العنوان معركة ضد الثوابت والعقيدة واللغة.. التنصير مفتاح الجزائريين إلى الحلم الأوروبي!
الكاتب ياسمينة صالح
تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2005
مشاهدات 72
نشر في العدد 1677
نشر في الصفحة 28
السبت 19-نوفمبر-2005
الجزائريون يعتبرون الإسلام جزءًا من كيانهم وينظرون للتنصير على أنه خيانة وطنية وليس خيانة للدين فحسب
تورط العديد من الشخصيات الفكرية الفرنسية اليهودية والكنيسة الكاثوليكية
فرنسا تدير حرب التنصير عبر سفارتها ورجالها ومراكزها.. استقطاب الشباب مقابل وعود بالحصول على الجنسية وراتب إعانة
المخطط وجد أرضًا خصبة في الحرب الأهلية التي أثمرت الفقر والدمار والرعب
إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي استمر أكثر من ١٣٠ سنة كانت الخطة الاستعمارية لا تستهدف احتلال الجزائر فحسب بل مسح كل مقومات الشخصية الجزائرية عبر مسح اللغة والعقيدة.
والحال أن مخطط «شارل سولفون» الشهير كان يعتمد في النهاية على ثالوث الدين واللغة والسياسة لأجل صياغة ما كان يسمى في منتصف القرن العشرين بالجزائر الفرنسية.
لم تكن الجزائر الفرنسية إلا النموذج النصراني في معتقد «شارل سولفون» فتحويل المساجد إلى كنائس، وفرض البديل الفرنسي اجتماعيًا وثقافيًا عبر جملة من الممارسات جعل أكثر من ۱۲۰ قسًا فرنسيًا يدخلون إلى الجزائر في منتصف الخمسينيات لأجل الدعوة إلى السلم عبر الدعوة إلى المسيح في دولة كانت الحرب تصنع أمجادها بفضل إصرار الثوار على عدم التنازل عن الأرض ولا عن الدين.
الحرب التنصيرية على الجزائر، وعلى دول الشمال الإفريقي استمرت حتى والجزائر تستعيد استقلالها في يونيو ١٩٦٢، وإن غادر جنود الاحتلال الفرنسي الجزائر بمعية ما اصطلح على تسميتهم بالأقدام السوداء Les noir pieds»» وهم اليهود الذين ساندوا الاحتلال، إلا أن المنصرين لم يغادروا الجزائر وقتها بل استقروا بنفس الشعار السلمي في كنائس ظلت مفتوحة في الكثير من المناطق.
وفي مناطق أخرى ظلت تباشر نشاطها بسرية كبيرة، كمناطق الغرب الجزائري ومنطقة القبائل التي يعتبرها المنصِّرون الأرض الخصبة لحرب التنصير تلك.
نسخ الإنجيل
قبل عامين، حين نشرت إحدى الجرائد المحلية الجزائرية خبر إلقاء أجهزة الأمن الجزائرية القبض على مجموعة من الأشخاص وفي حوزتهم 10.000 نسخة من الإنجيل، وقتها كانت الصورة أقرب إلى الخيال، غير أن موضوع التنصير بدأ يتحول إلى حقيقة أكدتها الجهات الرسمية التي وعدت بالوقوف في وجهها، باعتبار أن الحملة التنصيرية على الجزائر صارت حربًا أيديولوجية ودينية معًا للقضاء على الإسلام وعلى اللغة العربية وعلى المعتقدات أيضًا عبر استرجاع البديل القديم الذي كان يطرح في العشرينيات على أساس أن الحل لمشكلات الدول الفقيرة هو العودة إلى المسيح ! وهو المشروع الذي تبنته الكنيسة الكاثوليكية فعلًا في العديد من الدول الإفريقية، في ساحل العاج والسنغال والكاميرون، وحتى الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل الصومال والنيجر!
كما أن الحرب الأهلية التي عاشتها الجزائر، فتحت الباب واسعًا لتسلل جماعات تنصيرية لتنشط وبشكل مثير للانتباه بين سنتي ۱۹۹5 و ۱۹۹۸، وقد نجحت حسب إحصائيات نشرتها إحدى الجرائد المحلية في استدراج أكثر من ۱۰,۰۰۰ جزائري إلى النصرانية كانت تلك المكاشفة تصادف إعلانًا غريبًا أصدرته السفارة الفرنسية في الجزائر يفتح أبوابها لمن يرغب بأخذ الجنسية الفرنسية للجزائريين من مواليد نوفمبر ١٩٥٤ ويونيو ١٩٦٢، وهما تاريخان مهمان في تاريخ الجزائر، فالتاريخ الأول يرمز إلى اندلاع الثورة التحريرية والتاريخ الثاني يرمز إلى الاستقلال في الجزائر! ولعل ذلك الإعلان من السفارة الفرنسية في تلك الفترة بالذات جعل العديد من الملاحظين يربطون بين اللعبتين السياسية والتنصيرية خاصة وأنها وصلت السنة الماضية إلى مرحلة الخطر، باعتراف السلطة الجزائرية التي ترفض السماح باستمرار هذه المهزلة وترفض أن يكون ثمة اختلال سكاني بين مطرقة الجنسية وسندان الديانة الأخرى الدخيلة. واعتراف السلطة الجزائرية بالمسألة «الأزمة» التنصيرية، شكل في الحقيقة واجهة لكشف الكثير من الحقائق الصغيرة، ومنها تورط فرنسا في هذه الحملة التنصيرية التي يقف أمامها الشعب الجزائري موقف العاجز خاصة وأن إشكالية الوضع القائم اقتصاديًا واجتماعيًا غطت إعلاميًا على كل المشكلات الأخرى، مع ذلك فقد أصدرت وزارة الشؤون الدينية بشكل رسمي بيانًا عبرت فيه عن «انشغالاتها ومخاوفها» إزاء ممارسات ونشاطات غير شرعية لبعض الجهات والجمعيات الثقافية الدينية النصرانية في مناطق عديدة من الجزائر، مبدية قلقها مما بلغها عن انغماس عدد من الشباب في الطقوس النصرانية في مناطق القبائل وبجاية ووهران الجزائرية..
خيانة الوطن
المجتمع طرحت سؤالًا على «علاء الدين مروان» أحد النشطاء التابعين لجمعية العلماء المسلمين سابقًا، قال: «إن الواقع الذي يعرفه الجميع مفاده أن الجزائر معرضة إلى التنصير فعلًا، وأن المراكز الثقافية والجمعيات التابعة رسميًا إلى الكاتدرائية الدينية في مناطق كثيرة في الجزائر تساهم في عملية التنصير، وفي استقطاب الشباب إلى النصرانية مقابل وعود كثيرة منها الحصول على الجنسية الفرنسية راتب إعانة salaire chaumage تمامًا كما تدفعه فرنسا للعاطلين عن العمل على ترابها والمقدر بـ ۳۰۰ يورو شهريًا للعزاب، و ٦٠٠ يورو للمتزوجين، مقابل أن يصبحوا نصارى قلبًا وقالبًا، بولاء شبه مطلق إلى الكنيسة «عبر القس» ومن خلاله للدولة التي تعينهم ماليًا «فرنسا»!
الجزائريون الذين يعتبرون الإسلام جزءًا من كيانهم يرفضون في غالب الأحيان استيعاب مثل هذه المخاطر، فهم يعتبرون وجود النصرانية في الجزائر أمرًا عرضيًا، حتى وإن كان عدد النصارى الجدد «من الجزائريين» یزداد باعتراف السلطة الرسمية، وبالتالي فإن العديد من المواطنين ينظرون إلى الإشكالية المطروحة نظرة قومية أكثر من أي شيء آخر، بمعنى أن التنصر يعني خيانة للوطن، وليس خيانة للدين فحسب، وهو ما يشكل في نظر الأئمة عاملًا سلبيًا، بحكم أن النقطة السوداء تتمثل أساسًا في أن الجزائريين صاروا في ظل الأوضاع السيئة يربطون أساسًا بين التنصير والجنسية، أي واحدة بواحدة، كما يقول السيد عمار لوصيف، أستاذ جامعي جزائري.
الكنيسة في الجزائر ليست بالمنظر المتعارف عليه في الدول النصرانية، فهي ليست كنيسة حقيقية، بل مجرد منزل وأحيانًا فيلا أرضية يتم إعدادها من قبل المنصرين لأن تكون قاعة للصلاة وزاوية بما يسمى بزاوية الاعتراف confession. والحقيقة أن جل الكنائس التي رأيناها كانت منعزلة بشكل كبير ولافت عن بقية المساكن، ولعل عزلتها كما قال لنا، عمار لوصيف سببه خوف هؤلاء من ردة فعل الجزائريين الذين يرفضون الجهر بالباطل لكن ذلك الجهر لم يعد سريًا كما كان عليه في السبعينيات مثلًا، أو في الثمانينيات بل صار شبه معلن يحمل اليوم طابع «حرية المعتقد «الذي صارت تشهره الأمم المتحدة في وجه الدول كورقة ضاغطة، وهو أيضًا ما يستغله المنصِّرون في الجزائر لممارسة نشاطات تحت سقف «العمل الخيري» من جهة و«الأداء الثقافي والفكري» من جهة أخرى..!
إرهاب عقائدي
طوال الحرب الأهلية التي عاشتها الجزائر لأكثر من ١٢ سنة، كانت الأجواء العامة أشبه بساحة ملغومة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، كان الإرهاب ظاهرة جديدة تعرفها الجزائر لأول مرة في تاريخها الحديث، والحال أنه في الجهة الثانية من المشهد كان ثمة من يمارس إرهابًا عقائديًا آخر وفق فكرة التنصير التي ظلت تسمى في الجزائر بالحرب المضادة للحرب! لكن تلك الحرب كشفت في النهاية عن تورط العديد من الشخصيات الفكرية الفرنسية اليهودية وأيضًا تورط الكنيسة الكاثوليكية عبر شخص القس «جون مارك مانويل» الذي يعد واحدًا من أكبر المنصرين في شمال إفريقيا، بعد أن كان مسؤولًا عن المركز المسيحي في السنغال وعدد من الدول الإفريقية وآسيا الشرقية.
استقر «جون مارك مانويل» في الجزائر عام ۱۹۸۹، هو الذي يعتبر نفسه جزائريًا بحكم مولده فيها عام ١٩٤٤ في منطقة القصبة في قلب الجزائر العاصمة. ترأس في بداياته جمعية الكنيسة الكاثوليكية في عدد من الدول منها المغرب وموريتانيا قبل أن يعود إلى الجزائر ليتزعم المركز الثقافي المسيحي الذي كان يحمل اسمًا معروفًا «مركز الثقافة الدينية» والذي كان ينشط بشكل شبه سري في الثمانينيات في العاصمة الجزائرية وبالضبط في منطقة «بلكور» بوسط العاصمة، وفي منطقة «تازمالت» في ولاية بجاية بمنطقة القبائل، كان الإقبال على هذا المركز كبيرًا، لأنه كان يعرض خدمات مهمة مثل فتحه للمكتبة الكبيرة التي كانت تضم عشرات العناوين المهمة، بالإضافة إلى مساعدة الطلبة على توفير ما يحتاجونه بالفرنسية من مراجع، ناهيك عن أن المركز سرعان ما صار يتعامل أيضًا مع موضوع «التأشيرة» Visa وتوفيرها للطلبة الراغبين في مواصلة دراستهم في فرنسا تحديدًا. إذ إنه استطاع أن يوفر ما يساوي 5۰۰ تأشيرة دخول إلى فرنسا ل أصدقاء المركز من الشباب الجزائري، كما أنه «ساعد» حوالي ۳۰۰۰ شاب على تغيير جنسيته ودينه معًا.
يقول «نور الدين میرون» مختص في تحليل ظاهرة التنصير في الجزائر إن أهم أسباب «نجاح» هؤلاء المنصرين في مهمتهم إلى حد ما هو غياب الردع الحقيقي من السلطة، وبالذات من وزارة الشؤون الدينية التي تعد الغائب الأكبر في هذه الإشكالية من جهة أخرى فإن الفقر والبطالة ساهما في جعل الحلم «الأوروبي» سببًا في البحث عن تحقيقه ولو على حساب الجنسية أو الدين، وهو ما تسببت فيه الحرب الأهلية الجزائرية طوال ١٥ سنة الماضية، والتي جعلت العديد من «ضحايا الإرهاب» يلجؤون إلى السفارة الفرنسية لتغيير جنسيتهم علانية، وبالتالي جعل العديد من الشباب يسقطون في فخ ال «بديل» الذي طرحته المراكز التنصيرية في الجزائر على شكل: «نصرانية = جنسية ووظيفة أو راتب مستقر!» ناهيك على أن تلك المراكز التنصيرية ساهمت في نشر الأكاذيب عن الوضع في الجزائر بتوجيه الاتهام إلى الإسلام بأنه دين إرهاب ومجازر وليس دين بناء وسلام! ثمة أيضًا ما يسمى في الجزائر بـ «الإعلام التنصيري» والذي نجح في فتح قناة إذاعية تبث بنظام FM»» من فرنسا والجزائر، قبل أن يتم توقيفها من الجزائر لتستمر بثها من فرنسا، وهي تبث بالفرنسية وبالعربية والأمازيغية «البربرية» اللغة الأولى في منطقة القبائل، وقد كان وراء هذه القناة عدد من المثقفين الفرنسيين من أصل يهودي أهمهم «جيرالد تروسيه» الذي اعتبر الأب الروحي للتنصير الإعلامي في الشمال الإفريقي، والذي يتزعم أيضًا الصندوق الثقافي الفرنسي المعروف أيضاً بالصندوق المسيحي «Fondation chrétienne» والذي يعرف بتمويله سنويًا لأهم المراكز النصرانية والداعمة للنصرانية في الجزائر بأموال ضخمة تأتي من العديد من الدول أولها فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا ومن الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا، ولعل الهدف الرئيس كان منطقة القبائل باعتبارها منطقة مختلفة عن بقية المناطق من حيث مطالب حركاتها النشيطة، كالمطالب اللغوية الداعية إلى اعتبار الأمازيغية لغة رسمية «وهو المطلب الذي صار رسميًا فعلًا منذ ثلاثة أعوام» ولم يقتصر الأمر على اللغة فقط، بل إن زعيم الحركة الاحتجاجية القبائلية طرح قبل سنة جملة من المطالب التي اعتبرها الشعب الجزائري والسلطة غريبة جدًا. أهم تلك المطالب جعل السبت والأحد يومين لنهاية الأسبوع بدل الخميس والجمعة وكذلك الحق في العقيدة وهو المطلب الذي أثار الجدال الواسع على المستويين السياسي والإعلامي في الجزائر، لأن الحق في العقيدة يعني ببساطة الحق في النصرانية بالخصوص بعد أن تم حجز آلاف الأشرطة السمعية النصرانية بالعربية والفرنسية والأمازيغية وآلاف أخرى من الأناجيل في قرية من قرى القبائل التي يقال إن مراكز نصرانية تعيل أفرادها من الأسر الفقيرة في غياب الدعم المالي من جهات رسمية محلية!
كنت مسلمًا
لعل أهم من التقيناهم في سياق بحثنا عن «الحقيقة التنصيرية» في الجزائر، هو «إيدير» شاب يشارف على الأربعين من العمر، حاصل على ليسانس في الإدارة وبقي بلا عمل لمدة تزيد على عشرة أعوام. يلقبه الجميع باسم «رومي» الذي تعني في الجزائر «الأوروبي»! ينشط بشكل يراه طبيعيًا منذ أن صار له محل لبيع الألبسة الحريمي يرتاد محله العشرات من الزبائن يوميًا! سألناه كيف ارتد عن الإسلام؟ فرد بهدوء: «في الحقيقة كنت أعيش واقعًا صعبًا الخوف والرعب والقتل اليومي في كل مكان في بلدتي الصغيرة في أعالي مدينة بجاية «في القبائل الصغرى». مرة التقيت صدفة شخصًا أصبح صديقًا لي عرف بكل مشكلاتي واقترح أن يساعدني. أعارني المال واقترح أن أنضم إليه في عمله. ثم بدأ يعرفني على النصرانية وبدأ يأخذني معه إلى مناطق لم أكن أعرف بوجودها فيها كنائس وشعائر نصرانية، والتقيت قسًا أقنعني أن السلام الروحي في النصرانية فقررت أن التحق بهم، لأجل أن أغير حياتي.! سألته: هل تغيرت حياتك؟ رد: «أصبحت صاحب محل، تزوجت من نصرانية ولي طفلة!».
ويبقى شيء... على الجانب الآخر وفي الوقت الذي يصبح فيه التنصير في الجزائر بهذه الحدة والخطورة، نجد العديد من الفرنسيين يدخلون الإسلام، ففي إحصائية نشرها المكتب الإعلامي للسيد أبوبكر الجزائري من مسجد باريس فإن ۱۳۹۰ شابًا فرنسيًا اعتنقوا الإسلام بين عامي ٢٠٠3/٢٠٠4 ، بينما أشارت دراسة جزائرية أن أكثر من 15,000 جزائري اعتنقوا النصرانية منذ عام ١٩٩٤ إلى يومنا وهي أرقام يعتقد البعض أن الحقيقة أكبر منها بكثير .
السلطات الجزائرية تواجه التنصير بقانون صارم
أقرت الحكومة الجزائرية في اجتماعها يوم الأربعاء ٩/١١/٢٠٠٥م مشروع قانون يرمي إلى مواجهة النفوذ المتزايد لجماعات التنصير المسيحية في البلاد التي يشكل المسلمون معظم سكانها.
وقد قدمت المشروع وزارة العدل ويهدف إلى تعزيز الوضع الدستوري للإسلام بوصفه دين الدولة الرسمي.
وقالت الحكومة في بيان بثته وسائل الإعلام الرسمية إن مشروع القانون يهدف إلى سد ثغرة قضائية بشأن ممارسة شعائر الأديان غير الإسلام. وينبغي أن يصادق البرلمان الآن على هذا المشروع.
وأضافت أن مشروع القانون يتضمن بنودًا تضع حدًا للنشاطات الفوضوية في الجزائر من جانب جماعات أو أفراد أجانب ولاحتواء حملات التنصير التي تستهدف المسلمين في البلاد.