; التوراة المحرفة تدعو إلى إقامة المذابح ومنع السلام | مجلة المجتمع

العنوان التوراة المحرفة تدعو إلى إقامة المذابح ومنع السلام

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1986

مشاهدات 46

نشر في العدد 781

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 02-سبتمبر-1986

هل يرجى سلام مع إسرائيل ونصوص التوراة المحرفة تحذر شعب إسرائيل من إجراء أي معاهدة سلام مع سكان أرض فلسطين وما حولها؟

سياسة إسرائيل: حيثما وطئت أقدامك يا إسرائيل فهي أرضك.

لبنان في نظر اليهود هي أرض عاشو التي أعطاها الرب لإسرائيل.

إن سياسة إسرائيل منذ التخطيط لقيامها في مؤتمر عام 1898م إلى إعلان قيامها عام 1948 وما صاحبها من مذابح مروعة مثل دير ياسين وقبية ثم ما تلاها من مذابح ومجازر حتى مذابح صبرا وشاتيلا، تعتمد اعتمادًا كاملًا على نصوص التوراة المحرفة وبالأخص على سفر يشوع «سفر المجازر».

ولقد قرر بن جوريون تدريس النصوص التوراتية التي تؤكد حق إسرائيل في أرض فلسطين والأردن ولبنان وأجزاء من سوريا حتى حماة.. وعلى تلك النصوص التي تطلب من إسرائيل طرد جميع سكان الأرض التي تدوسها أقدام إسرائيل.. والأمر الرباني -المزعوم- بعدم السماح لأي فرد من سكان تلك الأرض بالبقاء فيها والأمر بإقامة المذابح لتلك الشعوب وإبادتها إبادة كاملة عن بكرة أبيها.

ومن ذلك ما جاء في سفر العدد «الإصحاح 31: 7-1» من التوراة المحرفة في قتال مدين (مديان): «فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر. وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم.. وأحرقوا مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار وأخذوا كل الغنيمة والنهب من السلب والبهائم وأتوا إلى موسى.. فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف ورؤساء المسنات، وقال لهم موسى هل أتيتم كل أنثى حية؟ فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلًا».

  • الوجه الحقيقي للمجتمع الإسرائيلي

وفي سفر يشوع الإصحاح السادس عند فتح أريحا: «وحرقوا كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف» «يسوع 6: 21».

ويزعمون أن الرب قال لهم: «ويكون عند أخذكم المدينة أنكم تعزمون المدينة بالنار» والمقصود بالمدينة (عاي)، ويصف الإصحاح الثامن من سفر يشوع بالتفصيل مذبحة عاي وكيف قتل يشوع وبني إسرائيل جميع سكان عاي وجميع من شرد منها وجميع النساء والأطفال والأغنام والأبقار.

ثم تتكرر نفس المذبحة الرهيبة بالنسبة لأورشليم وحبرون ولخيش وعجلون ومقيدة كما ضربها بحد السيف وحرق كل نفس حية فيها فقتل النساء والأطفال والشيوخ والعجزة وهكذا فعل بلبنة وجازر ودبير وحرمون... إلخ.

ويعتقد كثير من الباحثين أن معظم تلك المجازر أسطورية ويمثلون لذلك باحتلال أريحا، فهذا الاستيلاء مختلق من أساسه لأن علم الآثار كما يقول الأب دينو([1]) أثبت أن أريحا دمرت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ولم يكن لها أي وجود في عهد يشوع.

وكما يقول جارودي([2]): «وفي هذا تستخدم هذه التلفيقات التاريخية في المدارس الإسرائيلية لتنمية التعصب بين الشباب. ولقد قام العالم السيكولوجي ج تاماران الأستاذ بجامعة تل أبيب بالتجربة التالية: وزع الأستاذ على أكثر من ألف تلميذ ابتداء من الصف الرابع إلى الثامن (المرحلة الأولية في الدراسة) حيث تدخل دراسة سفر يشوع في المنهج، رواية مذبحة أريحا التي قام بها يشوع، ثم سأل التلاميذ السؤال التالي: لنفترض أن الجيش الإسرائيلي احتل قرية عربية في الحرب فهل يفعل مع أهلها ما فعله يشوع مع أهل أريحا؟ وتراوحت الإجابات بنعم بين 66 بالمائة و95 بالمائة حسب المدرسة والمستعمرة «كيبوتز» والمدينة. ولما كشف هذا الاستطلاع الوجه الحقيقي للمجتمع الإسرائيلي قامت الجامعة بفصل الأستاذ تاماران من قائمة أساتذتها».

  • لبنان أرض عاشو في نظر الصهاينة

وقد صرح أحد الحاخامات في جيش إسرائيل أثناء غزو لبنان «صحيفة هاآرتس في 5/7/1982» بما يلي: «علينا ألا ننسى أجزاء التوراة التي تبرر هذه الحرب فنحن نؤدي واجبنا الديني بوجودنا هنا (في أرض لبنان)، فالنص المكتوب يفرض علينا واجبًا دينيًا هو أن نغزو أرض العدو».

ويقول روجيه جارودي([3]) معلقًا على نصوص التوراة المحرفة التي تطالب بتوسيع أراضي إسرائيل وطرد جميع سكانها الأصليين وإبادة كل من يقاوم، بناء على العهود والمواثيق التي قطعها الرب مع إبراهيم ثم إسحاق ثم إسرائيل (يعقوب) ثم موسى ويوشع ... إلخ، يقول جارودي:

«لهذا يظهر الحاخامات في إسرائيل حماسًا جنونيًا لتوسيع حدود إسرائيل باستمرار ويبررون كل المغامرات العسكرية الدموية ومجازر صبرا وشاتيلا».

ولم يقتصر الحاخامات أثناء غزو لبنان على تشجيع الغزو ومباركته والسير داخل الدبابات وهم يتلون التوراة المحرفة بل قالوا إن لبنان هي أرض عاشو (اسم قبيلة) التي أعطاها الرب لإسرائيل. واعتبروا أن تدمير مدينتي صور وصيدا وكل بيروت بالقنابل ومجازر صبرا وشاتيلا هي عمل ديني يباركه الرب إله إسرائيل حيث أمر الرب يشوع بن نون بإبادة جميع الكنعانيين والشعوب الأخرى القاطنة في فلسطين والأردن وسوريا ولبنان.. وأمره الرب بألا يترك طفلًا ولا شيخًا ولا رجلًا ولا امرأة وأن يبيد الكل بما في ذلك البهائم: «اقتل أبيالك ... اقتل الكل الرجال والنساء والأطفال والرضع والأبقار والخراف والجمال والحمير» وأبومالك (أبيالك) هو ملك الفلسطينيين آنذاك وقال له: حرّم (أي اقتل) كل الحيثيين والعموريين والفرزيين كما أمرك الرب».

ويقول روجيه جارودي في كتابه إسرائيل الصهيونية السياسية:

«هذا التبرير التوراتي للقتل والإبادة، وهذا الإضفاء للشرعية على العدوانات المتتالية وضم أرض الغير من جانب الدولة الصهيونية الحالية التي يقدمونها على أنها الوريث الشرعي والامتداد الطبيعي لإسرائيل التوراتية، يجعل اليهود يرضون ويقبلون ما لا يمكن قبوله عقلًا، ويجعل كثيرًا من المسيحيين يعتقدون بصحة بعض الأقوال الكاثوليكية وبصحة أقوال مدارس «الأحد» البروتستانتية وهم يسيرون من غير وعي منهم على سنن الأسطورة الصهيونية (الموجودة في التوراة المحرفة) التي أثبت علم التفسير (والآثار المتعلقة بالمنطقة) منذ قرن وبخاصة في السنين الأخيرة عدم صحتها وفندها تفنيدًا».

  • أسطورة التوراة والتعبئة الصهيونية

ودلت الأسطورة «التوراتية» هنا على قوتها في تعبئة الصهيونيين (أي اليهود) فنرى الحاخام «العازار والدنان» يكتب في جريدة «نكودة» في مقال عنوانه «قوة الإنجاز» فيأتي بالسند الديني لسياسة شارون وبيجن مبديًا ما يؤيد أشد المشروعات الإمبريالية جنونًا ومفسرًا ذلك باستشهادات من التوراة، وموضحًا أن إسرائيل قد أثبتت باحتلالها لبنان أنها قادرة على إحلال عهد جديد في الشرق الأوسط بل تجاوز ذلك إلى القول بأن هذا بدء خلاص العالم (مشيرًا إلى قرب نزول المسيح الدجال وهو المسيح المنتظر في العقائد اليهودية لأنهم يعتقدون أن عيسى بن مريم أفاق كذاب أشر وابن زنا وأنه ليس المسيح والمسيح يأتي من نسل داوود ويحكم العالم بأكمله وتستعبد له كل شعوب الأرض».

ويعتمد قادة إسرائيل على ما ورد في التوراة المحرفة من أوامر الرب إلى إسرائيل، بإقامة المذابح المروعة لجميع الساكنين في أرض كنعان وما حولها التي وعدها الرب لإبراهيم ونسله من بعده إلى أبد الآبدين.

وتقول التوراة المحرفة سفر التثنية الإصحاح 20:

«وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة بل تحرمها تحريمًا (أي تقتل كل نفس فيها بما في ذلك الأطفال والشيوخ والنساء والبهائم) الحيثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك».

نعم هكذا.. حرب إبادة كاملة (جينوسايد) ومحارق (هولوكوست) تتصاغر أمامها ما يقال إن هتلر فعله باليهود..

فمذابح لبنان (كما يقول روجيه جارودي) وغيرها من المذابح التي تقوم بها أو ستقوم بها إسرائيل هي نتيجة طبيعية ومنطقية وحتمية لأيديولوجيتهم وللأساطير التي يؤمنون بها والموجودة فيما يسمى العهد القديم.

ولقد دعا بيجن وأنصاره إلى الحرب المقدسة بتأييد الحاخامات المتعصبين.. واستشهدوا بالنصوص المتكررة في التوراة المحرفة عن «شعب الله المختار» و«إسرائيل الابن البكر للرب» تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.. كما استشهدوا بالمجازر التي ادعوا كذبًا وبهتانًا أن موسى عليه السلام ويوشع وشاول وداود قاموا بها ضد الشعوب الساكنة في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا.

وجاء في سفر صموئيل «الإصحاح الأول: 15» ما يلي: «وقال صموئيل (النبي) لشاول (وهو طالوت الذي جاء ذكره في القرآن): إياي أرسل الرب لمسحك ملكًا على شعبه إسرائيل (يدعى الممسوح بالزيت مسيحًا) والآن فاسمع صوت كلام الرب: هكذا يقول رب الجنود، إني افتقدت ما عمل عماليق بإسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من مصر. فالآن اذهب واضرب عماليق وحرموا (أي اقتل كل نفس) كل ما له ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلًا وامرأة، طفلًا ورضيعًا، بقرًا وغنمًا، حملًا وحمارًا».

وتتكرر قصة المذابح في التوراة حيث تزعم هذه التوراة المحرفة أن موسى قد قام بالمجازر أولًا ثم تبعه بعد ذلك يشوع بن نون ثم تبعهما شاول (طالوت)، ثم جاء داود وأقام المحارق كما يزعمون وأوقد الأتون ورمى فيها جميع خصومه من نساء وأطفال وشيوخ ورضع وبهائم.

  • السلام المزعوم مع الصهاينة

فإذا كان الأنبياء بهذه الوحشية عندهم فإن ما يفعله بيجن أو شارون أو غيرهما من المجرمين يعتبر شيئًا تافهًا بالنسبة لتلك الجرائم السابقة.. وهم يعلنون صباح مساء أنهم يتقربون إلى الرب إله إسرائيل بدماء هذه الشعوب.. فهل يرجى سلام مع إسرائيل؟

هل يرجى سلام مع إسرائيل ونصوص التوراة المحرفة تحذر شعب إسرائيل من إجراء أي معاهدة سلام مع سكان أرض فلسطين وما حولها.

قال الرب: احفظ ما أنا موصيك اليوم، ها أنا طارد من قدامك الأموريين والكنعانيين والحيثيين والفرزيين والحويين واليبوسين. احترز من أن تقطع عهدًا مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فخًا في وسطك.. احترز من أن تقطع عهدًا مع سكان الأرض.

(سفر التكوين الإصحاح 34: 11-13).

وفي سفر العدد (الإصحاح 33: 50-55) جاء ما يلي:

»وحكم الرب موسى في عربات مواكب على أردن أريحا قائلًا: كلم بني إسرائيل وقل لهم: إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم.. تملكون الأرض وتسكنون فيها، قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها وتقتسمون الأرض بالقرعة حسب عشائركم.. وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكًا في أعينكم ومنافس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها».

وتحدد التوراة المحرفة حدود إسرائيل بصور مختلفة فتارة تتسع وتارة تضيق نسبيًا وأحيانًا تكون الحدود مطاطة حسب قدرة جيش إسرائيل.. فقد جاء في سفر التثنية (الإصحاح 11: 23-26) ما يلي:

«يطرد الرب جميع هؤلاء الشعوب من أمامكم فترثون شعوبًا أكبر منكم وأعظم منكم. كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم، من البرية ولبنان.. من النهر، نهر الفرات إلى البحر الغربي (هل هو نهر النيل كما ورد في مواضع أخرى أم البحر الأبيض المتوسط كما دلت عليه عبارات أخرى من التوراة؟) يكون تخومكم. لا يقف إنسان في وجهكم، الرب إلهكم يجعل خشيتكم ورعبكم على كل الأرض التي تدوسونها كما كلمكم».

جاء في سفر التثنية أيضًا (الإصحاح 20: 16-18):

«وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها فسحة. بل تحرمها تحريمًا (أي تبيد كل من فيها من الطفل الرضيع إلى الشيخ الفاني) الحيثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك إلهك».

ويوضح لهم الرب حسب زعمهم الفرائض التي ينبغي أن يعملها، وأهمها جميعًا «تخربون جميع الأماكن» سفر التثنية «الإصحاح 12: 1-2» قال الرب: هذه هي الفرائض والأحكام التي تحفظون لتعملوها، الأرض التي أعطاك الرب إله آبائك لتمتلكها كل الأيام التي تحبون على الأرض. تخربون جميع الأماكن».

وجاء في سفر التثنية الإصحاح 7 (من أوله لآخره):

«متى أتى الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وتطرد شعوبًا كثيرة من أمامك الحيثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، سبع شعوب أكثر وأعظم منك، ودفعهم الرب أمامك وضربتهم فإنك تحرمهم (أي تبيد كل نفس فيها من الرضيع إلى الشيخ ومن الرجل إلى المرأة وجميع البهائم) لا تقطع معهم عهدًا ولا تشفق عليهم.. لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك. إياك قد اختار الرب لتكون له شعبًا.. أخصّ من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض.. مباركًا تكون فوق جميع الشعوب.. وتأكل كل الشعوب الذين الرب إلهك يدفع إليك. لا تشفق عيناك عليهم ولكن الرب إلهك يطرد هؤلاء الشعوب من أمامك قليلًا قليلًا (هذه هي سياسة إسرائيل منذ أن قامت) لا تستطيع أن تفنيهم سريعًا لئلا يكثر عليك وحوش البرية، ويدفعهم الرب إلهك أمامك ويوقع بهم اضطرابًا عظيمًا حتى يفنوا. ويدفع ملوكهم إلى يدك فتمحوا اسمهم من تحت السماء. لا يقف إنسان في وجهك حتى تفنيهم».

وهكذا تتضح معالم سياسة إسرائيل: القتل والسفك والذبح لكل سكان فلسطين وما حولها.. دون وجود حدود دائمة.. حيثما وطئت أقدامك يا إسرائيل فهي أرضك.. وبما أنك لا تستطيع أن تبيد جميع الشعوب دفعة واحدة فإن الرب إلهك.. إله إسرائيل سيدفعهم ويطردهم من أمامك قليلًا قليلًا.. لكن الحذر أن تشفق على أحد منهم.. الحذر الحذر أن توقع معهم عهدًا.. لا سلام.. لا سلام ولا عهد مع هذه الشعوب حتى تبيدها جميعًا.. ولا يبقى في أرضك منهم إنسان واحد.

فهل يطمع العرب بعد هذه التعليمات التوراتية الواضحة بسلام مع إسرائيل؟

_________________

([1]) روجيه جارودي: إسرائيل الصهيونية السياسية، دار الشروق ص90 كما ينقله عنه.

([2]) المصدر السابق ص90.

([3]) المصدر السابق.

الرابط المختصر :