العنوان الثقة بالله في الرزق
الكاتب نبيل حامد المعاذ
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
مشاهدات 51
نشر في العدد 1126
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
كم أقعد الخوف على هذين- الرزق والأجل- كثيراً من الناس عن السير ولو خطوة والتكلم ولو بكلمة تقربهم من عز أو تباعدهم من ذل، أو تجلب لهم خيراً أو تدفع عنهم شرا، بل إن كثيرا من المسلمين ليخشون من العودة إلى شريعة ربهم لأن ذلك سيعرضهم لحصار اقتصادي: سيمنع عنهم رغيف الخبز ونرى منهم من يسكت عن الحق أو يغضى عن الباطل أو يحجب نفسه أو أبناء عن مجرد الالتزام بمظهر إسلامي خشية أن يفصل من عمله، أو يحال بينه وبين الترقي دع عنك أن يستدعى للشرطة فيسمع كلمة أذى أو يذوق سوط عذاب، ويا لتعب الخيال لو جال في ذهنه لحظة أن يموت في سبيل الله!! وإني لأذكر كلمة قالها أحد هؤلاء لابنه المتدين وهو يراوده عن الالتزام فقال له: يا بني ليس لنا إلا أنت والجاموسة: كلمة طريفة وصريحة من رجل بسيط قالها بلسان المقال ولكن كثيراً يقولونها بلسان الحال، وقد نرى من هؤلاء من يحفظ . عن ظهر قلب - قوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلقُوَّةِ ٱلمَتِينُ ﴾ (الذاريات: 58) بل قد يكون له حظ من الثقافة وقرأ في السيرة النبوية خبر الحصار الاقتصادي الذي فرض على المسلمين في شعب أبي طالب ثلاث سنوات وما زادهم إلا إيمانا وثباتا .أما المؤمن الرباني فقد أيقن أن رزقه بيد خالقه وحده، يتحرك وفي قلبه قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحمِلُ رِزقَهَا ٱللَّهُ يَرزُقُهَا وَإِيَّاكُم وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلعَلِيمُ ﴾ (العنكبوت:٦٠) وقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي - وفي رواية (تستكمل) - رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجعلوا في الطلب»([2]) - وروعي - بضم الراء أي قلبي وخاطري.ومن باب المصارحة والنصح أقول: إن كثيراً من الذين يعملون في الدول الغنية وأقبلت عليهم الدنيا واستطابوا ملذاتها قد استبد بهم الخوف على الرزق أكثر من غيرهم فترى أحدهم يفزع لو شم رائحة إلغاء عقده، بل الأخطر من ذلك أن تلك الآفة قد أصابت بعض أبناء الدعوة فنرى من يخاف أن يرجع إلى بلده وإن كان في رجوعه الخير لدينه والمسلمين وإلى نفسي وإلى هؤلاء أسوق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا إلا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله»([3])فيجب أن نجعل كل ثقتنا في الله سبحانه لا فيما معنا من دولارات أو دينارات . إلخ. ورحم الله الأعرابي الذي سمع قول الله تعالي: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزقُكُم وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرضِ إِنَّهُۥ لَحَق مِّثلَ مَآ أَنَّكُم تَنطِقُونَ ﴾ (الذاريات: ۲۳) فقال سبحان الله من الذي أغضب الحليم حتى حلف ؟! ولو أدرك هذا الأعرابي زماننا لزال عجبهوروى الإمام الطبري عن الحسن في تفسير هذه الآية قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدقوه» ([4]) ولنا القدوة الحسنة في إبراهيم - عليه السلام - لما ترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل في واد مجرد من أكثر أسباب الحياة، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال لها : نعم، قالت: إذن لن يضيعنا، وفى رواية عجيبة وردت في فتح الباري أن جبريل - عليه السلام - لما نزل وسألها من أنتما؟ فقالت له: نحن أهل إبراهيم، فقال لها : ولمن ترككما؟ قالت: لله فقال لها : لقد ترككما لكاف، ورحم الله المسلمة الصالحة التي خوفوها من ذهاب زوجها للجهاد، فقالت: قد عرفته أكالا وما عرفته برزاق، ولئن ذهب الأكال، فلقد بقى الرزاق وكذلك يجب أن يوقن المؤمن أن أجله بيد الله وحده يحدد زمانه ومكانه وطريقته بمحض مشيئته، وأنه لو استكان إلى فراشه الوثير فسوف يخرجه قدر الله إلى مصرعه الذي كتب عليه أن يموت فيه ﴿ قُل لَّو كُنتُم فِي بُيُوتِكُم لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ ٱلقَتلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِم ﴾ (آل عمران: ١٥٤) ويحذرنا الله سبحانه من هذا الاعتقاد الجاهلي الذي يخيل لأصحابه أن الموت قرين العمل لله والجهاد في سبيله.
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخوَٰنِهِم إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرضِ أَو كَانُواْ غُزى لَّو كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسرَة فِي قُلُوبِهِم وَٱللَّهُ يُحيِۦ وَيُمِيت وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير ﴾ (آل عمران ١٥٦). وفي خالد بن الوليد - رضي الله عنه . الدليل الواقعي على أن الأجل لا يقدمه إقدام ولا يؤخره إحجام، فيقول عند موته: ما في جسمي موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح وهاآنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء هذه الثقة واجه نوح - عليه السلام قومه: (إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ) (يونس: 71).
وبهذه الثقة انطلق قتيبة الباهلي - رضي الله عنه - يضرب يمينا وشمالا في مجاهل الصين، فيقول له أحد مساعديه أيها الأمير كيف تتوغل في هذه الأماكن المجهولة؟ فيقول: أتوغل بثقتي في الله: فيقول له: أما تخشى الموت؟ فيقول له: إذا انتهت المدة لم تنفع العدة نسأل الله الكريم أن يملأ قلوبنا وعقولنا ثقة فيه سبحانه..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل