العنوان الثورة الشعبية ومأزق نقل السلطة في اليمن:المصالح الدولية ستقبل تنحي صالح لكنها قد لا تفرط بنظامه
الكاتب عادل أمين
تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2011
مشاهدات 62
نشر في العدد 1957
نشر في الصفحة 28
السبت 18-يونيو-2011
على الرغم من التأكيد بوجود ضغوط غربية على الرئيس لنقل صلاحياته إلى نائبه والشروع في نقل السلطة سلميا مقابل ضمانات وحوافز مادية.. فإن النائب لم يتسلم مسؤولياته كرئيس بالنيابة حتى الآن
السلطة والثروة والاستخبارات ما زالت في ايدي ابن علي صالح وابناء اخوته ويمنعون النائب والحكومة من عزل الرئيس
خلت الثورة الشعبية اليمنية شهرها الخامس، وهو ما يرشحها - بحسب البعض - لدخول موسوعة جينتس » العالمية للأرقام القياسية فيما يتعلق بالأحداث التي تشهدها المنطقة العربية، وربما مثيلتها في دول العالم فالكثيرون بمن فيهم اليمنيون أنفسهم يعتقدون أن الثورة الشعبية طالت أكثر من اللازم، ولم تحقق هدف نقل السلطة على النحو الذي سعت إليه، عدا خروج الرئيس علي عبد الله صالح للعلاج في السعودية عقب محاولة الاغتيال التي تعرض لها في قصره في الثالث من يونيو الجاري، وهو أمر كان من المفترض أن يسهل عملية نقل السلطة إلى نائبه عبدربه منصور هادي»، الذي يخوله الدستور حق مزاولة مهامه وصلاحياته كرئيس بالإنابة بعد عجز الرئيس عن القيام بمسؤولياته ليشرع من ثم في عملية نقل السلطة بشكل سلمي وفقا للمبادرة الخليجية التي وقع عليها حزبه الحاكم وأحزاب المعارضة الشهر المنصرم برعاية خليجية.
لكن ما يجري الآن على الأرض شيء مختلف تماما عما يطمح إليه الثوار، وما رسمته المبادرة الخليجية، وما يقرره الدستور فثمة جمود ملموس في المشهد السياسي اليمني، وكأن مغادرة الرئيس «صالح» إلى السعوية لتلقي العلاج مثلت طوق النجاة بالنسبة له ولنظامه، لوقف التسارع في نقل السلطة التي كانت الثورة الشعبية والمعارضة والضغوط الخارجية تدفع جميعها باتجاه تحقيقه في أقرب وقت.
لماذا تأخر إنجاز الثورة؟
يرى بعض المراقبين أن أسباب تأخر الثورة في إسقاط النظام، ونقل السلطة سلميا، يعود في جزء منها إلى استخدام الرئيس «صالح» أساليب المناورة والخداع مع الشعب، وسيطرة عائلته على الأجهزة الأمنية والعسكرية إضافة إلى التدخل الخليجي في اليمن، كما أن المجتمع الدولي لم يمارس ضغوطا كافية على «صالح» خشية حدوث فراغ في السلطة وسيطرة «القاعدة» على البلاد حسب تلويحات «صالح» ونظامه .. ويضيف آخرون، أن ضعف الإرادة السياسية لدى أحزاب المشترك المعارضة)، وعدم قدرتها على ممارسة دورها السياسي كأحزاب للمعارضة بشكل سليم، إلى جانب وجود نائب للرئيس غير قادر على ممارسة صلاحياته الدستورية في إدارة شؤون البلاد منذ تسلمه السلطة، مثل تلك العوامل أنتجت حالة من صعوبة تأمين سلامة انتقال السلطة، واستمرار تأزم الوضع السياسي وانسداد آفاقه.
ويذهب د. محمد الظاهري، أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، إلى أن الإرباك في المشهد السياسي اليمني منبعه أن قوى المعارضة ممثلة بأحزاب اللقاء المشترك ما زالت تسعى لحل الزمة في إطار الممكن السياسي، وفي إطار المبادرة الخليجية، رغم أنها رفضتها سابقاً. وفقدت قدرتها على الحسم بسبب عدم تكاتف الجهود بين القوى المؤيدة للثورة.
على الرغم من التأكيد بوجود ضغوط غربية أمريكية وأوروبية على الرئيس «صالح» لنقل صلاحياته إلى نائبه، والشروع في نقل السلطة سلميا في اليمن مقابل ضمانات وحوافز مادية، واعتبار وجوده في المملكة السعودية فرصة سانحة لإنجاز مثل هذه المهمة، فإن النائب لم يتسلم مسؤولياته كرئيس بالنيابة حتى الآن، والسبب كما يقول الناطق باسم أحزاب المشترك محمد قحطان هو أن السلطة والثروة والاستخبارات في أيدي ابن الرئس وأبناء إخوته، وهم من يمنعون نائب الرئيس والحكومة من عزل الرئيس.
وثمة أنباء عن تشكيل مجلس عسكري من الأسرة الحاكمة لقيادة البلاد إلى حين عودة «صالح»، ويرفض حزب المؤتمر الحاكم مناقشة أي إجراءات بشأن نقل السلطة إلى النائب أو إلى غيره حتى عودة الرئيس، فيما تهدد المعارضة بتشكيل مجلس انتقالي في حال ظل حزب المؤتمر يرفض التعاطي مع المبادرة الخليجية، واعتبار مغادرة «صالح» إلى السعودية جزءا من عملية انتقال السلطة وفقا للمبادرة في ذات الوقت الذي يطالب شباب الثورة بسرعة تشكيل مجلس رئاسي انتقالي لإدارة شؤون البلاد، ويرفضون تسلم النائب السلطة باعتباره جزءاً من النظام الذي يطالبون بإسقاطه.
غموض مصير «صالح»
في الوقت الذي مايزال الرئيس «صالح» يرقد في أحد المشافي الملكية في السعودية كشفت مصادر حكومية يمنية عن سقوط عشرة ضباط من حرسه الشخصي، وإصابة عدد غير قليل من حراسته في محاولة الاغتيال التي تعرض لها في مسجد النهدين» داخل قصره الرئاسي في الثالث من الشهر الجاري، وفيما احتفل أنصاره بخروجه من العناية الفائقة وحولوا ليل العاصمة وعددا من المحافظات إلى أجواء حرب جراء إطلاق كثيف للأعيرة النارية في الهواء أرعبت السكان، وتسببت بمقتل ثمانية أشخاص، وسقوط أكثر من ۱۲۰ جريحاً، ذكرت الأنباء الواردة بشأن صحة الرئيس «صالح» بأن %٤٠% من جسده يعاني من حروق، بالإضافة إلى معاناته من كسر بعظم الرقبة، وشبه شلل في العصب البصري الثالث، وكسر ضعيف خلف الجمجمة، وحروق في الرأس والوجه والرقبة وجزء من الصدر من الدرجة الثانية بالإضافة إلى مشكلات في التنفس بعد تعطل إحدى رئتيه، وهو ما يؤخر عودته إلى صنعاء لفترة أطول بحسب المراقبين.
وفيما لم يتم الكشف حتى الآن عن نوعية المتفجر المستخدم في حادثة تفجير المسجد فقد تضاربت الروايات الحكومية بشأن الجهة المنفذة، فالرئيس في التسجيل الصوتي المنسوب إليه، والذي لم يتم التحقق من صحته بعد، وجه الاتهام لـ «آل الأحمر»، ووصف الحادثة بالعملية الانقلابية مقطوعة الصلة بالثورة السلمية فيما ذهب الإعلام الرسمي والجانب الحكومي التوجيه أصابع الاتهام صوب المشترك». في حين وجهت صحيفتا «الثورة» و«الجيش» الرسميتان (٢٦) (سبتمبر) الاتهام صراحة لتنظيم «القاعدة»، أما السكرتير الصحفي للرئيس، فقد اتهم الولايات المتحدة بضلوعها في الحادث.
وكل ذلك مفهوم في سياق الصراع الدائر في اليمن اليوم، فالرئيس - على فرضية صحة التسجيل - أراد تصفية حساباته مع مشايخ الأحمر»، والاستقواء عليهم من خلال كسب تعاطف الشارع المستهجن المحاولة الاغتيال فيما حاول الحزب الحاكم توظيف الحادثة لتشويه صورة المعارضة بما في ذلك الثورة الشبابية السلمية، وتصوير الأمر على أنه جنوح نحو العنف يسقط سلمية الثورة، ويضعها في خانة التآمر والانقلابات التي تستوجب بالتالي التعامل معها بحزم .. أما النظام الأمني له صالح» فهدف إلى استثارة الموقف الخارجي الأمريكي تحديدا، وزيادة مخاوفه بشأن الإرهاب من خلال استدعاء «القاعدة» إلى هذا المشهد الأمني المروع للتضخيم من شأنها وخطرها في اليمن بغية كسب الموقف الأمريكي واستمالته إلى صف «صالح».
وفي النهاية، تظل الحقيقة وحدها هي الشيء الوحيد الغائب عن المشهد، على أن ثمة رواية أخرى مختلفة تماما يجري تداولها على نطاق واسع بخصوص ما تعرض له الرئيس صالح، وتذهب الرواية إلى أن محاولة الاغتيال جرى تنفيذها داخل قصر «صالح» وليس في مسجده بدار الرئاسة، وأنه جرى فيما بعد تفجير المسجد للتغطية والتعمية على الحادثة، وصرف الأنظار عن الفاعل الحقيقي الذي من المرجح أن يكون من داخل الأسرة الحاكمة، وبتلك الطريقة استطاع النظام حرف مسار الجريمة وإخراجها من نطاق الصراع المحتدم في أوساط البيت الحاكم إلى نطاق صراعات أخرى خارجه، وبذلك تجنب الظهور أمام الرأي العام في صورة المنقسم على نفسه الذي تأكله الخلافات من داخله.
وترجح الرواية احتمال أن يكون «صالح» قد توفي بالفعل في ذلك الهجوم، وأن ما يجري حالياً هو عبارة عن ترتيبات لأوضاع اليمن تتصل بإجراءات نقل السلطة تسبق الإعلان عن وفاته، تجنبا لانزلاق اليمن في أتون حرب أهلية طاحنة نتيجة ما قد ينجم عن إعلان وفاته في تلك الحادثة من تأجيج للصراعات القبلية.
يمكن القول: إن الملف اليمني برمته صار في الوقت الراهن بأيدي أصدقاء اليمن، وهؤلاء لا ينظرون إلى ما يجري في اليمن بوصفه ثورة شعبية بل أزمة سياسية، وبالتالي فهم لا يرون ضرورة إزاحة النظام وتغييره أو استبداله بل هم مع تجديده وتطعيمه بعناصر جديدة من المعارضة، مع قبول فكرة تنحي «صالح» الذي يعتبر في حكم المنتهي سياسيا، وتعتقد الولايات المتحدة خصوصاً أن ملف الإرهاب في اليمن وثيق الصلة بالنظام القائم، لجهة كونه الأقدر على التعامل معه بالرغم من جهود المعارضة في كشف تواطؤ النظام مع «القاعدة» لابتزاز هذه الدول عبر هذا الملف، وفي هذا السياق كشف اللواء علي محسن صالح قائد الفرقة الأولى مدرع في مقابلة صحفية أجريت معه مؤخرا، عن أن الرئيس «صالح» عمل منذ زمن بعيد على ترتيب ملفات لقضايا تهم الخارج كي يستعملها فزاعة، وهو يحاول أن يكسب من خلالها ثقة الخارج ودعمه، ومنها ملف «القاعدة» في اليمن.
وقال الحقيقة أن تنظيم «القاعدة» خدم مارب علي صالح وأهدافه، وأضاف: الكل يعرف أن بعض العناصر الإرهابية موجودة ضمن حراسته الخاصة (يقصد الرئيس)، وأكد أن الجماعات الإرهابية التي يخوف بها الداخل والخارج يشرف عليها نجلا أخيه، قائد الحرس الخاص طارق محمد صالح»، ووكيل جهاز الأمن القومي «عمار محمد صالح... والحقيقة أنها معلومات تقال لأول مرة من رجل كان وثيق الصلة بنظام «صالح»، وعلى معرفة ودراية بمخططاته، لكن الغرب له أهداف أكبر بكثير من شماعة «القاعدة»، وهو يريد البقاء وتوسيع نفوذه ومصالحه في اليمن والمنطقة ككل من خلال هذا الملف، والنظام الحالي وحده هو من يوفر له تلك المظلة، لذا يحرص على عدم التفريط فيه، والإبقاء عليه مدة أطول، وتلك طبيعة المصالح الدولية التي لا تتغير.