; الثورة الزرقاء.. أزمات المياه وأخطار الصحة في آسيا | مجلة المجتمع

العنوان الثورة الزرقاء.. أزمات المياه وأخطار الصحة في آسيا

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2000

مشاهدات 64

نشر في العدد 1411

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 01-أغسطس-2000

  • 1% فقط من المياه العذبة الموجودة في الأرض يتنافس عليه الإنسان والحيوان والنبات.

  • تتعرض أعداد كبيرة من الناس لأخطار صحية ووفيات بسبب المياه غير الصالحة للاستخدام مما يهدد الأمن البشري.

  • ظهرت أنظمة توزيع المياه في بعض البلدان النامية نتيجة لاعتبارات سياسية لا حسب تصور استراتيجي شامل. وفي مثل هذه الحالة تتحول المياه إلى سلعة سياسية.

  • أكثر من 70% من القوى العاملة في إندونيسيا تعمل في الزراعة لكنه قطاع مهمل.. نصف سكان العالم يعيشون في آسيا على الرغم من أنها لا تمثل إلا 16% من مساحة اليابسة.. وهذا التحدي السكاني يؤثر على الأمن المائي.

  • تتزايد استخدامات المياه لأغراض الصناعة على حساب الزراعة فألف طن من المياه تعود على الفلاح الصيني بمائتي دولار فقط بينما تجلب لصاحب المصنع ١٤ ألف دولار.

  • ٢٠٪ من المياه المستهلكة في الزراعة تضيع دون فائدة وقد ترتفع النسـبة إلى 63%.

  • زادت العواصف الرملية ٢٠ ضعفًا عما كانت عليه قبل ٤٠ عامًا فزادت معدلات التصحر في الصين ۱۸ ضعفًا.

أزمات المياه لا تخص مناطق الجفاف في إفريقيا وحدها، وليست أخطار الصراع الداخلية والدولية بسبب «النفط الأزرق» من ملفات منطقة الشرق الأوسط وحدها، ففي آخر تقارير بنك التنمية الآسيوي الصادر في اجتماعه السنوي في بانكوك في مايو الماضي حذر البنك من أخطار أزمة المياه في آسيا التي ستتعمق في ربع القرن المقبل قائلًا: «إن الانخفاض المستمر في إمدادات المياه في الدول الآسيوية النامية وفي نوعيتها يهددان بـ «مأساة» إنسانية عامة في المنطقة، عندما تزيد الكارثة في تعميق الفقر وتخفض من مستوى المعيشة اليومية، وتشعل وقود الصراعات السياسية». في هذه الدول لا يزال ٨٥٠ مليون نسمة يفتقرون للمياه النظيفة الصالحة للشرب، كما يفتقر مليارا نسمة للمياه الصحية لاستخدامات غير الشرب، واعتبر التقرير درجة نقص المياه في آسيا الأكثر حدة في دول العالم مقارنة بعدد السكان، وقدر كلفة المشاريع المائية التي تحتاجها آسيا في السنوات العشر المقبلة بـ ٧٠ مليار دولار كل عام، لتقليل الفارق بين حجم المياه المستهلكة وتصريفها وتوزيع المياه النظيفة. 

وهكذا تبرز قضية أمن المياه في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وكما نعلم يعد الماء ثاني أهم نعمة من نعم الله بعد الأوكسجين، والتي دونها لا يمكن للإنسان العيش ويتزايد الطلب على المياه مع تسارع النمو السكاني، ومع عدم ظهور مصادر جديدة للمياه بنفس نسبة ارتفاع الطلب عليها، وقد بدأ الكثير من الدول يواجه أزمات مياه من فترة لأخرى، أو حتى بشكل مزمن في بعض المناطق لعوامل متزامنة كانت أسبابًا لهذه الأزمات، ومن ذلك النمو الزراعي وحركة التحول الصناعي وبناء المدن الجديدة وتوسعة القديمة منها، كما ظهرت عوامل مناخية أخرى في السنين الماضية مما عرف بظاهرتي مواسم «ال نينو» وال« لا نينو» ويتسبب التغير في المناخ في بروز ظواهر موسمية جديدة تكون سببًا جديدًا لنقص المياه، وقد واجهت بعض الدول جفافًا مميتًا هدد الإنتاج الزراعي وأثر في توافر الغذاء على المدى المتوسط والقريب كما حصل في إندونيسيا وبابوا «غينيا الجديدة» ودول شبه القارة الهندية.

ويقول بنك التنمية الآسيوي: « ولكن الأمل في مستقبل أفضل يكمن في ثورة تزيد من إنتاجية المياه بتحسين طرق استخدامها كما فعلت الثورة الخضراء التي أعلنت لزيادة إنتاجية الأراضي الزراعية، وهو ما يسميه العديد من علماء ومخططي الثروة المائية في العالم بـ «الثورة الزرقاء» وذلك بهدف تعزيز فاعلية استخدام المياه النظيفة وخاصة في مجال الزراعة، وكانت الثورة الخضراء في آسيا التي بدأت منذ الستينيات من القرن الماضي قد زادت حجم الإنتاج الزراعي ولكن على حساب الاستخدام غير الرشيد لمصادر المياه، ويقترب موقف علماء وخبراء المياه من الإجماع على ضرورة نهج أساليب جديدة في العقود الثلاثة المقبلة تتصف بالتكامل بين المناطق والقطاعات المختلفة التي تستخدم المصدر المائي نفسه، وبتحسين استهلاك المصانع والمزارع للمياه، وهو أمر ممكن ففي اليابان وبعد اتباع فنيات وتقنيات مستحدثة انخفض الاستهلاك الصناعي للمياه بنسبة ٢٥ ٪ مع أن الإنتاج الصناعي قد ارتفع في الفترة نفسها لكن معظم الدول الأخرى ومن قبل التحول الصناعي تفتقد تقديم محفزات للمزارعين لترشيد استهلاكهم المائي.

أمن المياه: المخزون مقابل المتوافر: 

يعد حجم المياه الصالحة للاستخدام البشري ضئيلًا مقارنة بكمية المياه المالحة التي تقدر بنسبة ٩٧,5% من المياه في الكرة الأرضية في البحار والمحيطات، أي أن النسبة المتبقية المياه العذبة ٢,5% منها تحت غطاء مجمد أو على شكل جليد او كرطوبة في التربة أو أنها في أحواض عميقة جدًا، ومن الصعب الوصول إليها واستخراجها وهذا يعني أن 1% فقط من المياه العذبة في هذه الأرض متوافر للاستخدام البشري والزراعي والحيواني. وفيما يخص توافر المياه يفرق الخبراء بين مشكلتي «الضغط المائي»، مقابل «ندرة المياه».

 ويقع الضغط المائي عندما يقل الحجم المتوافر من المياه للفرد الواحد في بلد ما عن مستوى ۱۷۰۰ متر مكعب سنويًا. وعندما يصل معدل المياه المتوافر للفرد الواحد ما بين ۱۰۰۰ و۱۷۰۰ متر مكعب فإن نقصًا في المياه المتوافرة للاستهلاك سيحدث من فترة إلى أخرى، ولكن عندما ينخفض المعدل إلى أقل من ۱۰۰۰ متر مكعب للفرد سنويًا تكون «ندرة المياه» التي تهدد الإنتاج الغذائي والتنمية البشرية والاقتصادية. ويعاني اليوم ٣١ بلدًا في العالم أو ما يمثل 8% من مجموع سكان الأرض من نقص حاد في المياه أو بمعنى آخر حالة «ندرة المياه» ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى ٤٥ بلدًا يواجهون تلك الأزمة مع حلول عام ٢٠٢٥م.

وعندما نحلل حجم المياه العذبة وعلاقة ذلك بالاستهلاك البشري نقف أمام مفهومين: «المخزون» مقابل «المتوافر» منها. أما المخزون فهو الوجود الفيزيائي لمصادر مياه كافية، فيما يشير مفهوم المياه المتوافرة إلى حجم المياه التي تصل لمجموعة بشرية في بلد معين أي ما يحصلون عليه بالفعل من ذلك المخزون الذي أودعه الله سبحانه وتعالى في الأرض، وهذا يعني أن هناك مشكلتين وراء أزمتي ضغط المياه أو ندرتها بين المخزون والمتوافر، ويعتمد عامل المياه المخزونة على عوامل جغرافية وبيئية كموقع البلد والثروات المائية التي فيه والمناخ والتلوث.. لكن عامل توافر المياه متصل بالإنسان المستهلك وحجم زراعته المعتمدة على المياه المتوافرة ومدى نجاح نظام توصيل المياه إلى السكان، وهذا عامل سياسي داخلي، كما أن هناك عاملًا خارجيًا مرتبطًا بالترتيبات التي ترتبط بها تلك الدولة مع الدول الجارة التي تشترك معها في مصدر مياه واحد، ولذلك عندما نسأل هل لدينا أزمة مياه في منطقة كذا؟ علينا أن نعيد صياغة السؤال لتعيين المشكلة الحقيقية فهل المياه المخزونة قد نفدت؟ أم أن المشكلة تكمن في أسلوب استغلال البشرللمياه؟!

مخزون المياه في آسيا:تشهد آسيا اليوم أزمات مياه تتفاوت ما بين ضغط أو ندرة وخاصة في الدول ذات الكثافة السكانية كالصين، ودول شبه القارة الهندية. ففي الصين وبالرغم من أن مصادر المياه غزيرة، فإن أسلوب توزيعها فاشل في كثير من المناطق التي يعاني فيها السكان لا من عدم وجود مخزون مياه ولكن من عدم توافره بين أيديهم. فمعدل هطول الأمطار في الصين يتفاوت ما بين ۲۰۰ملم في المناطق الصحراوية الداخلية إلى ۲۰۰۰ملم على طول السواحل الجنوبية ولكن أزمات المياه في بعض المدن شديدة، فمن بين ٦٤٠ مدينة صينية تعاني ۲۰۰ منها أو أكثر من نقص في المياه النظيفة التي أصبحت من ضرورات الصناعة، ومع ذلك فهي تتناقص يومًا بعد يوم. وفي كل يوم ترمى آلاف الأطنان من النفايات البشرية والصناعية والزراعية في أنهار الصين وبحيراتها وخزاناتها، وهو سلوك موجود بشكل واضح في دول المنطقة، وتعد العواقب الاقتصادية لنقص المياه في الصين خطيرة فهو يتسبب في خسارات صناعية تقدر بـ ١٢٠ مليار يوان «۱۱.۲ مليار دولار» بسبب انخفاض الإنتاج الصناعي كل عام كما تقدر الخسائر البشرية من ناحية الرعاية الصحية بسبب نقص المياه بـ ٤١,٧٣ مليار يوان « 3,9 مليار دولار» سنويًا.

وفي الهند تشهد مدنها الصورة نفسها، ففي عام ١٩٩٨م حذر وزير هندي من أن متوسط المياه المخزونة للفرد الهندي في تناقص بسبب النمو السكاني والتحول الصناعي السريع، وقال الوزير للبرلمان الهندي إن ذلك قد يصل إلى ١٥٠٠ متر مكعب للفرد عام ۲۰۲٥ مقارنة بـ ۲۲۰۰ متر مكعب عام ۱۹۹۷ و ۵۳۰۰ متر مكعب عام ١٩٥٥م، وقد أكد الكثير من الباحثين الآسيويين إمكان حدوث الخطر ذاته في الدول الآسيوية الأخرى وهو ما سيكون له بالغ الأثر على أمن الغذاء في آسيا في وقد تتجه وزارات الزراعة فيها إلى زيادة الإنتاج الزراعي اعتمادًا على أساليب ري صناعية.

وبشكل عام تعد معدلات المياه المخزونة في آسيا الأكثر انخفاضًا بين قارات العالم فهي تتفاوت ما بين ۱۸۰۰ متر مكعب في بعض مناطق باكستان إلى ۲۰۰ ألف متر مكعب في بلد مثل بابوا «غينيا الجديدة» لكن الصين والهند اللتين سيصل تعدادهما إلى ١,٥ مليار نسمة، و١,٤ مليار نسمة على التوالي عام ۲۰۰٥ هما أكثر البلدان الآسيوية مواجهة لتحدي انخفاض كميات المياه المخزونة ففي ذلك العام من المتوقع أن ينخفض حجم المياه المخزونة للفرد الصيني إلى ۱۸۰۰ متر مكعب وللفرد الهندي إلى ۱۵۰۰ متر مكعب.

المياه المتوافرة:

طالما قرأنا عن مشكلة المياه ويلاحظ القارئ أن الفكرة الأساسية التي يتم التركيز عليها هي عدم وجود مخزون كاف من المياه، وهذا صحيح في حالة تلويث المخزون من أنهار وعيون صافية أو نفادها فعلًا، ولكن في حالات كثيرة تكمن الأزمة في عدم توافر المياه لاستهلاك مواطني بلد معين. «وهنا تتحول المشكلة إلى قضية ضعف الاستثمار الحكومي وكذا القطاع الخاص، وضعف الإرادة السياسية لحل حقيقي ووضع ملف المياه على رأس قائمة الأولويات ضمن ضرورات عيش فقراء البلد وفي مثل هذه الدول فإن مشكلة المياه من صنع الإنسان الذي لو كانت لديه الإرادة الحقيقية لما كانت هناك مشكلة اسمها عدم توافر المياه...».

 وتتعلق مشكلة «توافر المياه» بشكل عام بمستوى التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لبلد ما، فالدول الصناعية في آسيا ومنها اليابان وسنغافورة وتايوان لا تواجه مشكلات مياه بالقدر نفسه الذي تواجهه الدول الأخرى، وأما الدول الأقل تنمية والأكثر سكانًا كالهند والصين وبنجلاديش وإندونيسيا فهي تواجه ذلك كتحدٍ من التحديات الحاضرة والمستقبلية وخاصة في الأقاليم الفقيرة والنائية.

 المياه قبل السياسة والاقتصاد:

 ليس هناك حق آخر إنساني لسكان دولة في السياسة والاقتصاد وغيرهما يمكن الحديث عنه قبل توافر المياه لهم جميعًا، ومن اللازم التركيز على ذلك في رأس الحقوق الإنسانية دوليًا. لكن من المؤسف أن نجد حق توصيل المياه النظيفة أو الكافية للمواطن من الأمور المتأخرة في قائمة أولويات بعض الدول النامية والفقيرة التي يتصور بعضها أن ذلك من كماليات اهتمامات الدولة، والمشكلة في كثير من هذه الدول أنأنظمة توزيع المياه ظهرت كنتيجة لاعتبارات سياسيةمحلية وليس كنتيجة لتصور استراتيجي شامل، ولذلك لاتحكم قوى السوق أسعار المياه ولكنها الضغوطاتالسياسية المحلية والإقليمية أحيانًا، ولذلك ففي مثل هذه الحالة تتحول المياه إلى «سلعة سياسية».

وكان الكثير من الدول الآسيوية قد لجأت فيالعقود الماضية إلى استنزاف المياه الجوفيةالتغطية حاجتها التي لم تكفها المياه السطحية، لكن ثمن «سوء الإدارة المائية» بدأت تدفعه الأجيال في هذه السنوات فأحواض المياه في شمال الصين انخفضت عمق ٦٠ مترًا في الثلاثين عامًا الماضية وانخفضت أحواض المياه في الهند بمعدل متر كل عام، ولم تصل مياه النهر الأصفر إلى البحر الأصفر في ٢٢٦ يومًا من أيام عام ١٩٩٧م، وأصبح من النادر أن تصل مياه نهر أمو إلى بحر الأرال الذي انخفض إلى نصف حجمه الأصلي، ولذلك يعتقدالبعض أنه حتى مع اتباع أساليب إدارة مائية ناجحة فإن البحث عن مصادر جديدة ستكون منمهام الحكومات في العقود المقبلة.

العوامل المؤثرة في أمن المياه:

هناك عدد من العوامل المؤثرة في أمن المياه تتفاوت أهميتها من دولة لأخرى، ومن منطقة لأخرى، كما تتفاوت علاقتها بأمن الغذاء، ومن هذه العوامل:

۱- الزراعة وهي أبرز القضايا المؤثرة على أمن المياه فالخبراء يحذرون من أن تزايد المياه يهدد الإنتاج الزراعي كما أن الحاجة الزراعية للمياه المتناقصة في دولة ما يجعلها في خطر أمني بسبب الماء فحجم المياه التي ستحتاجها دول العالم في هذا القرن للري سيكون أعلى من التوقعات السابقة، فيما تظهر من أن لأخر أزمات جديدة هنا وهناك، وكانت «الثورة الخضراء» للإنتاج الزراعي في كثير من دول آسيا والعالم قد زادت حجم الأرض المزروعة، ولكن باعتمادها بالطبع على أساليب ري قد لا تكون مناسبة، فكثير من الدول النامية لم تهتم بالبحث عن أسلوب ري يستهلك الماء بكميات أقل، وينتج المطلوب من المحاصيل في الوقتالذي يستهلك في العالم 70% من المياه العذبة على ري المزروعات، وآسيا ليست استثناء فـ ٣٥ ٠ ٤٠ من الأراضي المزروعة تسقى بأساليب ري مختلفة والنسبة الباقية بمياه الأمطار وهذه الأرض المروية تنتج 60% من مجموع ما يتوافر من إنتاج زراعي للآسيويين بل إن نسبة استهلاك المياه على الري في آسيا أكثر من المستويات العالمية فقد استخدمت 80% من المياه النظيفة في الري في أغلبية الدولالآسيوية.

من هنا يتضح أن الحاجة المتزايدة للغذاء عامل محدد رئيس لأهمية توافر المياه بحجم كاف، ففي الصين مثلًا ينمو السكان بشكل يُحتم على الدولة أن تعمل على زيادة إنتاج المحاصيل ولكن ٧٠٪ من الإنتاج الزراعي الإضافي في الـ ٢٥ - ٣٠ عامًا القادمة لن يمكن إنتاجه بدون مشاريع ري، ولأن الري مكلف خاصة بسبب عدم فاعلية أساليبه فإن ذلك من السهل أن يزيد في أزمة نقص المياه للاستهلاك البشري، ففي بعض المناطق تهدر نصف كمية المياه الموجهة للمزارع بتبخره أو إسالته خارج المزارع المستهدفة.

وتبرز مشكلة الري على وجه الخصوص في ٦ دول آسيوية على الأقل وهي الصين إندونيسيا، الهند، کوریا، باکستان، سریلانكا؛ حيث تعتمد أكثر من 30% من الأراضي المزروعة فيها على الري، هذا بالإضافة إلى دول آسيا الوسطى. فالري سلاح يزيد الإنتاج الزراعي ولكنه مصدر خطورة لو أسيء اختبار تقنياته وفنياته. والمياه التي يساء إدارتها قد تتحول إلى عامل تعرية أو تتسبب في إشباع التربة لحد الإفراط أو ملوحتها وغير ذلك مما يضعف خصوبة التربة وقدرتها على الإنتاج كما قد يتسبب ذلك في تلوث المياه وظهور أمراض تتطفل على المياه الراكدة. وقد أقرض بنك التنمية الآسيوي ١٥.٧ مليار دولار لمشاريع المياه في آسيا كان منها 33% لبناء أنابيب وترع الري، لكن الأداء كان أقل منالمتوقع.

۲- التحول الصناعي يؤثر مستوى التحول الصناعي في بلد ما على أمن مياهها، فربع استهلاك المياه في العالم يصرف في المصانع وتوابعها وترتفع النسبة في الدول الصناعية متفاوتة ما بين ٥٠ - ٨٠٪ من مجموع ما يستهلك فيها من مياه وتنخفض النسبة في الدول النامية إلى ما بين ١٠ – 35% فالأنشطة الصناعية تحتاج إلى الكثير من الماء للغلي والتبريد والتنظيف والتكييف وتحويل المواد الخام والنقل وإنتاج الطاقة، ومع اتجاه الدول النامية وتقدم بعضها في موجة التحول التصنيعي التقني سيتزايد الطلب على المياه النظيفة. 

ولكن هناك جانبًا إيجابيًا للاستهلاك الصناعيللمياه ليس له ما يماثله في الاستهلاك الزراعي إلا بنسب ضئيلة وهو إمكان إعادة استخدام المياه المستهلكة، وفي بعض الدول الصناعية يتم ذلك حسب قوانين معينة لتفادي تعرض المستهلك الثاني للمياه لتلوث صناعي، ولكن هذا التوجه ما يزال غير ظاهر في معظم الدول النامية وفي آسيا كذلك التي تبني مدنًا صناعية جديدة وتتفاخر بارتفاع إنتاجها الزراعي دون الانتباه لاحتمالات نقص المياه في أي لحظة، أو الأخذ بعين الاعتبار خلال مراحل البناء خطة معينة لإعادة استهلاك المياه مرة أخرى بعد تصفيتها. وفي الوقت الذي تستمر الدول الصناعية في تطوير تقنيات تقلل من استهلاك المياه في المصانع تتزايد كميات المياه المستخدمة في مصانع الدول النامية.

3-البيئة: العوامل البيئية كالمناخ والتلوث البيني لها تأثيرها، فكثير من الدول تلقي بالنفايات الصناعية والبشرية في الأنهار والبحيرات لتحولها  إلى برك قاذورات لا يمكن الاستفادة منها، ففي الدول النامية تصرف 90-95% من مياه التصريف والمجاري و75% من المياه المستهلكة في المصانع إلى المسطحات المائية دون أي معالجة مسبقة، وهو ما يتسبب في تلوث مصادر مياه أخرى. وفي كثير من مناطق آسيا تقف قضية التلوث عائقًا أمام الاستفادة من كميات كبيرة من المياه. ففي كوريا الجنوبية مثلًا. يرمي أكثر من ۳۰۰ مصنع نفايات دون إذن قانوني في نهر ناكتونج، وفي الصين لوث ما يقارب 75% من الأنهار بحيث لم تعد الأسماك قادرة على العيش فيها، وأما في الهند فإن أنهارها الـ ١٤ الرئيسة ملوثة لأسباب أهمها أنها أصبحت تحمل ٥٠ مليون متر مكعب من مياه التصريف والمجاري إلى السواحل البحرية كل عام، ففي نيودلهي وحدها ترمى ۲۰۰ مليون لتر من مياه التصريف و۲۰ مليون لتر من النفايات الصناعية في نهر يامونا الذي يمر داخل المدينة، وتتكرر الحالة في تايلاند وماليزيا حيث ترمي المصانع نفاياتها ما يلوث ويسمم الأنهار.

عامل بيئي آخر يؤثر في أمن المياه في آسيا هو التغير في المناخ وسخونة الأرض مما يتسبب في مواسم جفاف في مناطق غزيرة المطر أو موسم أمطار غزيرة في مناطق قليلة المطر، ففي عام ۱۹۹۷م اجتاحت ظاهرة مناخ الـ «لي نينو» دول جنوب شرق آسيا مما تسبب في نقص في معدل الأمطار بل إن السماء لم تمطر لأشهر في بعض المناطق في شهور اعتاد الناس فيها على المطر الاستوائي الغزير كما حصل في تايلاند وماليزيا وسنغافورة بين شهري مايو ونوفمبر من ذلك العام. 

وفي الفلبين اضطرت ۲۰۰ ألف عائلة من مناطق المسلمين في مينداناو للهجرة إلى المدن، بعد أن جفت المياه في قراهم وتدمرت زراعتهم، وفي إندونيسيا انخفض إنتاج الأرز وهو الغذاء الرئيس للسكان وزاد حجم المستورد منه بسبب ذلك عام ۱۹۹۸ م وكانت النتيجة نفسها في بابوا غينيا الجديدة التي استعانت بأستراليا لتمدها بمعونات غذائية بعد جفاف مزارع فلاحيها بعد أن كانت أرضهم من أكثر مناطق آسيا تخزينًا للمياه.

 تعرية التربة عامل آخر يهدد توافر المياه فالدول الآسيوية تشهد موجة تمدن ببناء مناطق جديدة في مدنها القديمة وبناء مدن جديدة بعد تقطيع الأشجار والغابات وهذا يقلل مساحة الأراضي التي تحافظ على المياه وتمتصها كما يحصل في الهند، فعندما تعرى الأرض وتقل مساحة الأرض الخضراء تضعف قدرة التربة على امتصاص المياه حتى في المناطق ذات الأمطار الغزيرة ولذلك ففائدة الأمطار تقل عندما تهطل على المدن مقارنة بهطولها على المناطق الخضراء، وفي الصين ينخفض ارتفاع أحواض المياه التي تمد المدن ما بين متر إلى مترين كل عام، كما جف ثلث آبار كثير من المدن، ولذلك فإن أكثر من ۱۰۰ مدينة في غرب الصين وشمالها تعاني من أزمات مياه قد تكون حادة جدًا في بعض المدن، وكثير من العواصم الآسيوية الكبرى غير مؤهلة للتكيف مع عدد السكان المتزايد من ناحية توفير المياه النظيفة وتصريف المستهلكة منها مثل جاكرتا وكراتشي ومانيلا وبانكوك.

وأما تقطيع الغابات فهو مؤثر سلبي رابع فمساحة الغابات في آسيا مجتمعة تنخفض بنسبة1% كل عام. أعلى المعدلات وأخطرها في إندونيسيا التي تقطع الأشجار فيها بمساحة ما بين ٦٠٠ ألف هکتار و۱.۳ ملیون هکتار سنويًا لأسباب كثيرة أهمها تقطيع الأشجار وبيعها بشكل غير قانوني للمصانع أو المستوردين من دول أخرى وكذلك لتحويل الغابات بعد تقطيع أشجارها إلى مزارع لزيت النخيل والمطاط وغيرهما. وفي كمبوديا انخفضت مساحة الغابات فيها من 70%من مساحتها الكلية في أواخر الستينيات إلى 35% فقط الآن، وفي تايلاند قلت مساحة الغابات من 50% من المساحة الكلية للبلاد عام ١٩٦١ إلى ۲۸ فقط الآن. وتعد ظاهرة تقطيع الأشجار لأغراض تجارية من الكوارث البيئية الخطيرة التي تهدد باختفاء الغابات لو استمرت سرعة التقطيع على هذه الوتيرة وهو ما يهدد الأمن المائي، حيث تحفظ الأشجار التربة من مواسم الجفاف أو الأمطار الشديدة، كما أن تعرية الأراضي من أشجارها الخضراء يعري التربة ويهدد بتصحر مساحات شاسعة لم يعهد أن كانت صحراء من قبل. 

٤-العوامل الديمجرافية: عندما ننظر في سيناريوهات أمن المياه في المستقبل من الضروري ان نراقب توجهات النمو السكاني. ففي بداية القرن العشرين كان عدد سكان العالم ١.٦ مليار نسمة وقد بلغوا ٥.٣ مليار عام ۱۹۹۰ وهي زيادة بنسبة 330% ويرتفع عدد السكان سنويًا بمعدل ۸۰ مليون نسمة وعلى هذا المنوال من الممكن أن يبلغوا ٨ مليارات نسمة عام ۲۰۲٥ نصفهم في آسيا لكن الجدل يدور حاليًا حول عدم حتمية استمرار هذا النمو البشري بهذا الشكل فالكوارث الطبيعية والحروب والأمراض وتراجع نسبة الخصوبة وأمور أخرى يجهل وقوعها العقل البشري قد تغير السيناريوهات المتوقعة سابقًا أو تبطئها. لكن الذي يهمنا أن ما يقارب من نصف سكان العالم يسكنون في آسيا بالرغم من أن القارة لا تشكل إلا 16% من مجموع مساحة اليابسة في العالم وهذا التحدي السكاني يؤثر بشكل مباشر على الأمن المائي في آسيا.

ومما يزيد الوضع سوءًا أن آسيا تحتضن ثلثي فقراء العالم ومنهم ٥٠٠ مليون نسمة في دول شبه القارة الهندية وحدها وهو ضعف العدد نفسه في إفريقيا وكذا مئات الملايين في الصين وإندونيسيا والفلبين وغيرها ...

عوامل الحفظ والصيانة: يتفق كثير المحللين على أن أحد أهم العوامل المساعدة على تحقق الأمن المائي هي حجم المياه التي تستهلك أو تلوث أو تضيع في البلد الواحد، فعندما تستهلك المياه بشكل فاعل زراعيًا وصناعيًا وبشريًا فإن ذلك يقلل من كمية الاستهلاك، ففي كثير من أنظمة الري لا تمتص التربة إلا ٣٧ - ٤٠٪ من المياه المستخدمة في قنوات وأنابيب الري والنسبة الباقية تضيع بلا فائدة، وكما تؤكد منظمة الغذاء والزراعة العالمية «الفاو» فإن 20% من المياه المستهلكة زراعيًا يمكن أن توفر لو كانت أنظمة الري فعالة. ففي باكستان يمكن ري مليوني هكتار إضافية سنويًا لو تم تحديث نظام الري ليوفر ١٠ - ١٥٪ من المياه المستخدمة.

والمياه في المدن تضيع أيضًا فقد استنتج الخبراء أن 10% على الأقل من المياه تهدر بسبب تسربها من شبكات الأنابيب في الدول الصناعية ولكن في الدول النامية ترتفع النسبة إلى 20% وقد تصل إلى 60% في المدن القديمة والمكتظة.

المياه كقضية أمنية:

في فترة ما بعد الحرب الباردة التي نعيشها توسع مفهوم الأمن ليشمل أبعادًا غير تقليدية كالبيئة والجرائم الدولية والإلكترونية والأهم من ذلك أمن الغذاء الذي يعد اليوم من أهم مصادر القلق الأمني في كثير من الدول الآسيوية، ومع تزايد حدة الفقر في بعض الدول بعد الأزمة الآسيوية واتساع الفارق بين الأغنياء الجدد وفقراء الريف المنسيين أصبح الغذاء مصدر قلق لهم خاصة مع عدم مبادرة بعض الحكومات لدعم مشاريع توسيع الإنتاج الزراعي، كما اعتبر تناقص المياه المخزونة مصدر قلق جدید مرتبط به.

 البعض لا يعتبر الأمن المائي مشكلة لذاتها، ولكنه ضمن أزمة أوسع ك «الأمن البيئي»، أو «استنزاف الثروات» وبغض النظر عن التسميات فإن الجميع من المهتمين يتفق على أن أمن المياه مشكلة خطيرة جِدًّا ومعقدة ومصدر ممكن لخطرواسع يهدد استقرار مناطق مختلفة في قارة آسيا». وقد يكون ذلك بشكل مباشر بمواجهة عسكرية بسبب مصادر المياه أو على الأقل بأزمات سياسية بين الدول أو بأشكال غير مباشرة على شكل هجرات واسعة بحثًا عن الماء والغذاء وهو ما حصلبالفعل في عدد من الدول.

 ويمكن أن تقسم الأبعاد الأمنية للمياه إلى ثلاث مراحل:

١- الأمن البشري: فعندما ترتبط المياه بما يسمى بـ «الأمن البشري» وهو ما يتعلق بصحة وعيش الإنسان تتحول إلى قضية أمنية، وتتضح خطورة هذا الأمر عندما تتعرض أعداد كبيرة من الناس إلى أخطار صحية ووفيات بسبب المياه غير الصالحة للاستخدام أو عدم توافر المياه أصلًا. فالوفيات بسبب أمراض مرتبطة بالمياه في العالم تصل إلى ٢٥ ألف وفاة في اليوم، وفي بنجلاديش على سبيل المثال قدر بأن ثلاثة أرباع جميع الأمراض المنتشرة هناك سببها المياه غير الصالحة للشرب أو الاستخدام البشري أو بسبب عدم توصيل المياه للسكان، وفي مانيلا يدفع الفقراء 10% من دخلهم لفواتير المياه التي لا تعتبر صالحة في بعض مناطق العاصمة، ويقدر الأطباء بأن 60% من وفيات المواليد في العالم لأمراض مختلفة مرتبطة بالمياه، وتنتشر الأمراض المسببة للإسهال بسبب سوء شبكات تصريف المياه في العالم ويتوفى بسببها ٣- ٤ ملايين نسمة كل عام معظمهم من الأطفال، فالمياه المستهلكة التي لا يحسن تصريفها تكون مصدر خطر صحي ومائي واضح يهدد عشرات الملايين في الدول النامية.

۲- الأمن الداخلي: بالرغم من أن الاهتمام الإعلامي منصب على قضية الصراع بين الدول بسبب مصادر المياه المشتركة فإن أمن المياهالداخلي. قد يكون أكثر خطورة في بعض الدول. فضعف الأمن المائي في دولة ما يهدد التنمية الاقتصادية وأوضاع معيشة السكان وقد يدفع بهم إلى سلوكيات عنيفة داخل المجتمع ليس بسبب رغيف الخبز أو صحن الأرز فقط ولكن بسبب شربة ماء نظيف يفتقدونها، ولأن أمن المياه في هذه الحالة ارتبط بظواهر أخرى كنمو السكان وتعمق حدة الفقر وتدمير البيئة مما يحول ما ذكرناه عن «الأمن البشري» إلى خطر «أمن وطني». 

وقد تكون المياه سببًا لهجرات جماعية من إقليم لآخر أو من القرى إلى المدن وقد تتسبب في صراعات بين مجموعتين من السكان مناطقيًا أو حتى إثنيًا، وفي النهاية وفي أكثر الحالات تطرفًا قد يؤدي ذلك إلى تدهور قدرة الساسة على الاستمرار في الحكم وهو ما قد تكون نتيجته «دولة فاشلة».

3- الأمن الدولي: يتفق معظم المراقبين على أن مشكلة المياه في المستقبل المنظور وفي غالبية الحالات في آسيا لن تؤدي إلى صراع دام بين الدول في غالبية الحالات لكنها قد تكون سببًا سلبيًا مؤثرًا على استقرار المنطقة بأشكال أخرى، فمع تزايد اعتماد الدول في اقتصاداتها على غيرها وارتباطها السياسي ببعضها البعض في ظل العولمة تبرز خطورة انتقال عدوى أزمات المياه ونتائجها المباشرة وغير المباشرة بين دولتين أو أكثر فانخفاض الإنتاج الزراعي في دولة رئيسة مصدرة السوق الغذاء العالمي أو انخفاض مخزون المياه في دولة مجاورة تشترك مع الأخرى في أنهارها وكذلك هجرات الغذاء والماء من بلد لآخر وتوسع الصراع الإثني أو انتشار الأوبئة أو حتى عندما تواجه حكومة ما فشلًا في إدارة الأزمات.. كل ذلك وارد عبر الحدود، ويمكن أن يعيق تطبيق الاتفاقيات الدولية في قضايا الأمن المشترك أو التعاون الاقتصادي أو البيئي.

 لقد أصبحت المياه مصدرًا استراتيجيًا في كثير من دول العالم المنتبهة لتوجهات استهلاك المياه. وبالرغم من عدم اندلاع حرب في آسيا بسببمصدر مائي مشترك بين دولتين حتى الآن فإن ذلك ممكن لو اجتمعت عوامل متعددة في آن واحد کتدهور أوضاع الأمن البشري والداخلي وتدهور العلاقات السياسية بسبب عدم تعاون الدولة التي تنبع منها مصادر المياه أعلى الأنهار مع الدولة المجاورة المعتمدة على الأنهار نفسها أو العيون أو البحيرات «في اتجاه مجرى الأنهار أو أسفل الأنهار».

وينشأ الصدام السياسي بين الدول حول الوصول للمياه بسبب عدم تسوية القانون الدولي لقضية المياه ككثير من القضايا التي فشلت الأنظمة الدولية السائدة في حلها، وينظر لقضية المياه قانونيًا من خلال أربعة توجهات رئيسة وهي: السيادة المطلقة، الاستيلاء المسبق «تاريخًا واكتسابًا»، الحق الضفي، الانتفاع المشترك. أما التوجهان الأول والثاني فيدعوان إلى حق الدول أعلى الأنهار على حساب الآخرين «يعرف بمذهب هارمون» فالدولة التي ينبع منها النهر أو تسبق جارتها إليه لها الحق في أن تفعل ما تشاء بالماء الذي لديها بغض النظر عن العواقب السيئة التي قد تصاب بها جارتها، وحق الاستيلاء المسبق تصور مشابه لذلك أيضًا وهو ما كان سائدًا في غرب الولايات المتحدة قبل أكثر من ۱۱۰أعوام.

 ولكن لن تقدر دولة على الاعتماد على هذا التوجه القانوني ما لم تكن قوية مؤثرة أكثر من جيرانها وكما يقول المثل الصيني الريفي: «الذي أعلى النهر لا يعاني من شيء». لكن التوجهين الثالث والرابع يؤكدان حق جميع الدول التي تمر بها الأنهار في الاستفادة من المياه، وفي كثير من الحالات تصل الدول إلى صيغة اتفاق بينها لشراكة متساوية في مصادر المياه.

حالتا الهند وبنجلاديش:

لسنوات طويلة تبادلت الهند وبنجلاديش الاتهامات حول استخدام مصادر المياه المشتركة وفي عام ۱۹۹۳م وصل الأمر إلى حد الغليان عندما اجتاح مناطق واسعة فيهما موسم جفاف على امتداد نهر جانجس الذي انخفضت مياهه إلى معدل مخيف مما نتج عنه انخفاض في حجم إنتاج المحاصيل، وفي أكتوبر ١٩٩٥م خاطبت رئيسة الوزراء البنجلاديشية خالدة ضياء الأمم المتحدة متهمة الهند بتحويل اتجاه النهر قرب الحدود معتبرة ذلك «خرقًا أساسيًا لحقوق الإنسان والعدالة». وزادت حدة الخلاف عندما بنت الهند حواجز «فراكا باراج» على النهر نفسه قرب الحدود بهدف تحويل اتجاه المياه نحو ميناء كلكتا مما أدى إلى انخفاض مياه النهر على الضفاف البنجلاديشية وتأثر الزراعة فيها، ولذلك اقترحت دكا بناء حاجز بديل عن الأول لحل الخلاف وهو ما لم يجد أذانا صاغية.

 الخلاف المائي بين هاتين الدولتين نابع كما هو واضح من خلاف أوسع سياسي وديني، كما تتضح فيه ظاهرة تحكم القوي الذي تقع بلاده أعلى النهر، وعدم حماية القانون الدولي بشكل كامل للضعيف أسفل النهر فالجانب البنجلاديشي يذهب إلى أن ما تقوم به الهند في تحكمها بنهر جانجس «توجه من جانب واحد» أما الحكومة الهندية فتدعي أن دكا تطالب بأكثر من حقوقها وأن مطالبها غير عقلانية ولا متزنة (!)، بل إن الولايات الهندية تتهم الحكومة الفيدرالية بأنها «كريمة» في تعاملها مع بنجلاديش على حسابهم، ولذلك كانت النتيجة تأزم سياسي بسبب المياه بين البلدين. وتطالب بنجلاديش الهند باتفاقية تكفل «أقل الضمانات» لتوافر مياه كافية لها. وقد وقعت اتفاقية الاشتراك في مياه نهر جانجس، عام ١٩٩٦م بالرغم من أن أطرافًا سياسية في بنجلاديش عارضت بنودها معتبرة ما حصلت عليه بلادهم غير كاف في حين أن ولايات هندية كبهار وأوتار برادش اشتكت من أن حقوقهما لم تؤخذ بعين الاعتبار.

ومنذ توقيع الاتفاقية اقتنعت الهند نسبيًا بما حصلت عليه، لكن بنجلاديش ظلت تواجه مشكلة لسوء تقديرها للكمية التي ستحتاجها أراضيها وسكانها، ولذلك فهي تشكو من آن لآخر من عدم كفاية ما كفلته الاتفاقية وتريد الهند اليوم بناء سد آخر على نهر برهامبورا بالقرب من ولاية أسام لتتحكم - لو نفذ المشروع - بغالبية مصادر بنجلاديش المائية، بل تتوسع خيارات تهديد الهند المائية لبلاد المسلمين إلى باكستان فهي تستطيع استخدام سلاح نهر سوتليج والبنجاب اللذين ينبعان من أراضيها في مواجهتها السياسية التاريخية معها. 

منطقة نهر ميكونج:

من أعقد مشكلات المياه الدولية في شرق آسيا قضية مياه نهر ميكونج الذي قد لا يكون مشهورًا لدى الكثيرين، لكنه عاشر أكبر نهر في العالم من ناحية حجم المياه فيه، فهو يمتد ٢٦٠٠ ميل حيث ينبع في إقليم كينغاي في الصين ويتجه نحو إقليم يونان الغربي داخلا إلى ماينمار «بورما سابقًا» ولاوس وكمبوديا وتايلاند وفيتنام وبذلك فهو النهر الوحيد في شرق آسيا من ناحية اشتراك هذا العدد من الدول فيه وفيما يبدأ النهر في الصين بموجات قوية وعاصفة فإنه يصب من جنوب الأراضي الفيتنامية مياهه في هدوء في بحر الصين الجنوبي.

ويعتمد عشرات الملايين من الآسيويين من سكان الدول الست على هذا النهر فيما يعرف به حوض ميكونج بزراعتهم للمحاصيل الزراعية وصيد الأسماك، بل إن تايلاند ولاوس تعتبران النهر مصدرًا ممكنًا لتوليد الطاقة الهيدروكهربائية، فيما تركز لاوس وفيتنام وكمبوديا على الزراعة من مياهه وتتميز كمبوديا بنشاط صيد أسماكه الكثيرة والنهر وسيلة كذلك للنقل في كثير من القرى التييمر بالقرب منها.

ومنذ عام ١٩٥٧م تأسست لجنة خاصة بنهر میكونج للإشراف على المبادرات الإقليمية لتنمية الأراضي حول الحوض والاستفادة منه بشكل أكبر، لكن الحروب في منطقة الهند الصينية منذ الستينيات وحتى بداية الثمانينيات عرقلت تلك الجهود حتى عام ١٩٩٥م حين وقعت في العاصمة الفيتنامية هانوي اتفاقية «التعاون من أجل تنمية متوازنة الحوض نهر ميكونج» واجتمعت لأول مرة بعد 4 عقود لجنة نهر ميكونج التي تمثل فيها الدول الست. كما وقعت اتفاقية «كواديبريديتت للتعاون الاقتصادي» بين الصين وماينمار ولاوس وتايلاند بهدف تسهيل حرية التنقل البحري ودعم السياحة النهرية.

وتحرك بنك التنمية الآسيوي فيما عرف بتنمية المناطق التابعة لنهر ميكونج في الدول الست بالتركيز على النقل والتجارة والطاقة وتنمية الثروات البشرية لسكان ضفاف النهر، كما تنسق ماليزيا عبر جهود رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» على ما يعرف بـ «مشروع آسيان التعاوني لنهرميكونج».

وبالرغم من هذه المحاولات التعاونية الطموحة فإن تنمية أوضاع سكان حوض ميكونج تعثرت بعوائق عديدة:

أولًا: لم تطبق الاتفاقيات بفعل ضعف التنسيق بين المنظمات الإقليمية والدولية المعنية.

ثانيًا: ظل ضعف التمويل للمشاريع التنموية تحديًا آخر، فمشروع بنك التنمية الآسيوي لتنمية المناطق التابعة لنهر ميكونج يحتاج إلى ٤٠ مليار دولار في الـ ٢٥ عامًا القادمة.

ثالثًا:الأزمة المالية التي تحولت إلى أزمة شاملة في آسيا منذ عام ١٩٩٧م.

وأخيرًا فإن هناك خلافات حادة وواسعة حول ما يجب البدء به، وكيفية التعامل مع المياه بين جماعات مصالح اقتصادية وجمعيات اجتماعية وحقوقية وعلمية حيث تعارض المنظمات غير الحكومية تنفيذ بعض المشاريع لأضرارها الجانبية بيئيًا أو بشريًا.

بعض الكتاب الذين حللوا قضية نهر ميكونج يبدون تفاؤلًا حول إمكان التعاون المشترك بين الدول الست، ويستبعدون حدوث صراعات بينها على المدى القريب لكن المشكلة أن البلد الذي تنبع منه مياه النهر وهو الصين ما يزال غير متعاون مع المنظمات الإقليمية التي تعمل في مناطق نهر ميكونج، وللصين مصالح استراتيجية عدة في النهر أهمها: أنها تسعى للتوسع في استخدام النهر كوسيلة للتنقل وتريد الوصول منه إلى المحيط الهندي، وقد رفضت الصين التوقيع على اتفاقية هانوي المذكورة عام ١٩٩٥ قائلة: « إن أي سلوك أو قرار ستتخذه في الاستفادة من نهر ميكونج وثرواته ليس إلا شأنًا داخليًا من شؤونها».

وبالإضافة إلى اعتماد بنجلاديش وكمبوديا وتايلاند على المياه الجارية من أراضي جيرانهم فإن باكستان «من الصين والهند وأفغانستان» وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان وسنغافورة «من ماليزيا» تعتمد على دول الجوار في إمدادها بأكثر من ٣٠٪ من مصادر المياه، ولعل أعلى نسب الاعتماد الخارجي في مصادر المياه في آسيا في حالتي فيتنام وأوزبكستان حيث تعتمدان على مصادر مياه خارجية بنسبة 65% من ثرواتهما المائية المتوافرة.

 الصين:

مفهوم جديد بدأ يظهر في أدبيات العلاقات الدولية في آسيا اسمه «استراتيجيات التنافس المائي» الذي يركز على أسلوب تنافس الدول على مصادر المياه المشتركة وتبدو الصين مثالًا واضحًا قد يثير ردود أفعال سلبية من دول الجوار وذلك بسبب تزايد حاجتها للمياه بنسبة 40% منذ عقد الخمسينيات، وقد ضربت العواصف الرملية وموسم الجفاف مناطق يقطنها ١٥ مليون نسمة منذ أول شهر يونيو الماضي. وهي تحاول البقاء مكتفية من ناحية مصادر المياه اللازمة للإنتاج الزراعي الذي يكثر في الأقاليم الشمالية وعلى رأسها إقليم شانكسي الذي يشهد جفافًا حادًا بسبب استنزافالمياه الجوفية فيه، وتجتهد الصين في عدم استيراد المحاصيل الأساسية ضمن سياسة أمنها الغذائي، ولذلك فهي تعمل على استصلاح المزيد من الأراضي بمشاريع ري تحتاج إلى مصادر مياه إضافية، ولهذا الهدف تدرس الصين اليوم خيارات عدة مثيرة للخلاف والجدل منها توجيه المياه من الأقاليم الجنوبية إلى الأقاليم الشمالية حيث تروي ثلثي الأراضي الزراعيةـ ولكنها من مياه أنهار براهامبوترا وسلوين وميكونج وكلها تمد الهند ودول جنوب شرق آسيا المذكورة آنفًا بالماء.

ولا تعترف الصين بحق الدول «أسفل الأنهار» وتعلن أن لها الحق الكامل في استخدام الأنهار التي تنبع من أراضيها كيفما شاءت، ولذا فهي لا ترتبط بأي اتفاقية دولية في هذا الصدد، ويعني تنفيذ مشاريع توجيه مياه الأنهار لشمال الصين تعرض الدول المجاورة في الغرب والجنوب الغربي إلى جفاف ومجاعات وأمراض.. أو باختصار لكوارث بشرية وبيئية واسعة. وهنا تبرز أكبر دولتين في المنطقة في منافسة على مصادر المياه فالهند تحاول استنزاف المياه الجارية من كشمير المحتلة وفي المقابل تحاول الصين الاستفادة من مياه التبت التي تحد نيبال وتعتبر الأخيرة امتدادًا للهند على الحدود الصينية، وأي محاولة من الصين لتوجيه مياه نهر براهامبوترا الذي ينبع من التبت متجهًا إلى الهند سيهدد العلاقات بين البلدين وينذر بمواجهة وقد تقف باكستان وبنجلاديش بجانب الصين في مواجهة الهند لأن كلًا منهما مهدد بقطع الهند لمصادر المياه القادمة إليه من أراضي الهند.

في بعض أقاليم الصين تطول مواسم الجفاف مثلما حدث في قرية يقطنها مسلمو الهوي الصينيون اسمها «هانتياتلنيغ» ومعناها الأرض والسماء الجافة، فقد اجتاحت مناطقها موجات جفاف في عام ۱۹۲۹م ومجاعة عام ١٩٦٠م وقد أكل الناس فيها كل أخضر وحتى بذور الأشجار وبالرغم من أن إقليم نينغسيا الذي يقطنه الكثير من المسلمين الصينيين ليس ببعيد عن النهر الأصفر، لكن ندرة المياه مشكلة قديمة فهي من أكثر أقاليم العالم جفافًا وعندما شهدت مواسم جفاف وعواصف رملية وتصحر وتتحرك الرمال لتأكل القليل مما بقي من أرضها، ويقول قروي مسلم يدعى «ما شانغكينج» وهو يشير إلى القليل مما تبقى من ماء أسفل البئر القريب من بيته: «إذا لم تمطر السماء فلن يكون لدينا ماء ولا حتى للشرب، لقد ذبلت كل المحاصيل في العام الماضي عندما لم تمطر طوال الموسم» وهو ما دمر مزروعات ۱۰۰ ألف من القرويين المسلمين في العام الماضي. 

وتعاني الصين أكثر من أي وقت مضى من ظاهرة التصحر، فالصحاري اليوم تشكل ثلث مساحتها الكلية وتتوسع بمعدل ٢٤٠٠ كم مربع في العام ويعيش ١١٠ ملايين نسمة في أراضي تصحرت في السنوات الماضية بعد أن كانت أراضي زراعية، وتعود ظاهرة التصحر السريع للعواصف الرملية التي تجتاح في بعض الأحيان ٣ اقاليم مجتمعة فتشل الحياة فيها، وبالرغم من أن العواصف الرملية ظاهرة قديمة لكنها اليوم تتكرر بعدد ۲۰ ضعفًا مقارنة بعدد العواصف الرملية كل عام قبل ٤٠ عامًا وتتسبب في خسائر قدرت بـ ٥٤ مليار يوان سنويًا «٦,٥ مليار دولار» ويحذر الخبراء من أن سرعة تحول الأراضي الزراعية إلى صحاري في الصين أكثر من معدل التصحر عالميًا ب18 ضعفًا. وكانت الصين في الثمانينيات قد شنت حملة زراعية لغرس أشجار على امتداد ۱۰ ملايين هكتار سميت به الحائط الأخضر العظيم، لكن الأمراض والحشرات أكلت الكثير منها، غير أن الحكومة مازالت تحاول تطبيق الأسلوب نفسه لتشجير ربع أراضي الصين خلال نصف قرن وقبل ذلك التحكم بموجة التصحر بالتشجير أيضًا خلال ٣٠ عامًا وقد وعدت الحكومة بمنح المزارعين منمسلمي الهوى تعويضات على شكل محاصيل لمن يحول أرضه الزراعية إلى غابة أشجار بإشراف الحكومة لكن كثيرًا منهم يشك في حقيقة تلك التعويضات وكفايتها. 

ولا يكمن خطر انخفاض عمق أحواض المياه ومخزونها في الصين على سكان الصين فحسب بل إن ذلك يهدد أسعار الغذاء عالميًا فحاجة الصينيين للغذاء ترتفع بمقدار ما يحتاجه ۱۲ مليون نسمة يزيدون على أرضها كل عام ومقدار نسبة النمو الاقتصادي التي تنخفض عن ٦- ٧٪ سنويًا منذ سنوات. وعندما ينخفض مخزون المياه أو المياه المتوافرة على أرض الصين فهي تضطر إلى الاعتماد على الاستيراد وقد يدفعها ذلك لتكون أكبر مستوردي الغذاء في العالم بدلًا من اليابان فالأراضي الواقعة بين شانغهاي وبكين تنتج ٤٠٪ من إنتاج الصين الزراعي لكن المياه في أحواضها تنخفض بمعدل متر ونصف كل عام. وبينما تعتمد الولايات المتحدة على الري في ١٥٪ من زراعتها تصل النسبة في الصين إلى 70%! هذا في الوقت الذي تقدر فيه نسبة الزيادة في حاجة المدن إلى المياه في السنوات القادمة بـ 60% وحاجة الاستهلاك الصناعي بنسبة 63% وغالبًا ما يكون الطرف الخاسر في المعادلة والتنافس على المياه هم الفلاحون والقطاع الزراعي الذي لا يجلب أرباحًا كالمصانع والمدن فألف طن من المياه تجلب ۲۰۰ دولار فقط من سعر بيع المحاصيل التي تزرع بها لكنها تجلب لصاحب المصنع ١٤ ألف دولار!

الرابط المختصر :