; التناقضات الداخلية في الدولة العبرية | مجلة المجتمع

العنوان التناقضات الداخلية في الدولة العبرية

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1999

مشاهدات 76

نشر في العدد 1359

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 20-يوليو-1999

يحظى الحديث عن التناقضات في الدولة العبرية بتركيز خاص من قبل بعض المفكرين والسياسيين، وقد ذهب بعضهم إلى حد القول إن تفجر هذه التناقضات، ولاسيما في حالة تحقيق التسوية سيؤدي إلى تفكك الدولة العبرية وانتهائها.

يجب أن نلحظ بادئ ذي بدء أن التركيز على التناقضات داخل المجتمع العبري أخذ يتعاظم مع بدء ما يسمى بمسيرة التسوية التي انطلقت من مؤتمر مدريد، وتسلّم القياد في هذا التركيز عدد من داعمي اتفاق أوسلو من الفلسطينيين وأصدقائهم من العرب المتعاطفين مع خط أوسلو وما قد يتداعى عنه. 

الاكتشاف الجديد لهذه التناقضات ليس اكتشافًا على الإطلاق، فما من مجتمع أو من جماعة إلا ويحمل في تكوينه سلسلة من المتناقضات، وإذا جنح الخيال إلى تصورها متفجرة فيمكن القول إن مستقبل ذلك المجتمع هو الانهيار أمام تلك الألغام التي بني فوقها مجتمعه.

كما أن المجتمع العبري كان يعج بهذه التناقضات منذ أولى لحظات تشكله فاليهود ما كانوا يومًا بلا تناقضات حادة داخل صفوفهم، أولم تنص الآية الكريمة: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر:14)، ويمكن أن نذكر أن هنالك من كتب عن هذه التناقضات في الستينيات والسبعينيات، وكان مقصده البحث عن نقاط اختراق للدولة العبرية في حرب مستعرة باردة، أو حامية، ولكنه ينظر إلى تلك التناقضات على أنها ستقرر مستقبل الدولة العبرية، ولم تحمل فوق ما تحتمل.

والآن لو أخذنا هاتين الواقعتين بعين الاعتبار يتوجب أن نسأل أولًا، لماذا كل هذا التركيز على هذه التناقضات؟ ولماذا كل هذه الآمال التي تعقد على تفجرها؟

 ببساطة جاء ذلك كله في مناخ عملية التسوية عمومًا، واتفاق أوسلو وتداعياته خصوصًا من أجل طمأنة الشعب الفلسطيني والأمة العربية، وربما راحة بعض الضمائر أيضًا، بأن كل الاحتجاجات على ما قدم من تنازلات أساسية ومبدئية، وكل المخاوف على مستقبل القضية الفلسطينية وفلسطين والشعب الفلسطيني، والأمة العربية والإسلامية غير مسوغة، لأن تفجر التناقضات داخل المجتمع العبري سيكفي الأمة مخاطر المواجهة، وسيأتيبما لم يستطع أن يأتي به السيف، أو المقاطعة، أو الانتفاضة، أو التعبئة، أو الدعوة لإنهاض الأمة وإصلاح حالها.

 بكلمة أخرى يمكن القول إن هذا التركيز الذي يتم في مناخ يسوده القلق على مستقبل فلسطين والأمة يهدف فيما يهدف إلى الطمأنة من هذا القلق، وليغطي ما تم من تفريط أو ما سيلحق من تفريط.

 طبعًا لا يمكن أن يتهم كل من يركز على هذه التناقضات ويعطيها أكثر من حجمها بأنه يفعل ذلك عن وعي لخدمة اتفاق أوسلو ونهجه، لأن هنالك من أعلنوا معارضتهم لاتفاق أوسلو ومع ذلك خاضوا في أمر هذه التناقضات، وبالمنهج نفسه، وصولًا إلى النتائج نفسها، وهم يحسبون أنهم يقومون بدراسات علمية ويكشفون ما لم تكتشفه الأوائل.

إذا كان كل مجتمع يعج بالتناقضات الداخلية والصراعات فيما بين عدد من مكوناته، فإن الكلام على التناقضات في هذا المجتمع أو ذاك يتطلب تحديد الشروط الداخلية والخارجية التي تقرر تماسكه، بل ازدياد ذلك التماسك، وتلك التي تقرر تفككه، وهذه وتلك لا تحددان من خلال الحديث التفصيلي عن التناقضات الداخلية والصراعات فيما بين القوى السياسية أو الاجتماعية أو الإثنية، أو الاقتصادية، أو الأيديولوجية، فإذا توافر لمجتمع يعج بالتناقضات كتلة اجتماعية أو إثنية أو اقتصادية قائدة وامتلكت الجيش وسيطرت على مراكز القوى، وكانت تحظى بدعم دولي أساسي، أو كانت هي ذاتها قوة دولية لا تسمح لدولة أن تتدخل في شؤونها فإن التناقضات هنا تكون قابلة للكبت أو الاستيعاب أو التجاوز، الأمر الذي يفترض عند الحديث عن تفجر التناقضات قياس اتجاهات ميزان القوى داخليًا وخارجيًا ثم حساب ما يمكن أن يحدث عند لحظات الخطر وليس ما هو قائم في مرحلة التمكن والاسترخاء.

أما الأبعد عن الصواب في هذا المناخ الذي تطلق فيه تلك الموضوعات السطحية والفجة في معالجة تناقضات المجتمع العبري فهو تجاهل أن المشروع الصهيوني -وبدعم أمريكي- في موقع الهجوم من جهة تفجر التناقضات داخل مجتمعاتنا نحن وفيما بين أقطارنا، وأن الخطر من هذه الناحية يتهددنا وهو ما يجب أن نتنبه إليه ونعد له عدته بدلًا من النوم على فراش الوهم القائل: إن الدولة العبرية ستتفجر بسبب تناقضاتها الداخلية.

الرابط المختصر :