العنوان التنمية العربية هل تورث الجوع؟
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1986
مشاهدات 77
نشر في العدد 776
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 22-يوليو-1986
- كل عملية تنموية لا تتجدد بالأواصر الروحية الناجعة من منهج الله تبقى عملًا فوقيًا باهت المعنى والمبنى
- كل الدول التي اختطت بديلًا للنموذج الغربي للتنمية اعتمدت على تراثها الثقافي ومكوناتها الحضارية
يقوم الرئيس المصري حاليًا بزيارة لأربعة من دول السوق الأوروبية المشتركة في محاولة لتأمين بعض المعونات الاقتصادية لمواجهة الأزمة التي تصلاها مصر من جراء انخفاض أسعار النفط.
إن زيارة مبارك لغرب أوروبا وسعي حكام عرب آخرين من أجل زيادة المعونات أو فتح اعتمادات جديدة لمزيد من ربط اقتصاديات المنطقة بوكالات الظلم التاريخي والمسماة بدول السوق الأوروبية المشتركة لن تحقق الإنقاذ المطلوب إن لم تزد من درجة الانهيار إلا أن دلالة هذه الأوضاع تتلخص في الآتي:
- فشل خطط التنمية العربية في تحقيق أهدافها بإقامة مجتمع الكفاية والعدل.
- تأكيد التبعية الاقتصادية والسياسية للأنظمة الغربية.
- غياب مخطط اقتصادي واضح يكون بديلًا عن مأزق المشروعات التنموية السالفة.
- استمرار سياسة عزل الجماهير وتغييب دورها في التنمية.
وسوف نأخذ هذه المؤشرات بشيء من التفصيل.
- فشل خطط التنمية:
تتبدى مظاهر فشل خطط التنمية في كثير من الدول العربية في هذا الواقع المتردي الذي يعيشه إنسان العالم العربي، والذي يزداد تدهورًا، فإشباع الحاجات الأساسية من غذاء ودواء وتعليم وإسكان مازال حلمًا بعيد المنال عن كثير من مواطني العالم العربي والأوضاع العربية تعتبر في هذا نموذجًا صارخًا فقد كانت الأوضاع السائدة في المنطقة العربية في الخمسينيات ومطلع الستينيات أفضل بكثير من تلك التي كانت سائدة في الصين والهند وكوريا وانقلبت تلك المعايير في الثمانينيات.
حيث إن الهند حققت تقدمًا في مجال التكنولوجيا واكتفت ذاتيًا في مجال الغذاء، أما الصين فقد حققت نموذجًا من التنمية يضرب به المثل يوم أن أشبعت ربع سكان العالم وبنت من التكنولوجيا ما يجعلها في مصاف الدول المتقدمة، وقد كانت أوضاعها غاية في التدني. علمًا بأن خطط التنمية العربية التي بدأت في عام ١٩٦٠ في كل من مصر والسودان وسوريا والجزائر ثم تبعتها بقية الدول العربية وقد بلغت حجم استثمارات خطط التنمية العربية في الفترة «۱۹۷۰-١٩٨٥»٣٤٠مليار دولار وجه منها للاستثمار في مجال الزراعة 33 مليارًا أي بنسبة ٩.٧٪ ونصيب الصناعة ٧٦ مليارًا أي بواقع ٢٢% وكان نصيب قطاع الخدمات ٢٩% وبالرغم من كل تلك الصور التخطيطية لإقامة التنمية إلا أن أداء هذه الخطط كان متواضعًا جدًا بل إن الأداء في الستينيات كان أفضل منه بكثير، فالدول العربية استوردت في عام ١٩٨٣م منتجات غذائية بـ ۲۳ مليار دولار منها ۱۷ مليارًا لاستيراد مواد غذائية أساسية كالقمح والأرز والألبان وانخفضت الصادرات العربية بواقع ١٥% عام ١٩٨٣م عما كانت عليه في أوائل السبعينيات. وفي عام ١٩٨٥م كان جملة ما استوردته الدول العربية من المواد الغذائية بـ ٢٥ مليارًا، وأن واقع التدهور الإنمائي لا يقف فقط في نطاق إنتاج المواد الغذائية وإنما يمتد إلى كل القطاعات الصناعية والحربية والإنشاءات والخدمات والزراعية غير الغذائية، وإنما كان تركيزنا على الإنتاج الزراعي للغذاء لارتباط هذا المجال بالوجود الحضاري من جانب وإمكانية التحكم في مقدرات الأمة إذا ما افتقدته من الجانب الآخر.
2. التبعية الاقتصادية والسياسية:
التبعية مصطلح اقتصادي ناتج عن طبيعة العلاقة العضوية بين اقتصاديات الولايات المتحدة من جانب واقتصاديات دول أمريكا اللاتينية من الجانب الثاني، حيث تمثل الولايات المتحدة باستمرار دور المركز وتمثل دول أمريكا اللاتينية دور التابع الفلكي وهذا الأمر لا يقتصر فقط على دول أمريكا اللاتينية وإنما هو أحد أعمدة الاقتصاد الرأسمالي. فالدول الغربية منذ فترة الاستعمار خلقت أوضاعًا اقتصادية تخدم اقتصاديات الدولة المستعمرة، فقد وسعت بريطانيا مثلًا زراعة القطن في مصر والسودان لا لكي تخدم تلك البلدان وترفع من مستوى الوضع المعيشي فيها، ولكن لكي تحصل مصانع لانكشير في بريطانيا بمتطلباتها من القطن «طويل التيلة» بصورة مستمرة، وعلى ذلك قس. وأوضاع هذه التبعية هي التي أورثت الدول هذه الأشكال المشوهة من الاقتصاديات وأفشت فيها العادات الاستهلاكية وقيدت حركة التنمية باتباع وتقليد النموذج الغربي الذي ثبت فشله بأكثر من تجربة، وحتى الغرب يشهد بفساد نموذجه في التنمية «بينما يزداد المنظرون شحمًا وتتعقد أفکارهم أکثر ویزداد الذين يعانون التخلف جوعًا» فالنموذج الغربي لم تثبت صلاحيته إلا في الغرب فهو مفصل فقط له. إذن لا بد من إيجاد البديل.
غياب البديل الاقتصادي:
كان لزامًا على الدول العربية أن تدخل مجالات التنمية وذلك لرفع المستوى المعيشي وتحقيق الاكتفاء الذاتي ليس في مجال واحد كالغذاء فحسب وإنما في جميع المجالات وطبيعي أن تكون هناك أخطاء أما أن تصر هذه الدول على السير في طريق الأخطاء مجددًا فهو لعمري لعين الفشل، «ولا تكونوا كالتي تنقض غزلها من بعد قوة أنكاثا». مما هو مدعاة للاستغراب أن هناك رصيدًا فكريًا ضخمًا تمتاز به هذه الدول وكل الدول التي اختطت بديلًا للنموذج الغربي للتنمية اعتمدت أساسًا على تراثها الثقافي ومكوناتها الحضارية، وقد طبق ذلك كل من الاتحاد السوفياتي حين فجر في شعوبه عداوة الغرب ودعا إلى تبني «التراث الشعبي» وفعلت الصين نموذجها الخاص وخرجت على النموذج الغربي والروسي ومارست ذات النهج اليابان عندما قدست بلادها وقدست العمل واستبطنت كل القوى الذاتية في شعبها. وأما الدول العربية فلها من الحصانة الفكرية ما يجعل كل عملية تنموية لا تتجذر بتلك الأواصر الروحية التابعة من منهج الله عملًا فوقيًا باهت المعنى والمبنى.
فالبديل الاقتصادي هو العزلة عن وثنية الدولار ونهج الدولار وبناء اقتصاد يفجر طاقات الأمة في أداء العمل الصالح وتسخير الطاقات الروحية الزاخرة في وجدان الأمة من أجل إحقاق الحق وإقامة العدل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الأرض كل الأرض وليس في نطاق التنمية المحلية فقط. فلا تنمية حقيقية مالم تزل أسباب الازدواجية في الشخصية العربية المسلمة وتأكيد دور الجماهير وطاقاتها الروحية.
وفي الختام فالتنمية هي تنمية الإنسان في المقام الأول وتوظيف لطاقات الإنسان بوجه أمثل عندما يجد الإنسان نفسه تحدث المعجزات في الماضي كانت مشكلة التنمية تعلق على فقدان رأس المال وعندما توفر المال هل تمت التنمية؟ عندما توجد إنسان التنمية يومها تتحول الطاقات المادية في العالم العربي وما أكثرها إلى عناصر تقدم حقيقي ابتداء من النفط وانتهاء بأرض السودان والعراق والمغرب ومرورًا بنيل مصر وخصوبة الشام. وعندها لن يكون نداء الحاكم العربي «أنقذوا بلدي» بل سيتحول إلى «هل من ضعيف فنعينه»؟