العنوان القضية بين أخطار التسوية الأممية وآفاق التفاهم المغربي- الجزائري - التوازنات الإستراتيجية في المغرب العربي ترسم ملامح حلو قضية الصحراء
الكاتب مصطفي الخلفي
تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003
مشاهدات 68
نشر في العدد 1563
نشر في الصفحة 22
السبت 09-أغسطس-2003
ثمة خلط كبير بين مشروع الأمين العام للأمم المتحدة ومشروع جيمس بيكر الذي يساعد على إدامة النزاع أربع سنوات ويقلص من عناصر السيادة المغربية.
مواجهة باردة بين واشنطن وباريس في ترتيب أوضاع المنطقة.
الإنفراج السياسي في العلاقات المغربية الجزائرية من جانب والجزائرية الإسبانية من جانب آخر يضع الأزمة على بداية طريق التسوية.
مع نهاية التمديد الذي أقره مجلس الأمن لبعثة المينورسو تنبئ التطورات الجارية حول قضية الصحراء باحتمال نشوب أزمة جديدة في التدبير الأممي لتسوية النزاع بفعل طبيعة المقترحات التي حملها بيكر إلى الأطراف وتفاعلات ما بعد الحرب على العراق في المنطقة، فضلاً عن انعكاسات التقاطب الأمريكي - الفرنسي على مستقبل العلاقات المغاربية في ارتباط مع قضية الصحراء المغربية وهي أزمة تشبه إلى حد ما الأزمة التي تولدت بعد إعلان الأمين العام في مارس من السنة الماضية عن خيار التقسيم كأحد الخيارات الممكنة لتسوية النزاع، وتطرح بالتالي ضرورة المراجعة الجذرية لمنهجية التعامل الدولي مع القضية والاتجاه نحو الاستعداد لمرحلة ما بعد العدوان على العراق وما ستفرزه من تغيرات في موازين القوى الدولية تذكر بالوضع الذي تبلور بعد حرب الخليج الثانية، وما تلاها من اعتماد خطة الأمم المتحدة للتسوية ودخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في سبتمبر 1991م.
تغيرات المحيط الإقليمي وانعكاساته على قضية الصحراء منذ التقديم الأولي لجيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق والمبعوث الشخصي للأمين العام كوفي عنان المكلف بقضية الصحراء لمشروع مقترحات جديدة تتضمن حلاً سياسيًّا للنزاع في أواسط يناير الماضي وصدور القرار الأممي 1463 القاضي بتمديد ولاية بعثة المينورسو حتى نهاية مارس 2003م، حدثت تطورات عدة في المنطقة ذات انعكاسات دالة على النزاع.. أبرزها:
تبلور فاعلية مغاربية بدءاً من انعقاد مجلس وزراء خارجية الاتحاد المغاربي في بداية يناير 2003م، ثم انعقاد اجتماع الدورة الخامسة لمجلس الشورى المغاربي بنواكشوط في أواسط مارس من العام الماضي بموازاة زيارة وزير الخارجية الجزائري للمغرب واستقبال الملك محمد السادس له، وإعلانه عن الاستعداد لتنظيم قمة بين كل من الملك محمد السادس والرئيس بوتفليقة، وإقدام الجزائر -من خلال أحد مسؤوليها- على الإعلان عن استمرار مشروع توسيع أنبوب غاز المغرب العربي - إسبانيا والذي دشن في 1996م، فضلاً عن التصريحات الإيجابية للمسؤولين العسكريين الجزائريين سواء منهم المتقاعدون (حالة الجنرال خالد نزار الذي أعلن أن الجزائر ليست في حاجة لدولة صحراوية جديدة، وهو تحول دال بالمقارنة مع ما نشره في مذكراته في سنة 1999م من أنه قدم إلى المغرب في صيف 1993م بصفته عضو المجلس الأعلى للدولة ووزيرًا للدفاع لتسلم أحد قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ عبد الحق العيادة، حيث أنتقد بحدة ما أدعاه من محاولة مغربية مقايضة التسليم بموقف سياسي جديد من نزاع الصحراء) أو الحاليين (حالة الفريق العماري رئيس أركان الجيش والذي قال في ندوة صحافية بثها التلفزيون الجزائري كاملة: ليس للجزائر ما تؤاخذ عليه المغرب الرسمي، ملكية الحكومة في الحرب التي تدور رحاها في الجزائر منذ 1992م بين السلطة والجماعات المسلحة)، وهي كلها تطورت جيدة.
الإنفراج السياسي في العلاقات المغربية - الإسبانية الذي مثل خطوة لموازنة التقدم الجزائري في إتجاه إسبانيا لا سيما بعد حصول تقدم من جهة فرنسا في إتجاه الجزائر بالرغم من كون إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين لم ينتج عنها تحول كبير في المواقف الإسبانية إزاء القضايا الحيوية للمغرب، إلا أنها أخذت تدفع الموقف الإسباني نحو الحياد النسبي، بما يجمد على الأقل، إستنزاف الجهود المغربية على صعيد الجبهة الإسبانية، خصوصًا أن إسبانيا أصبحت عضوًا بمجلس الأمن لمدة سنتين كما مكنت من تحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية.
الزيارات متتالية للمسؤولين الأمريكيين للمنطقة المغاربية والتقدم مستمر في العلاقات المغربية الأمريكية، سواء على مستوى دعم الحملة الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب أو على مستوى التقدم في المفاوضات من أجل إبرام اتفاق التبادل الحر بين المغرب وأمريكا رغم المعارضة الفرنسية والأوروبية التي أعلن عنها وزير التجارة الخارجية الفرنسي فرنسوا لوو أثناء زيارته الأخيرة للرباط - حيث صرح بوضوح «عليكم أن تختاروا بين الاثنتين» في مقارنة بين اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي من جهة، ومفاوضات اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة - ويمكن هنا التذكير بزيارة وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الأمريكي المكلف بشؤون الشرق الأوسط للدول المغاربية الثلاث والتي ركز فيها على الأولوية الأمريكية للتسريع باندماج هذه الدول في الحرب ضد الإرهاب وتقوية التعاون الأمريكي معها في هذا المجال، فضلاً عن حشد الدعم لحربها ضد العراق والتمهيد لمشروعها في تصدير الديمقراطية للعالم العربي، ولئن برز المغرب متقدمًا في هذه المجالات بالنسبة لباقي الدول المغاربية إلا أن ذلك لم يمنع من استمرار العزم الأمريكي على التقدم الاقتصادي والعسكري في اتجاه الجزائر، حيث تبلغ الاستثمارات الأمريكية في الجزائر أكثر من أربعة مليارات دولار تمثل فيها الاستثمارات في قطاع الغاز ما يقارب 90%، فضلاً عن الإعلان عن بيع معدات عسكرية أمريكية للجزائر.
تحسن العلاقات الفرنسية للجزائرية بعد زيارة بوتفليقة لباريس في بداية فبراير 2003م وبعدها الاستقبال الحاشد لزيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك للجزائر بداية مارس الماضي، وإقدامه على طرح مشروع شراكة بين البلدين تمثل إطارًا إستراتيجيًّا جديدًا للعلاقات، وتوقيع ثلاث اتفاقيات اقتصادية بقيمة 95 مليون يورو، والإعلان عن عودة الاستثمار الفرنسي للسوق الجزائرية والنجاح الجزئي لأعمال القمة الفرنكو - إفريقية بباريس في الأسبوع الثالث من شهر فبراير الماضي، وبروز دور فرنسي في دفع العلاقات المغربية الجزائرية نحو التفاهم والحوار لتسوية الخلافات القائمة بل والحديث عن ضغط فرنسي على الجزائر لمراجعة موقفها المتصلب من نزاع الصحراء المغربية، وهو ما كشف عناصر مواجهة باردة بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا في ترتيب أوضاع المنطقة، وتوجيه مسارات العلاقات بين مكوناتها، ومنافسة الرهان الأمريكي على جعل الجزائر بمثابة الحليف الأول في المنطقة المغاربية.
خلاصة التطورات السابقة أن المنطقة المغاربية مقبلة على تغيرات ذات طبيعة إستراتيجية تعيد التوازن للتقاطب الأمريكي - الفرنسي في المنطقة، كما تفتح الطريق أمام المبادرات الفرنسية بموازاة المبادرات الأمريكية في القضايا النزاعية داخل المنطقة، سواء في العلاقات بين دولها أو في تسوية التناقضات الداخلية لهذه الدول، وخصوصًا في حالة الجزائر التي احتدمت داخلها المعركة حول الانتخابات الرئاسية، أي أن المنطقة تعيش حالة مخاض ذات انعكاسات مستقبلية على قضية الصحراء المغربية، بفعل تبلور اتجاه نحو منح المغرب والجزائر الفرصة لإيجاد مخرج مقبول يرتكز على صيانة السيادة المغربية في إطار حكم ذاتي بصلاحيات موسعة بموازاة مراعاة المصالح الجزائرية في المنطقة، وهو اتجاه يتعارض مع المسار الذي يمهد له المقترح الأخير لجيمس بيكر والذي ما زال ينطلق من خلفية إستراتيجية أمريكية تدمج تسوية النزاع ضمن التصورات الأمريكية لمرحلة ما بعد العراق.
المقترحات الجديدة وانحراف مشروع الحل السياسي: ثمة خلط كبير بخصوص مقترحات المبعوث الشخصي للأمين العام كوفي عنان والذي يقدم على خلفية أنه حل سياسي يرمي إلى الخروج من معادلة منتصر، مهزوم في النزاع الدائر منذ أكثر من ربع قرن، ذلك أن المضامين التي أعلنت تكشف عن أن مشروع جيمس بيكر الأخير ليس إلا مشروعًا لإدامة النزاع أربع سنوات إضافية مع التقليص من عناصر السيادة المغربية على الأقاليم الصحرواية في أفق الإعداد لتنظيم استفتاء حول مستقبل المنطقة، بما ستصبح معه المنطقة في حالة حملة انتخابية مستمرة طيلة السنوات الأربع.
ورغم أن جولة بيكر في حينها قد تركت علامات استفهام كثيرة حول مستقبل التدبير الأممي لنزاع الصحراء بما تجددت معه الهواجس التي صاحبت إعلان المغرب في يونيو 2001م موافقته المبدئية على مشروع الاتفاق الإطار، واستعداده لدراسته، وهي هواجس انطلقت من كون المشروع يتضمن مقتضيات قد تهدد مستقبل السيادة المغربية على الصحراء لا سيما في ظل تشدد جبهة البوليساريو وتصلبها إزاء إبداء أي مرونة تجاه مشروع الحل السياسي للنزاع، فالملاحظ أن علامات الاستفهام هاته قد بدأت تتبدد مع الإفصاح الجزئي عن عناصر المشروع الجديد والذي يتجاوز أن يكون عبارة عن نسخة معدلة لاتفاق الإطار.
ورغم التكتم الذي رافق بيكر خلال مباحثاته بكل من أغادير بالمغرب والجزائر العاصمة، فإنه بعد محادثاته بمدينة تندوف جنوب الصحراء الجزائرية مع مسؤولي جبهة البوليساريو انكشفت المعالم الأولى للمقترح الجديد، وفي الوقت الذي عبّر فيه المغرب عن استعداده لدراسة المقترحات الجديدة أعلن البوليساريو رفضه لها، رغم أن الجو الذي تلى مباحثاته بالجزائر اتسم بالتعبير عن التفاؤل الجزائري بالمقترحات التي حملها بيكر.
من الناحية المبدئية، فإن المشروع بمثابة محاولة للجمع بين مطلبي اعتماد حل سياسي يتجاوز خطة الاستفتاء التقليدية، ومطلب اعتماد آلية لضمان تقرير المصير للسكان الصحراويين حسب ما صرح به ناطق باسم الأمم المتحدة قبيل جولة بيكر في المنطقة المغاربية، حيث ذكر أن بيكر سيقدم للأطراف «مقترح حل سياسي لنزاع الصحراء الغربية بمنح إمكانية تقرير المصير وفق ما طالب به القرار 1429 (30 يوليو) الأخير المجلس الأمن».
وقد تداولت وسائل الإعلام طيلة الأسابيع الماضية عناصر المشروع الأخير لجيمس بيكر بناء على تسريبات خارجية ومحلية دون الإفصاح عن النص المكتوب والذي قد يعلن في التقرير الأممي المقبل، ويمكن حصر أهم الأفكار المكونة في فيما يلي:
تقليص مدة المرحلة الانتقالية إلى أربع سنوات بعد أن كانت في المقترح الأصلي خمس سنوات، وستشرف على إدارة المرحلة الانتقالية الـهيئتان الأولى تشريعية (الجمعية التشريعية) والثانية تنفيذية (الحكومة المحلية)، وستجرى انتخابات الهيئتين خلال عام.
منح صلاحيات جديدة للهيئة التنفيذية للحكم الذاتي تتعلق بالمشاركة في السياسة الخارجية عبر النص في المقترح على مشاركة أعضاء من هيئة الحكم الذاتي في الوفود المغربية الرسمية للخارج عندما يتعلق الأمر بمناقشة قضايا سياسية أو اقتصادية تهم الأقاليم الصحراوية، مثل القضايا ذات العلاقة بالصيد البحري والتنقيب عن النفط وهي صلاحيات تضاف للصلاحيات العادية في مجال الحكم الذاتي والمتعلقة بقضايا الخدمات الاجتماعية والتسيير المحلي لشؤون المواطنين الإدارية والشؤون الثقافية والتعليم والتجارة والصناعة والصيد والزراعة والنقل والسكن والبنية التحتية الأساسية من كهرباء وماء وطرق، وإجمالاً سيكون للحكم الذاتي صلاحيات مقدرة في مجال الحكم المحلي والتنمية الاقتصادية والأمن الداخلي والميزانية المحلية والمسائل الاجتماعية والإدارية.
وفي المجال القضائي دعا المقترح إلى عدم تخرج قضاة الحكم المحلى من معهد الدراسات القضائية بالرباط، بل يتم تدبير هذا الأمر محليًّا.
وبخصوص الصلاحيات المتعلقة بالمغرب في علاقته بإدارة الحكم المحلي، فإن المقترح الجديد لبيكر نص على أن المغرب سيتولى صلاحيات في مجال السياسة الخارجية والأمن والدفاع الخارجي، والقضايا المتعلقة بحماية الحدود ورسمها بريًّا وبحريًّا وجويًّا، وشرعية مواجهة كل نزعة انفصالية من داخل أو خارج الصحراء، وكذلك قضايا العملة والعلم والجمارك والبريد والمواصلات وتنظيم إنتاج وحيازة واستخدام الأسلحة والمتفجرات.
حصر الهيئة الناخبة للهيئة التنفيذية لإدارة الحكم الذاتي في الأقاليم خلال الفترة الانتقالية من طرف قاعدة ناخبة ترتكز على نتائج عمليات تحديد الهوية التي أجريت في السابق، حيث ينص المقترح على أنه سيشارك في الانتخابات كل من وصل عمره 18 سنة والمعترف به كمصوت من طرف لجنة تحديد الهوية ويقدر عددهم بحوالي 86 ألف ناخب، بالإضافة إلى المسجلين في قوائم المفوضية العليا للاجئين والذين سجلوا إلى 31 أكتوبر 2000م، والمقدر عددهم كذلك بـ 160 ألف شخص.
إجراء استفتاء لتقرير مصير المنطقة بعد خمس سنوات يشارك فيه جميع المقيمين في منطقة الحكم الذاتي منذ 25 سنة، والذين أقاموا بصفة مستمرة منذ يناير 1999م، على أنه جرى تقييد هذا الحق بوجوب تقديم شهادة مؤيدة من ثلاثة أشخاص ذوي مصداقية ومسجلين في اللوائح التي حصرتها لجنة تحديد الهوية، أو عبر تقديم أدلة موثقة، وستشرف الأمم المتحدة عبر مراقبين دوليين على تنظيم الاستفتاء.
قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحصر لوائح المشاركين في كل من انتخابات الهيئات المسيرة للحكم الذاتي أو في استفتاء تقرير المصير، قرارات نهائية لا تقبل الطعن، وعند الخلاف فالمرجعية التحكيمية هي بيد الأمين العام للأمم المتحدة.
تضمن المقترح عدة مقتضيات تهم عودة للاجئين وإدماجهم في المنطقة، لا تختلف في العمق عن المقتضيات التي كانت مطروحة في الخطة الأصلية لإجراء الاستفتاء.
ينص المقترح على إعادة تمركز القوات العسكرية المغربية وحصرها في مناطق محددة مع تقليص أعدادها داخل الصحراء، وبالموازاة نص المقترح على إجراءات مماثلة بخصوص جبهة البوليساريو حسب ما كان في الخطة الأصلية للاستفتاء.
لقد تعرضت الصيغة الجديدة من مقترحات بيكر لانتقادات شديدة أهمها ما يلي:
أن جوهر المقترح لا يقدم حلاً نهائيًّا للنزاع، بقدر ما يؤجله سنوات إضافية على اعتبار أن الحسم النهائي سيكون بعد الاستفتاء والذي قد يغير الوضعية بشكل جذري، بل إن سنوات المرحلة الانتقالية ستكون عبارة عن حملة انتخابية تستبق العملية الاستفتائية، ذلك أن شروع الحل السياسي عندما طرح كخيار بديل من الخطة الاستفتائية ارتكز على فلسفة التفاوض بين الأطراف على حل سياسي يراعي المصالح المتبادلة، بحيث لا يكون هناك منهزم أو منتصر في النزاع، وهو ما لا تقدمه الصيغة الحالية لمشروع بيكر، بل يمكن القول إن هذا المشروع الجديد عمل على ترضية الطرف الآخر والاستجابة لعدد من اعتراضاته السابقة على مشروع الاتفاق الإطار وذلك على حساب المغرب.
أن المقترح تجاهل الطعون التي قدمت على أعمال لجنة تحديد الهوية والتي بلغت ما يناهز 150 ألف طعن مما يطرح شكوكًا كبيرة حول نزاهة الانتخابات المتعلقة بتكوين هيئات الحكم الذاتي.
تجاوز المنطق الخاص بالحكم الذاتي عبر تفويت قضايا سيادية تهم السياسة الخارجية ووحدة القضاء، مما يضرب في مبدأ الحل السياسي ويحول المشروع إلى مجرد مرحلة انتقالية لصالح المشروع الانفصالي.
تشديد التعقيدات المتعلقة بتحديد أعضاء الهيئة الناخبة في الاستفتاء، مما يفتح المجال لتكرار أزمة مسلسلات تحديد الهوية رغم أن المرجعية التحكيمية وضعت بشكل نهائي بيد الأمين العام للأمم المتحدة.
ترك قضايا معلقة ذات حساسية على مصير عملية التسوية النهائية وعلى رأسها القضايا الخاصة بسؤال الاستفتاء وإجراءاته التفصيلية، وهي إشكالات تشبه قنابل موقوتة في عملية التسوية.
ورغم إقدام البوليساريو على إعلان رفضها للمقترح الجديد، إلا أن المغرب لم يفصح عن موقفه منه مكتفيًا بالتأكيد على خياره في اعتماد حل سياسي للنزاع بما يكفل صيانة الوحدة الترابية، والتأكيد على أن الجواب النهائي ستتوصل به الأمم المتحدة، والذي سيتضمن دراسة مفصلة ودقيقة للمقترح.
الخلاصة أن المشروع الجديد يمثل محاولة واضحة لدفع المغرب نحو مزيد التنازلات تؤدي إلى ترضية الطرف الآخر، وذلك لصالح مشروع في الحل السياسي يترك جذور المشكلة قائمة، ولا يفعل شيئاً سوى تأجيلها واضحة لدفع المغرب نحو مزيد من تقديم الأربع سنوات إضافية.
الموقف الأمريكي ومستقبل قضية الصحراء
ارتبط مشروع البحث عن حل سياسي لنزاع الصحراء بالإرادة الأمريكية للتحكم في سير النزاع، وجعل عملية تصويته تخدم السياسة الأمريكية تجاه المغرب ورهاناتها على تقوية النفوذ الاقتصادي والعسكري لها في الجزائر، مما جعل احتمالات الضغط على هذه الأخيرة لتليين موقفها مسألة ضعيفة التأثير، وفي المقابل نجد أن اللوبي المؤيد للبوليساريو داخل الكونجرس زاد من حدة نشاطه مستغلاً المساهمة الأمريكية المقدرة في تمويل بعثة المينورسو في الوقت الذي لا تعرف عملية التسوية أي تقدم حقيقي مما يجعل هذا الإنفاق الذي تجاوز 550 مليون دولار منذ بداية التسعينيات بمثابة هدر، مما أدى لتبلور تقييدات تشريعية داخل الكونجرس تحد من التمويل الأمريكي لنشاط بعثة المينورسو الذي يبلغ شهريًّا ما يفوق 3,5 مليون دولار، وهي تقييدات تهدف إلى الضغط من أجل الإسراع في إجراء الاستفتاء دون إعطاء الفرصة لتبلور خيار الحل السياسي، ومن أبرز هذه التقييدات القرار رقم HR3427 الذي وقّع عليه الرئيس الأمريكي السابق في 29 أكتوبر 1999م.
وينبغي التذكير هنا بأن مشروع الحل السياسي خرج في البداية من عباءة الخارجية الأمريكية التي سبق لها منذ نهاية التسعينيات أن عملت على التسويق لهذا المشروع ودفع المغرب للاقتناع به ضمن رؤية تراعي التوازنات الإستراتيجية في المنطقة وأهمية الاستقرار العام لها، لما لذلك من انعكاسات بالغة على أمن واقتصاد جنوب أوروبا، إلا أن المسار الذي اتجهت فيه القضية أخذ يغير من هذا التوجه بما يخدم الإستراتيجية الأمريكية في تقوية نفوذها بالجزائر، وانضافت لهذا المعطى عدم الحرص الأمريكي على تسوية النزاع بشكل جذري سواء بالنظر للأولوية المعطاة للملف العراقي، أو بالنظر إلى أن الحسم الشامل للنزاع سيؤدي إلى إفقاد القوى الدولية مبررًا قويًّا لإدامة تدخلها في سياسات المنطقة وسوقًا مهمة للسلاح.
ولعل من الملاحظات الدالة التساؤل المثار حول توقيت جولة بيكر الأخيرة في المنطقة، والتي تمت قبل أسبوعين من انتهاء الأجل القانوني لتمديد ولاية بعثة المينورسو والذي صدر في 31 يوليو 2002م ومددها إلى غاية يناير 2003م، حيث إن جيمس بيكر انتظر مرور خمسة أشهر ونصف ليقوم بجولة يعلن فيها عن مشروع جديد، فماذا كان يفعل طيلة هذه الأشهر؟ وماذا سيفيد تمديد أجل بعثة المينورسو المدة شهرين إذا ما كانت مواقف الأطراف من أفق الحل السياسي لم تتغير؟
خلاصة
تكشف مجمل التطورات التي عرفها ملف الصحراء منذ مطلع السنة الجارية أن التدبير الأممي لقضية الصحراء مقبل على تحولات جذرية، حيث إن الصيغة الأخيرة لمشروع بيكر في الحل السياسي توشك أن تفقد الدعم لخيار التسوية السياسية للنزاع المغربي وترجح البحث عن بدائل أخرى، مما يجعل من الضرورة تشجيع شروط تفاهم مغربي جزائري في إطار من التكيف مع التطورات الدولية الراهنة، وهو ما سيجعل المسار المحتمل لقرار مجلس الأمن، الدفع في تمديد عمر ولاية المينورسو شهورًا إضافية دون أي أمل حقيقي في نجاح خيار التسوية الذي طرحه جيمس بيكر، مما يتطلب من دول المنطقة أن تراجع أولويتها وتعمل على فك الارتهان بهذا التدبير الأممي المختل وتعمل على تطويق المشكل في إطاره المغاربي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل