيحها أدى ذلك إلى وجود فائض من البويضات الملقحة، وهذا الفائض من البويضات الملقحة إما أن يعاد إلى رحم المرأة وهذا يؤدي إلى الإجهاض المبكر، وإذا نجح يؤدي إلى الحمل المتعدد.. وكلما زاد عدد الأجنة في رحم المرأة كلما زادت الخطورة على حياة المرأة وحياة الأجنة، أو أن تجمد هذه الأجنة وهذا يؤدي إلى مشاكل عديدة وهي:

6- إذا حملت المرأة ماذا يصنع بالأجنة الفائضة المجمدة؟

هل تستخدم لامرأة أخرى تعاني من العقم؟ وذلك مرفوض إسلاميًا؛ لأنه يؤدي إلى اختلاط الأنساب.. بل إن هذا الجنين ليس جنينًا ولم تشارك فيه لا هي ولا زوجها سوى حمله وتغذيته وولادته.. وقد قرر الفقهاء حرمة ذلك ووجوب تعزير من يقوم به ويشارك فيه.

إذن هل تستخدم هذه الأجنة من أجل البحث العلمي؟ وذلك قد يفيد في معرفة كثير من الأمراض الوراثية والصبغية، وإلى أي يوم يجوز استخدام هذه الأجنة؟

أليس الجنين ولو كان عمره بضعة أيام له كرامة باعتبار ما سيؤول إليه؟ ورغم أن معظم الدول الغربية والاشتراكية تبيح الإجهاض إلا أنها حتى الآن لم تبح استخدام الأجنة.. وقد أباحت بعض اللجان المختصة استخدامها إلى اليوم الرابع عشر من عمر الجنين، وذلك قبل تكون الشريط الأولي الذي منه يتكون الجهاز العصبي.

هل ترمى الأجنة الفائضة قبل تجميدها؟

 أليس الاحتمال قويًا بأن تفشل محاولة الحمل الأولى فتعود المرأة ويوضع في رحمها الجنين المجمد بعد إعادته للحرارة الطبيعية، وذلك يعتبر خسارة وتعبًا ومشقة على المرأة والأطباء على السواء.

إذن هل ترمى الأجنة المجمدة إذا حملت المرأة؟ أليس في ذلك تبديدًا وإسرافًا لمادة يمكن الاستفادة منها في معالجة عقيم أو في إجراء أبحاث.

7- ظهر استخدام جديد للأجنة المجمدة وهو استخدامها للعلاج في نقل الأعضاء، وبما أن الأنسجة الجنينية قابلة للنمو، وفي نفس الوقت لا يرفضها الجسم بنفس السرعة التي يرفض بها الأنسجة البالغة والنامية فإن استخدام هذه الأجنة في زراعة الأعضاء يشكل فتحًا جديدًا في عالم الطب، ولكنه يشكل أيضًا قضية أخلاقية ودينية شائكة.

8- اختيار الأجنة: يقوم الطبيب بفحص الجنين المجمد، فإن وجد فيه عيبًا ومرضًا استخدمه لأغراض أخرى، وإن لم يجد به عيبًا أعاده إلى رحم أمه.

9- إن نكاح الاستبضاع الجاهلي قد عاد مرة أخرى، حيث تشترى المرأة من بنك المني ما يناسبها من مني رجل اشتهر بالعلم أو اشتهر بالذكاء أو اشتهر بالقوة... إلخ، وهذه الصورة واقعة في الغرب ومرفوضة تمامًا في الإسلام.

10- نفس الصورة السابقة بما هو أشد وأنكى، حيث تؤخذ الحيوانات المنوية من رجل اشتهر بالذكاء والقوة، وبويضات امرأة اشتهرت بالجمال والذكاء، ويتم تلقيح هذه البويضات لإنتاج سلالة بشرية ممتازة (نظرية النازية)، ويمكن أن تباع هذه الأجنة الفاخرة إلى من يريد ويدفع الثمن!

وتتعدد الصور التي يمكن أن يتم بها ذلك، حيث يمكن أن تحمل المرأة هذا الجنين الممتاز أو ربما تستأجر له رحمًا أيضًا ثم تأخذ الجنين بعد ولادته جاهزًا.

كل هذه الطرق المختلفة ستؤدي إلى تجارة الأجنة، وليس ذلك مستغربًا فتجارة بنوك المني والأرحام المستأجرة قائمة على قدم وساق في معظم دول الغرب، وقد وافقت المجتمعات الغربية والقوانين والهيئات الدينية هناك على استخدامات بنوك المني، ولا تزال في جدل حام حول الأرحام المستأجرة والأجنة المجمدة.

11- احتمال زيادة الأمراض التي تنتقل عبر المني حيث يحمل المني جميع الأمراض الجنسية: السيلان، الكلاميديا، الهربس، الإيدز، الزهري... إلخ.

12- احتمال زيادة التشوهات الخلقية، حيث تتعرض الحيوانات المنوية والبويضات والأجنة المجمدة لتغييرات كثيرة حيث إنها تبقى فترة خارج بيئتها الطبيعية الفسيولوجية.

13- المشاكل الاجتماعية والقانونية العديدة الناتجة عن التلقيح الاصطناعي بنوعيه الداخلي والخارجي، فمثلًا هناك ربع مليون طفل لا يعرف لهم أب أصلًا نتيجة التلقيح بواسطة بنوك المني ATD، وكذلك مشكلات الأمهات المستعارات MOTHER SURROGATE، ومن تكون الأم؟ أهي التي حملت وولدت أم صاحبة البويضة؟ ومن يكون الأب؟ أهو صاحب المني أم زوج المرأة صاحبة البويضة؟ أم زوج التي حملت وولدت؟

14- إن التلقيح الاصطناعي لا يحل سوى جزء ضئيل ونسبة محدودة من الحالات التي تعاني من عدم الخصوبة والعقم وبثمن فادح ماليًا واجتماعيًا وأخلاقيًا وقانونيًا.

15- تؤدي التقنيات الجديدة في الإنجاب إلى إلغاء نظام الزواج، وخاصة لدى الشاذات جنسيًا اللائي يمارسن السحاق، وقد ظهرت موجة في الغرب من السحاق موازية للواط، وأدى ذلك حين ترغب الشاذة في النسل إلى أن تذهب إلى بنك المني ويلقحها الطبيب بالمني الذي تختاره من الكتالوج دون أن يمسها رجل.

16- تؤدي التقنيات الجديدة إلى ما يسمى باختيار السلالة البشرية وتتفرغ مجموعة من النساء فقط للحمل، وذلك بأخذ الأجنة جاهزة من البنك بحيث يمكن أن تحمل عشرات أو مئات النساء من هذه السلالة المرغوب فيها كما يصنع حاليًا في الأبقار والأغنام والخيول والكلاب.

17- في الحالات التي تستخدم فيها زراعة الخصية بالنسبة للذكور وزراعة المبيض بالنسبة للأنثى، فإن الحيوانات المنوية في صفاتها الوراثية ستعود إلى صاحب الخصية وكذلك البويضات ستعود إلى صاحبة المبيض- وبذلك تعود مشكلة اختلاط الأنساب، والإسلام يرفض ذلك رفضًا باتًا.

18- لا يبدو أن زرع الرحم سيشكل عقبة أمام الفقهاء، وخاصة إذا كان من امرأة توفيت وأوصت بالتبرع برحمها، أو أنها قد جاوزت سن الحمل، أو أن لديها عددًا كافيًا من الأطفال... إلخ، أو أن مبيضها قد أزيل ولم يبق لها إلا الرحم ولا تستطيع أن تحمل إلا باستعارة بويضة من مانحة، وهو أمر محرم في الإسلام، فتتبرع آنذاك برحمها لمن تملك المبايض، ولكن رحمها قد أزيل بعملية جراحية.

وهكذا يبدو أن المشاكل الأخلاقية والدينية والقانونية الناتجة عن تقنيات الإنجاب عديدة ومتنوعة.

وهذه التقنيات الحديثة رغم براعتها لن تحل مشكلة عدم الخصوبة والعقم ذلك؟ لأن أسباب المشكلة لم تحل، بل إن الأسباب المؤدية إلى انتشار العقم وعدم الخصوبة تزداد يوما بعد يوم.

لهذا فإن الحل الحقيقي يكمن في علاج أسباب العقم وعدم الخصوبة والوقاية منها.

وبما أن أهم أسباب عدم الخصوبة والعقم تتمثل في الأمراض الجنسية، الإجهاض، استخدام اللولب، والوطء أثناء المحيض، فإن الإسلام بتعاليمه التي تمنع الزنا والشذوذ الجنسي وتمنع الإجهاض، وتمنع استخدام اللولب باعتباره نوعًا من الإجهاض المبكر، وتمنع الوطء أثناء المحيض، يقدم وسيلة فعالة في إنقاذ ملايين البشر من عواقب الأمراض الجنسية والإجهاض واستخدام اللولب ومن بينها عدم الخصوبة والعقم.

ولا مانع من استخدام الوسائل الطبية المتاحة في علاج حالات عدم الخصوبة والعقم بشروط أولها: ألا تسبب هذه الوسائل اختلاطًا في الأنساب.

ثانيًا: ألا تلغي نظام الزواج والأسرة.

ثالثًا: أن تعالج الأسباب الحقيقية.

وبما أن معظم أسباب عدم الخصوبة يمكن الوقاية منها بتجنب الزنا والعلاقات الجنسية غير السليمة مثل الوطء في المحيض وإتيان محاشِّ النساء واللواط، وتجنب إجراء الإجهاض دونما سبب طبي قوي، وتجنب استخدام اللولب... إلخ. فإن اتخاذ أسباب الوقاية هذه (وهي من تعاليم الإسلام الأساسية) يؤدي إلى خفض نسبة المصابين بعدم الخصوبة وبالتالي خفض تكاليف علاجها.

_______________

(1) في بحث قدمه د. إدريس عن عدم الخصوبة والعقم في السعودية في 20/11/86، في ندوة أطفال الأنابيب- مستشفى د.صديقة ووزارة الصحة: إن التنظير أثبت ندرة انتباذ بطانة الرحم في المملكة العربية السعودية؛ فمن بين 150 امرأة تعافت من العقم تم تنظيرهن وجد أن اثنتين فقط لديهن انتباذ بطانة الرحم، بينما تصل النسبة في الولايات المتحدة وأوروبا إلى حوالي 30 بالمئة.. وكذلك وجد أن النساء العقيمات في نيجيريا نادرًا ما يعانين من انتباذ بطانة الرحم.

(2) تم افتتاح مركزين آخرين جديدين بمدينة جدة، أحدهما في مستشفى صديقه والآخر في جامعة الملك عبدالعزيز- كلية الطب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

133

الثلاثاء 05-مايو-1970

مجتمعنا - العدد 8

نشر في العدد 58

131

الثلاثاء 04-مايو-1971

هذا الأسبوع (58)