العنوان الخدمة التي يقدمها حزب العدالة للأحزاب الإسلامية.. الثورة الصامتة في تركيا
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003
مشاهدات 79
نشر في العدد 1569
نشر في الصفحة 30
السبت 20-سبتمبر-2003
● من موقع القوة الشعبية بعد الإنجازات الكبرى تمكن حزب العدالة من خلال أغلبيته البرلمانية من استصدار قوانين أحدثت ثورة سيكون لها أثرها على المنطقة كلها.
● نزعت الصفة التنفيذية عن مجلس الأمن القومي وألغت صلاحياته في المراقبة والمتابعة وجعلت قراراته ذات صفة استشارية.
● قام الحزب بإصلاحات قانونية وسعت من دائرة الحريات وأعادت للأقليات حقها في تعلم وتعليم لغاتها.
● أحدث حزب العدالة انقلابًا في الإصلاحات الاقتصادية وأنقذ تركيا من مسلسل الغرق في مستنقع الانهيار.. قلص النفقات الحكومية وعدد الوزارات.. عرض آلاف السيارات والفلل الحكومية الفارهة للبيع.. شكل لجانا برلمانية لتعقب اللصوص الكبار، وأصدر قانونا يسمح للحكومة بوضع أيديها على أموال أصحاب ومدراء البنوك وذويهم لاسترداد قيمة المسروقات.
● لأول مرة.. لجان برلمانية تدقق في نفقات الجيش.
● الإصلاحات سحبت من رئيس الأركان حق تعيين السكرتير العام وجعلته بيد رئيس الوزراء وقررت أن يترشح لهذا المنصب مدنيون لأول مرة.
● ظلت لجنة الأمن القومي هي المهيمنة على توجيه جميع الهيئات الدستورية واحتكار إصدار الأوامر المؤسسات الدولة بما يحقق الأمن الوطني في نظرها.
● دور مجلس الوزراء والبرلمان ظل هامشيًا أمام سيطرة اللجنة على مقاليد الأمور في البلاد ووضع الأولوية لما تريد تنفيذه من قرارات.
ما يحدث الآن في تركيا بمثابة ثورة بيضاء وإيجابية لم يحدث لها مثيل طوال عهد الجمهورية البالغ ثمانين عامًا، وسيكون لأصداء وآثار التغييرات الكبيرة المصاحبة لها انعكاسات واسعة وكبيرة ليس داخل تركيا فحسب، بل في الشرق الأوسط وفي العالم العربي والإسلامي وفي الاتحاد الأوروبي، وستكون تركيا - بعد استقرار وثبات هذه التغييرات وقطف ثمراتها - أنموذجًا لدولة ديمقراطية يقودها حزب محافظ ذو جذور إسلامية، استطاع نقل تركيا من دولة نصف ديمقراطية «تتدخل المؤسسة العسكرية فيها في الأمور السياسية وتضع أمام الحكومة الشرعية المنتخبة خطوطًا حمرًا لا يمكن تجاوزها» إلى دولة استكملت فيها جميع أدوات الديمقراطية ومؤسساتها. ويصبح الحكم في تركيا أنموذجًا واضحًا وردًّا عمليًّا على كل من يزعم زورًا أن الإسلام لا يتلاءم إلا مع الحكم الاستبدادي البعيد عن مصالح الشعب، وأن الأحزاب والحركات الإسلامية أو ذات الجذور الإسلامية لا تصلح لتولي السلطة.
نبذة تاريخية: كان للمؤسسات العسكرية دور بارز على الدوام في جميع الدول التي شكلها الأتراك في التاريخ كالدولة السلجوقية والدولة العثمانية وقد لعبت المؤسسة «الانكشارية» وهي المؤسسة العسكرية التي شكلها السلطان أورخان «ابن مؤسس الدولة العثمانية السلطان عثمان» دورًا مهمًّا، وأدت خدمات كبيرة للدولة، وكان لها فضل كبير في جميع الفتوحات التي تمت، وجعلت من الدولة العثمانية إمبراطورية كبيرة تمتد فوق ثلاث قارات. ولكنها ما إن دخلت المعترك السياسي. وأهملت وظيفتها الأساسية «وهي الجهاد في ساحات الحروب» وبدأت تشترك في مؤامرات القصر وفي تغيير الصدور العظام والسلاطين حتى تحولت إلى مشكلة كبيرة وإلى داء عضال كان سببًا مهمًا في تأخر الدولة العثمانية، حتى استطاع السلطان محمود الثاني - بعد القيام بمواجهة مسلحة مع المؤسسة الإنكشارية أدت إلى مذبحة كبيرة - إلغاءها وتبديلها بمؤسسة عسكرية أخرى لا تتدخل في السياسة.
وفي العهد الجمهوري عادت المؤسسة العسكرية للتدخل في الحياة السياسية «بعد أن كان مصطفى كمال وعصمت إينونو قد أبعدا الجيش عن السياسة» عندما قامت المؤسسة العسكرية بانقلاب عسكري ضد حكومة عدنان مندريس وسجل التاريخ المعاصر لتركيا ثلاثة انقلابات عسكرية كاملة في ١٩٦٠م، وفي ١٩٧٢م. وفي ۱۹۸۰م، ونصف حركة انقلابية عام ١٩٩٧م. عندما تدخلت المؤسسة العسكرية وأسقطت حكومة السيد نجم الدين أربكان.
تركيا حاليًا: تتمتع المؤسسة العسكرية في تركيا بوضع خاص، ففي جميع الدول تكون رئاسة الأركان العامة للجيش مرتبطة بوزارة الدفاع وبوزير الدفاع، وتتم جميع التعيينات والترقيات والإحالة إلى التقاعد، أو الفصل من الجيش من قبل هذه الوزارة. غير أن المؤسسة العسكرية التركية -التي يرأسها رئيس الأركان -لا ترتبط بوزارة الدفاع، بل برئيس الوزراء من الناحية الشكلية أو النظرية فقط، وإلا فهي مؤسسة مستقلة قائمة بذاتها، وتقوم باتخاذ جميع القرارات المتعلقة بالجيش «من تعيين أو ترقية أو طرد، أو شراء أسلحة... إلخ» دون أن يكون لوزير الدفاع أو لرئيس الوزراء أي علاقة أو تأثير على قراراتها. والغريب أنه ما من مرجع أو دائرة رسمية تستطيع الإشراف على مصروفات الجيش، مما يفتح الباب واسعًا أمام العديد من صور سوء الاستعمال المالي والنهب لأموال الدولة. كما تستطيع هذه المؤسسة القيام بطرد أي ضابط أو ضابط صف من الجيش دون تقديمه للمحكمة العسكرية أو سماع أي دفاع منه.
ولا يحق لهؤلاء التقدم بأي شكوى إلى أي محكمة سواء أكانت محكمة عسكرية أم مدنية وقد تم طرد ۸۷۱ ضابطًا وضابط صف حتى الآن بهذه الطريقة غير الديمقراطية.
وعادة ما يكون السبب المعلن للطرد هو: «عدم الانضباط العسكري» ولكن الجميع يعرفون أن السبب الحقيقي هو كون هؤلاء الضباط متدينين وزوجاتهم محجبات، وتقوم المؤسسة العسكرية بعملية «تطهير»!!. سنوية ضد هؤلاء «الرجعيين»!!. في عرفها! علمًا بأن العديد من هؤلاء المطرودين يحملون أوسمة تقدير عسكرية نظير خدماتهم الممتازة.
والأمر الذي يدعو إلى الذهول حقًا أن المؤسسة العسكرية حاولت في السنوات الماضية وضع العراقيل أمام هؤلاء المطرودين فهي لا تكتفي بطردهم، بل تتعقبهم بعد ذلك وتحاول حظر توظيفهم في أي مؤسسة أو بلدية، أي تحاول تشريد عوائل وأسر هؤلاء المطرودين وتحاربهم في رزقهم.. فتأمَّل هذا الحقد!!.
ومع أن الدستور وكذلك النظام الداخلي للجيش يمنعان العسكريين من التدخل في السياسة ويضعان عقوبات رادعة ضد المخالفين، إلا أن شيئًا من هذا لا يطبق عمليًّا، لأن العسكريين يزعمون أن الدستور قد وكل إليهم مهمة الدفاع عن الأمن الخارجي والداخلي للبلد، ويشيرون إلى فقرة في الدستور تحمل هذا المعنى، غير أنهم يسيئون تفسير تلك الفقرة عمدًا، لأن تلك الفقرة تقول بأن الجيش هو المسؤول عن الدفاع عن أمن البلد ضد الأخطار الخارجية، كما يقوم بالتصدي لأي حركة عصيان مسلحة داخلية «مثلًا ضد الحركة الانفصالية المسلحة التي قام بها حزب العمال الكردستاني» ولكن المؤسسة العسكرية لا تكتفي بهذا التفسير، بل قامت بتوسيع معنى ومفهوم «الأمن الداخلي» وجعلته يشمل جميع الحركات السياسية التي تحمل افكارًا وأهدافًا تعدها خطرًا على «العلمانية» وعلى «الكمالية»! لأنها تعد نفسها الحارسة الأمينة على أفكار ومنجزات مصطفى كمال لذا نرى أن رئيس الأركان -وبعض الجنرالات -كثيرًا ما يقومون بالإدلاء بتصريحات سياسية أكثر حتى من بعض أحزاب المعارضة. أي أن هذه المؤسسة غارقة حتى أذنها في السياسة، وهو ما يتناقض مع طبيعتها ومهمتها الأساسية، ويضع العراقيل أمام الحكومات المختلفة ويحرج مواقفها.
والدستور التركي الحالي موضوع في سنة ۱۹۸۲م من قبل رجال انقلاب عام ١٩٨٠م، ومع أن جميع الأحزاب السياسية في تركيا تشكو منه وتعده دستورًا غير ديمقراطي وتتمنى تغييره، إلا أنه لم يتيسر الحصول على ثلثي أصوات المجلس لتغييره ووضع دستور جديد للبلاد يتماشى مع جو الحريات المطلوبة في أي بلد ديمقراطي، كما لم يتوافر القرار السياسي لهذا التغيير ومن المنتظر أن يقوم الحزب الحاكم الحالي «حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان» بهذا التغيير، ليضيف إلى مآثره العديدة مأثرة أخرى، لأن هذا الحزب يملك الآن المقاعد الكافية في المجلس لهذا التغيير. وقد أعطى الدستور الحالي للمؤسسة العسكرية إمكانية كبيرة للتدخل في الحياة السياسية من خلال وجودها في «لجنة الأمن القومي» ومن خلال السكرتارية المنبثقة عنها.
لجنة الأمن القومي وسكرتاريتها
تجتمع لجنة الأمن القومي مرة كل شهر برئاسة رئيس الجمهورية وحضور أعضاء مدنيين وعسكريين.
الأعضاء المدنيون هم رئيس الوزراء، مساعد رئيس الوزراء، وزير الخارجية، وزير الدفاع، وزير الداخلية. وقد يُستدعى رئيس المخابرات أو أي وزير لوزارته علاقة بالموضوع المطروح على قائمة أعمال اللجنة.
الأعضاء العسكريون رئيس الأركان العامة قائد القوات البرية، قائد القوات الجوية قائد القوات البحرية وقائد الجندرمة «الشرطة العسكرية».
وتقوم سكرتارية اللجنة «ويرأسها جنرال معين من قبل رئيس الأركان العامة» بوضع قائمة بالمواضيع التي ستتم مناقشتها في ذلك الاجتماع.
وعادة ما يضع العسكريون ثقلهم في هذا الاجتماع ويتقدمون إلى الحكومة بقرارات لها الأولوية في التنفيذ.
أي أن دور مجلس الوزراء والمجلس النيابي يصبح هامشيًّا، حيث يتم تنفيذ قرارات لجنة الأمن القومي التي يغلب عليها الطابع العسكري. ولم يكن من المتوقع أن يقبل الاتحاد الأوروبي مثل هذا الوضع الشاذ الذي يتصادم مع جميع المعايير الديمقراطية السائدة في العالم الغربي، وفي جميع الدول الديمقراطية الأخرى. لذا كان من مطالب هذا الاتحاد قيام تركيا بوضع نهاية لهذا الأمر ورفع الهيمنة العسكرية على السياسة لكي في السياسة لكي تكون أهلا للانضمام للاتحاد. مسؤولو الأوروبي يعلقون أملًا كبيرًا على قيام أي حكومة بالإقدام على مثل هذه الخطوة الجريئة لعلمهم بمدى قوة المؤسسة العسكرية في تركيا التي تساندها وتؤيدها مؤسسات علمانية أخرى قوية جدًّا مثل المحكمة الدستورية، ووسائل الإعلام القوية، ومجلس التعليم العالي الذي يشرف على جميع الجامعات والقصر الجمهوري.. إلخ
ولكن حزب العدالة والتنمية استطاع إنجاز هذا الأمر الصعب وبدل القوانين المتعلقة بهذه اللجنة وبسكرتاريتها وأرجع الأمور إلى نصابها.
فكيف استطاع هذا؟
كيف نجح حزب العدالة والتنمية؟
نستطيع تلخيص أهم عوامل النجاح في هذا الصدد بما يلي:
1- عندما جاء الحزب إلى الحكم قبل عشرة أشهر، تصرف بمرونة كبيرة، فلم يدخل في معارك جانبية، ولم يقم بإطلاق تصريحات استفزازية ضد العلمانيين. ولم يجعل همه قضية الحجاب، لأنه كان يعد نفسه لإنجاز الأمور المهمة والخطيرة أولًا؛ أي كان يستعد لتجفيف المستنقع وليس محاولة القضاء على بعض البعوض. لذا نراه يتراجع خطوة إلى الوراء عندما أثارت الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى موضوع اشتراك زوجة رئيس المجلس النيابي «بلند أرنج» (وهي محجبة) في مراسيم استقبال رئيس الجمهورية أحمد نجدت سزر عند عودته من زيارة رسمية خارجية وملأت الدنيا صراخًا بأن الحجاب اخترق أعلى المحافل الرسمية في الجمهورية، وأن مبادئ الجمهورية باتت في خطر، حيث قرر قياديو الحزب عدم مصاحبة زوجاتهم في مثل هذه المراسيم الرسمية، بدلًا من الدخول في مناقشات عقيمة لا تفيد في شيء.
2- قام هذا الحزب بإصلاحات قانونية وحقوقية عديدة، فسن العشرات من القوانين التي توسع نطاق الحرية الفردية، وتتلاءم مع الكرامة الإنسانية، مثل تشديد العقوبة على القائمين بعمليات التعذيب سواء في السجون أو في مخافر الشرطة، وتوسيع حرية التجمعات والمظاهرات، وسن قانون حق الفرد في الحصول على المعلومات وحق التعبير السلمي عن الرأي بجميع أشكاله، وحق الأقليات العرقية في تعلم وتعليم لغاتها، فأصبح في الإمكان مثلًا بث برامج تلفازية باللغة الكردية، وأصدر قانون العفو عن التائبين من الأكراد الذين التحقوا بحركة حزب العمال الكردستاني الانفصالي.. إلخ - كل هذه الخطوات أظهرت أن هذا الحزب المتهم بالرجعية - لكونه ذا جذور إسلامية - أكثر تقدمية، وأقرب إلى المدنية المعاصرة من جميع الأحزاب الأخرى الكمالية منها أو اليسارية أو اليمينية. وأنه أثبت هذا الأمر في الواقع العملي وليس على المستوى النظري. وكل هذا جلب ثناء العديد من الكتاب العلمانيين المحايدين.
3- ولعل أهم ما قام به هذا الحزب هو نجاحه في إرجاع العافية تدريجيًّا إلى الاقتصاد التركي في فترة قصيرة لا تتجاوز التسعة أشهر. هذا الاقتصاد الذي كان يعيش منذ ثلاث سنوات أزمة حادة. مع أن هذا الحزب عندما تسلم السلطة كان العراق -وهو بلد مجاور لتركيا -على أبواب حرب طاحنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، مما دفع المحللين الاقتصاديين والسياسيين إلى توقع تفاقم الأزمة الاقتصادية في تركيا نتيجة انعكاسات هذه الحرب عليها «مثلًا تأثر موسمها السياحي، وتوقفت تجارتها الحدودية مع العراق، وتوقف ضخ النفط العراقي من خلال أراضيها، وتوقع هجرة واسعة إلى تركيا، وهروب واسع لرأس المال من تركيا.. إلخ» مما زاد الجو الاقتصادي قتامة وتشاؤمًا.
4- في مثل هذا الجو القائم، وتراكم الديون الخارجية والداخلية، نجح هذا الحزب في لملمة الاقتصاد، ونفخ الروح فيه، وقلص النفقات الحكومية، وسلك طريق الاقتصاد في النفقات وقلص عدد الوزارات وعرض آلاف السيارات الحكومية للبيع، وكذلك الفيلات الفاخرة المؤثثة والمخصصة للنواب، وشكل لجانًا برلمانية لتعقب اللصوص الكبار الذين سرقوا البنوك الحكومية والخاصة، وأصدر قانونًا يسمح للحكومة بوضع اليد على أموال أصحاب ومدراء هذه البنوك وأموال أقاربهم من الدرجة الأولى والثانية واستحصال قيمة المسروقات من هذه الأموال... إلخ، من التدابير الاقتصادية التي كانت لها أصداء واسعة وطيبة في الساحة الاقتصادية، مما أدى إلى إشاعة جو من الثقة والأمن. وكانت النتيجة أن قيمة الليرة التركية ارتفعت مقابل الدولار أكثر من ٣٠% ونشطت البورصة وارتفع مؤشرها، وهبطت نسبة الفائدة بمقدار٤٠% تقريبًا، وزادت الصادرات بنسبة ٣٤% نتيجة النشاط الواسع الذي أبداه وزير التجارة والزيارات العديدة إلى البلدان المجاورة، وعقده العديد من الاتفاقيات الاقتصادية معها، وهبط معدل التضخم بشكل كبير، حيث يتوقع أن يبلغ نسبة ٢٠% تقريبًا في نهاية هذه السنة، بينما كان يبلغ نسبة ٦٠-٧٠% في عهود الحكومات السابقة.
5- اتبع الحزب سياسة خارجية حكيمة، فقد اهتم بتحسين علاقات تركيا مع دول الاتحاد الأوروبي، ومع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه أثبت - على خلاف جميع التوقعات الخارجية - أن تركيا ليست ذيلًا ولا تابعًا للولايات المتحدة الأمريكية وذلك عندما رفض البرلمان التركي «والحزب يملك فيه أكثرية مطلقة، فله ٣٦٨ مقعدًا من مجموع ٥٥٠» دخول ٦٠ ألف جندي أمريكي إلى شمالي العراق من الأراضي التركية، ورفض الطلب الأمريكي بهذا الخصوص مضحيًا بـ «٢٦ مليار دولار»، كانت الحكومة الأمريكية قد وعدت بتقديمه لتركيا في حال الموافقة على الطلب. ولكنه لم ينسف جميع الجسور بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، وحاول معالجة البرود والشرخ الذي حصل بسبب هذا الرفض، لذا نراه يغض الطرف عن المعاملة السيئة وغير المبررة التي لقيها 11 جنديًّا تركيًّا في مدينة السليمانية في شمالي العراق من قبل الجيش الأمريكي، ولم يتأثر بالمقالات العنيفة التي ظهرت في الصحف التركية، والتي طالبت بتقديم مذكرة احتجاجية شديدة اللهجة إلى السفارة الأمريكية وإعادة النظر في العلاقات التركية الأمريكية ووجوب تقديم الولايات المتحدة الأمريكية اعتذارًا إلى تركيا.. إلخ، بل قام بإنهاء التوتر عن طريق المفاوضات. لأن عدم جلب عداوة الولايات المتحدة الأمريكية كان ضروريًّا له في نجاحه للوقوف أمام المؤسسة العسكرية، وإنهاء هيمنتها غير الشرعية على سياسة البلد فالولايات المتحدة الأمريكية لعبت دورًا مساندًا ومؤيدًا لجميع الانقلابات العسكرية التي قام بها الجيش في السابق. أي كان من الضروري الحصول على تأييدها –أو على الأقل تحييدها -عند المواجهة مع المؤسسة العسكرية.
كما اهتم الحزب بتحسين علاقات تركيا مع جيرانها ومع العالم العربي، فقام عبد الله جول «عندما كان رئيسًا للوزراء. ثم عندما أصبح مساعدًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للخارجية» بزيارة عدد من الدول العربية، وكذلك قام وزير التجارة بعدد من هذه الزيارات.
أي أن الحزب لم يواجه المؤسسة العسكرية إلا بعد أن قوي إثر هذه النجاحات التي أشاعت جوًّا من التأييد الشعبي له.
وقد أشارت الدراسات الإحصائية التي قامت بها مؤخرًا بعض مراكز البحوث والإحصاء إلى زيادة التأييد الشعبي للحزب عن السابق، فقد حصل الحزب على ٢٣٨ من مجموع أصوات الشعب في الانتخابات الأخيرة التي جرت في أواخر العام الماضي، بينما أظهرت هذه الإحصاءات الأخيرة أن نسبة التأييد للحزب زادت إلى ٤٢% هذا في الوقت الذي هبط فيه التأييد الشعبي للحزب المعارض الرئيس «وهو الحزب الجمهوري الشعبي» من ۱۹ في الانتخابات الأخيرة إلى ١١.٨ حاليًا. وهذا عكس ما يحدث عادة بعد شهور من الانتخابات، حيث يرى الشعب أن الحزب الواصل للحكم سرعان ما ينسى الوعود الكثيرة التي بذلها بسخاء في ميادين الانتخابات، لذا يميل إلى الحزب المعارض الذي يستغل هذا الأمر ويقوم بنقد لاذع للحكومة لأن ما حدث هو أن الحزب حقق معظم ما وعد به وهو في طريقه لتحقيق الباقي، بل ربما حقق في بعض الأمور أكثر مما وعد به حتى أنه جلب حب وتأييد العديد من المعارضين السابقين له.
ولكي نفهم أهمية وخطورة ما قام به هذا الحزب من إزالة الهيمنة العسكرية على السياسة الخارجية والداخلية لتركيا، ندرج أدناه الصلاحيات السابقة التي كانت لجنة الأمن القومي وسكرتاريتها تتمتع بها وما آلت إليه هذه الصلاحيات بعد التغييرات الأخيرة.
الصلاحيات السابقة للجنة الأمن القومي
سنستعرض هنا البنية التحتية لهذه اللجنة والسكرتارية المنبثقة عنها وآلية عملها ومهماتها. والتي كانت تضم كادرًا واسعًا بلغ ۷۰۰ موظف.
تتكون السكرتارية من سكرتير عام، وهو جنرال يعينه رئيس الأركان العامة، ثم مساعد السكرتير العام، ومساعدين له، ثم المستشارين الرئيسيين، ثم المستشارين الاعتياديين ثم مدراء الدوائر، وأخيرًا الخبراء في مختلف الاختصاصات.
نستطيع تعريف هذه اللجنة بأنها اللجنة التي تقوم بتوجيه جميع الهيئات الدستورية، وتحتكر صلاحية جمع المعلومات السياسية الرئيسة منها ومن جميع الدوائر الرسمية، ولها صلاحية إجرائية أي تنفيذية، وصلاحية الرقابة على جميع هذه الهيئات والدوائر والقيام بجمع جميع المعلومات التي تهم الدولة وترتيبها وتقييمها، ومراقبة جميع الفاعليات السياسية والقوانين الصادرة وتقوم بكل هذا باسم رئيس الوزراء. وفي ضوء المعلومات والاستخبارات المتجمعة لدى لجنة الأمن القومي من الهيئات والمؤسسات المختلفة، تقوم هذه اللجنة بإصدار أوامرها حول كيفية قيام هذه المؤسسات والهيئات بتطبيق وتنفيذ ما يحقق للبلد أمنه الوطني حسب رأيها. لذا تقوم السكرتارية بوضع الخطط في هذا الاتجاه، وتراقب كيفية تطبيقها، وتعطي التوجيهات اللازمة في هذا الصدد. كما تقوم بعمليات التنسيق كذلك، أي أنها تعطي الشكل النهائي والقالب النهائي لجميع المعلومات المتجمعة، وتعطي التوجيهات حسب اجتهادها ورأيها السياسي، أي حسب الأيديولوجية الكمالية العلمانية.... تفعل كل هذا باسم رئيس الوزراء!!.
أي نرى هنا أربع خصائص:
1- أن جميع المعلومات تنصب في سكرتارية لجنة الأمن القومي، وتقيم فيها وتنظم. أي أنها تشكل «ذاكرة الدولة». وفي إطار جمع المعلومات تنشئ هذه السكرتارية علاقات واتصالات قوية مع جميع الوزارات ومع جميع الولاة ومع قنوات التلفزيون الحكومية الرسمية، ومع مؤسسة التعليم العالي التي ترتبط بها جميع الجامعات، ومع الهيئة العامة للراديو والتلفزيون، وتقوم بتوجيه هذه المؤسسات.
2- تكون هذه المعلومات أساسًا للقرارات التي يتخذها المجلس الوزاري والمجلس النيابي واللجان المنبثقة عنه، والقرارات المتخذة في مختلف الهيئات والمؤسسات.
3- لا تكتفي الوحدات المنبثقة عن لجنة الأمن القومي وعن سكرتاريتها بجمع المعلومات وتصنيفها وتقييمها ومراقبة تنفيذها من قبل الحكومة، بل تقوم أيضًا بجمع المعلومات الاقتصادية والسياسية والتعليمية للمجتمع، والنشاط الإعلامي، ومن ضمنها الصحافة ومحطات الإذاعة والتلفزيون الحكومية منها والخاصة.
4- تقوم هذه اللجنة بواسطة احتكار المعلومات بتوجيه المجتمع في إطار الأيديولوجية السياسية للجيش، وهي باختصار «الأيديولوجية الكمالية» وجميع كوادرها من أفراد الجيش باستثناء الخبراء المدنيين.
القوانين الجديدة
هذا هو موقع ومكانة ومهمات لجنة الأمن القومي وسكرتاريتها، وهذا هو الدور الخطير الذي تلعبه في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية منذ عشرات السنين. فماذا غيرت القوانين الجديدة التي سنتها الحكومة الحالية، حكومة حزب العدالة والتنمية؟
قامت القوانين الجديدة بإلغاء الصفة التنفيذية، وبإلغاء صلاحية المراقبة والمتابعة من مجلس الأمن القومي ومن سكرتاريتها، وأعطت لها صفة استشارية فقط. كما سحبت من رئيس الأركان العامة صلاحية تعيين السكرتير العام للجنة، ونقلت هذه الصلاحية إلى رئيس الوزراء وإلى رئيس الجمهورية بالصيغة الآتية: يقوم رئيس الوزراء بترشيح شخصين عسكريين أو مدنيين لهذا المنصب ويقدمهما إلى رئيس الجمهورية الذي يقوم باختيار أحدهما. وبهذا يكون رئيس الوزراء هو الذي يعين السكرتير العام للجنة الأمن القومي من الناحية العملية، والشيء المهم هنا سحب صلاحية تدخل هذه اللجنة في الهيئات والمؤسسات المختلفة والوزارات، وحصر عملها ومهمتها في إطار تقديم الاستشارة إلى الحكومة التي لها مطلق الحرية في الأخذ أو عدم الأخذ بها وإهمالها. كما لم يعد هناك شرط كون السكرتير العام للجنة شخصًا عسكريًا. وبهذا فقدت لجنة الأمن القومي هيمنتها السابقة، وأصبحت لجنة استشارية مثلها مثل اللجان الشبيهة لها والموجودة في بعض الدول الغربية، فهناك مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة الأمريكية، ويوجد في فرنسا مجلس الدفاع الأعلى، وفي روسيا مجلس الأمن الفيدرالي، وفي اليونان مجلس الدفاع. كل هذه المجالس أو اللجان موجودة في العالم الغربي، ولكنها تعمل كمجالس استشارية تقدم المعلومات والاستشارات للحكومة في الشؤون الدفاعية والسياسة الخارجية، ولا تستطيع التدخل في الشؤون السياسية الخارجية أو الداخلية، ولا التدخل فيعمل الحكومة أو فرض رأيها عليها، أو تدبير الانقلابات العسكرية أو التدخل في إسقاط الحكومة.
كما نصت التعديلات الأخيرة على قيام لجان من البرلمان النيابي أو من وزارة المالية بتدقيق نفقات الجيش، وهو ما لم يكن موجودًا في السابق ولا مسموحًا به. وهذا لا يتعارض طبعًا مع بقاء فقرات ومقادير هذه النفقات سرًّا من أسرار الدولة. ثم نصت التعديلات الجديدة على قيام لجنة الأمن القومي بعقد اجتماعاتها كل شهرين بدلًا من كل شهر. تعد هذه القوانين الجديدة ثورة كبيرة في تركيا، لأنها تزيل الهيمنة العسكرية في تركيا وتضع تركيا في مصاف الدول الديمقراطية الأخرى وأعتقد أنه يجب مرور سنة كاملة في الأقل قبل أن تتأكد أن هذه القوانين تعمل بكفاءة وأنها أصبحت حقيقة واقعة في تركيا لأن البؤر العلمانية القوية في تركيا لها القابلية على حبك المؤامرات المختلفة واصطناع الأزمات لإحراج الحكومة وتدويخها. وقد قبل رئيس الوزراء رجاء رئيس الأركان العامة في أن يكون السكرتير العام لهذه اللجنة عسكريًّا لمدة سنة واحدة فقط وما دامت هذه اللجنة قد تحولت إلى لجنة استشارية، ولا تملك صفة تنفيذية وإجرائية ولا صلاحية المتابعة والمراقبة فكون السكرتير العام عسكريًّا لسنة واحدة لا يهم كثيرًا.
والحقيقة أنه لم يتم ولم يكمل كل شيء بعد، فالحكومة مقبلة على اتخاذ خطوات أخرى أيضًا لكي تكون الإدارة في تركيا. لا بد إدارة مدنية بحق، فمثلًا من ربط رئاسة الأركان العامة بوزارة الدفاع، ومنها إعطاء حق الدفاع للضباط المطرودين من الجيش أمام المحاكم العسكرية.
هذه التغييرات القانونية الجذرية التي أقدمت عليها الحكومة التركية الحالية أثارت الإعجاب في العالم كله، ولا سيما في دول الاتحاد الأوروبي، وفي الولايات المتحدة الأمريكية فقد ظهرت العناوين الآتية في الصحافة البريطانية: «لجم النفوذ السياسي للجيش في تركيا» و«الجيش في تركيا يفقد نفوذه السياسي»، وكتبت «تايمس» في صفحة الأخبار الخارجية:
«إن القوانين التي سُنت في تركيا ضربت في صميم لجنة الأمن القومي التي تعطي الجيش قوته الرسمية. لقد تم سحب صلاحياتها التنفيذية وأصبحت مجرد لجنة استشارية»
وبعد أن استرجعت إلى الأذهان قيام الجيش التركي بأربعة انقلابات استطردت قائلة:
«لقد سنت هذه القوانين في الوقت نفسه مع قانون العفو عن التائبين الأكراد، وهو القانون الذي أرضى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية»
ثم تابعت: «إن العفو الصادر عن الأكراد سيؤدي إلى انسحاب الجيش التركي من شمالي العراق، وعلى تأثير كبير في السياسة الخارجية التركية قبل أن يقوم الجيش الأمريكي بأي فاعلية ضد المسلحين الأكراد الموجودين في شمالي العراق».
أما «ديلي تلغراف» فقد وصفت هذه القوانين بأنها «انقلاب» وقالت:
«إن هذه التغييرات أحدثت انقلابًا في السياسة التركية يمكن مقارنته بانقلابات أتاتورك. لقد كان الجيش حتى الآن يفرض وجهته السياسية بواسطة لجنة الأمن القومي على الزعماء المدنيين».
أما «فاينانشال تايمز» فوضعت عنوان: «الاتحاد الأوروبي يستقبل الإصلاحات المتعلقة بالجيش بكل حفاوة» وكتبت تقول: «بعد تقليل نفوذ القوات المسلحة، وبعد سن قانون العفو عن أفراد حزب العمال الكردستاني، بدأ رجال السياسة في أوروبا يمطرون تركيا بالمديح. لقد قال أحد الدبلوماسيين: إن هاتين الخطوتين إيجابيتان جدًا، وهما تشيران إلى أن تركيا أصبحت مهيأة للدخول في مباحثات عضويتها في الاتحاد الأوروبي».
إن تركيا اليوم على أبواب عهد جديد، وإذا استطاعت النجاة من المؤامرات التي قد تُحاك ضدها والبقاء حتى الانتخابات القادمة فستفوز في تلك الانتخابات أيضًا، وستكون دولة ديمقراطية ذات اقتصاد سليم ودولة صديقة للعالم العربي والإسلامي، وربما ستحد من علاقاتها مع «إسرائيل» -وهو أمر لا تستطيعه الآن – وستكون عامل توازن في منطقة الشرق الأوسط.