العنوان الجامعات الفلسطينية في الأرض المحتلة هوية حضارية وقلاع جهادية
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1988
مشاهدات 78
نشر في العدد 853
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 26-يناير-1988
الحركة الجهادية في
فلسطين استوعبت كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله
التيار الإسلامي يسيطر على الاتحادات
الطلابية في أغلب الجامعات.
وصلتنا رسالة من جامعة الخليل مع بداية
الانتفاضة الأخيرة في فلسطين تفيد بأن سلطات الاحتلال الصهيوني اتخذت سلسلة
إجراءات تعسفية حالت دون مواصلة الحياة الأكاديمية في جامعة الخليل، حيث قامت
دوريات جنود الاحتلال بمحاصرة حرم الجامعة وأخذت تفتش الطلاب والمارة، فخرج الطلاب
من قاعات الدرس وأخذوا يهتفون ضد الإجراءات التعسفية، فقام الجنود بإطلاق النار
عشوائيًا وقذف مباني الجامعة بالقنابل المسيلة للدموع فأُصيب بعض الطلاب
والطالبات، ثم أغلقت سلطات الاحتلال الصهيوني جميع مداخل الجامعة ووضعت الحواجز
والمتاريس لمنع الطلبة والأساتذة من دخول الحرم الجامعي.
وتضيف الرسالة قائلة: إن الدراسة الآن
معلقة.. وأن السلطات الصهيونية تُطبق سياسة القبضة الحديدية- وقد أصبح من المعتاد
أن تُشاهد المظاهر العسكرية المسلحة حول الجامعة.
وتأتي إجراءات سلطات الاحتلال
الإسرائيلي المتكررة ضد الجامعات والمعاهد العليا، وبخاصة عدم تجديد الإقامات لعدد
كبير من أعضاء الهيئات التدريسية للجامعات والإغلاق المستمر، وسجن واعتقال الطلبة
والهيئات التدريسية.. وإصدار الأوامر العسكرية وغيرها من الإجراءات، لتُؤكد من
جديد استراتيجية سلطات الاحتلال الإسرائيلي وتقديرها لأهمية قيام جامعات ومعاهد
عليا في الأراضي العربية المحتلة تؤدي واجبها الأكاديمي والوطني المتميز في مواجهة
مخطط سلطات الاحتلال لطمس معالم الهوية والثقافة والحضارة العربية الإسلامية
لشعبنا.
كما أن إجراءات سلطات الاحتلال هذه
تُؤكد من جديد الجانب الحضاري في صراعنا مع العدو الصهيوني الذي يحاول اجتياح
وجودنا الحضاري والثقافي بعد اغتصاب الوطن وتهجير السكان والعمل على إبادة الشعب
وتصفيته بجميع الوسائل المتاحة.
الدور الحيوي للتعليم
في الأرض المحتلة:
لقد شكَّل التعليم- ولا يزال- دورًا
حيويًا في رفع المستوى المعيشي والاجتماعي والسياسي للشعب العربي الفلسطيني، سواء
داخل الوطن المحتل أو خارجه، رغم الغربة والمرارة اللتين ميزتا حياة الفلسطينيين
في داخل وطنهم، وفي مخيمات اللجوء. فمنذ السنوات الأولى للهجرة القسرية التي تعرض
لها الفلسطينيون بإبعادهم عن الوطن، حظي التعليم باهتمام الأسرة الفلسطينية، الأمر
الذي أدى إلى تطور كمي في عدد المتعلمين من أبناء الشعب العربي الفلسطيني. ولكن
رغم النسب العالية لعدد الحاصلين على شهاداتهم الجامعية، فإنه افتقد قيام مؤسسات
أكاديمية خاصة به وذلك لأسباب كثيرة يقف في طليعتها غياب السلطة الوطنية عن التراب
الفلسطيني.
وعقب عام 1967م وفي ظل الاحتلال العسكري
الصهيوني ونظرًا للحاجة الموضوعية لإيجاد مؤسسات تستوعب الأعداد المتزايدة من
خريجي المدارس، اهتم الفلسطينيون بالتعليم المتوسط والعالي اهتمامًا خاصًا، وحظي
بالرعاية من قبل كافة المؤسسات والدوائر والفعاليات الفلسطينية المعنية، واعتُبر
في طليعة أولويات الاهتمام الوطني، وذلك بهدف تثبيت الوجود البشري على تراب الوطن
وتوفير الأطر التنموية للمؤسسات المحلية، وخلق الكوادر والقيادات المؤهلة لتسيير
العمل على كافة مستويات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي مواجهة
مخططات العدو وتغيير الطابع الديموغرافي على الأرض، وخنق حقوق الإنسان وخلق وقائع
استيطانية زاحفة وطمس الثقافة القومية، وذلك بهدف انحسار الشعب العربي الفلسطيني
عن الخريطة السياسية كشعب وقضية.
مبادرة الفعاليات
الوطنية:
ولقد جاءت مبادرة الفعاليات الوطنية في
الأرض المحتلة، وبدعم منظمة التحرير الفلسطينية واللجنة المشتركة، في إنشاء وتطوير
مؤسسات أكاديمية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، استجابة للضرورة الموضوعية التي
يحتاجها الشعب الفلسطيني، وسعى إليها منذ سنوات طويلة. فتم إنشاء كلية الشريعة في
مدينة الخليل عام 1971م، وتطوير كلية بيرزيت التي أُسست عام 1924م، إلى مستوى
جامعي عام 1972م، وتأسيس جامعة بيت لحم عام 1973م، وتطوير كلية النجاح الوطنية في
نابلس والتي أُسست عام 1918م إلى جامعة عام 1977م، وافتُتحت الجامعة الإسلامية في
غزة عام 1978م امتدادًا لمعهد فلسطين الديني الأزهري وكلية العلوم والتكنولوجيا في
أبو ديس عام 1977م، وكلية الدعوة وأصول الدين في بيت حنينا عام 1979م، وكلية
التمريض العربية في البيرة عام 1979م، والمعهد الشرعي في القدس عام 1975م، والمعهد
الشرعي في قلقيلية عام 1978م، والمعهد الفني الهندسي- البوليتكنك- في الخليل عام
1978م.
ولقد كان حصيلة هذا العمل قيام ست
جامعات فلسطينية معترف بها من قبل اتحاد الجامعات العربية واتحاد الجامعات
الإسلامية، وبعضها عضو في اتحاد الجامعات العالمية.
وهذه الجامعات الست هي: بيرزيت، النجاح،
بيت لحم، غزة، الخليل، القدس.
وإلى جانب هذا الدور الاستراتيجي الذي
تقوم به الجامعات، فإنها تضطلع بدور رئيسي على الصعيدين الوطني والأكاديمي في مجرى
العملية الكفاحية التي تستهدف دحر الاحتلال وانتزاع حقوق الشعب العربي الفلسطيني
في العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة، فالترابط والتكامل العضويان صاغتهما
وقائع الحياة في داخل الأرض المحتلة، استطاعت الجامعات أن تكون قلاعًا حصينة للعمل
الوطني وقواعد لتخريج مئات الكوادر المؤهلة علميًا ومهنيًا، والمُختزنة للخبرات
والتجارب السياسية ذات الطابع الكفاحي، وذلك خلال تصديها لإجراءات الاحتلال وقواته،
وتعرض العاملين والطلبة على السواء لممارسات القمع المختلفة مما صلب من قناعاتهم
وتماسكهم الداخلي والنفسي، وأدى إلى عجز السلطات المحتلة عن التمكن من تمرير
سياساتها وبرامجها رغم الإجراءات التعسفية المتبعة.
لماذا تعدد الجامعات؟
كما جاء تعدد الجامعات الفلسطينية
وتوزعها الجغرافي استجابة لظروف موضوعية سائدة في الأرض المحتلة، حكمت إنشاءها،
فلقد تأسست هذه المؤسسات بالأصل كمحصلة مبادرات للفعاليات الاجتماعية، وكامتداد
لمؤسسات تربوية فاعلة يتعدى عمرها عشرات السنين "جامعة النجاح 1918م، جامعة
بيرزيت 1924م" الأمر الذي أدى إلى ترسيخ نوع من التقاليد المميزة نسبيًا في
بنية كل مؤسسة وفي فلسفة القائمين عليها مما استدعى المحافظة على هذا التمايز على
أرضية التنافس الأكاديمي والوطني في إطار المصلحة العليا للشعب العربي الفلسطيني.
مجلس التعليم العالي:
ولكن رغم التعدد، في غياب السلطة
الوطنية لا يعني هذا غياب التنسيق والتعاون بين الجامعات، لذلك ونتيجة للحاجة
الملحة للتعاون والتنسيق وبعد أن أصبحت الجامعات واقعًا ماديًا ملموسًا، تتحمل
مسؤولياتها الكاملة على الصعيدين الوطني والأكاديمي، بادرت الفعاليات والمؤسسات
التربوية والتعليمية والنقابات المهنية والمجالس البلدية لعقد سلسلة مشتركة من
الاجتماعات انبثق على أثرها مجلس التعليم العالي في عام 1977م، كصيغة علمية وكإطار
واقعي، أخذ على عاتقه مهمة توحيد عمل الجامعات والتنسيق فيما بينها من أجل تطويره
إلى مستويات أرفع والعمل على إنشاء مؤسسات جديدة حسبما تقتضي الحاجة وفي نطاق
الإمكانات المتاحة وإجراء الدراسات والبحوث والنشاطات التي تستهدف الارتفاع بمستوى
التعليم وتوفير الدعم المالي لكافة المؤسسات.
تحديات تواجه التعليم
الفلسطيني في الأرض المحتلة
يواجه التعليم الجامعي في المناطق
المحتلة مجموعة من المضايقات والتي تحول دون تطوره بشكل طبيعي وذلك بسبب سياسة
الاحتلال وممارساته والتي يمكن بلورتها بالإجراءات التعسفية التالية:
- فرض الأوامر العسكرية وتغيير القوانين السائدة بما يتنافى والأعراف
والقوانين الدولية فقد أصدرت سلطات الاحتلال أمرًا
يقضي بموجبه تعديل قانون التربية والتعليم رقم 16 لسنة 1964م الساري المفعول
بالضفة الغربية بالأمر العسكري 854، كذلك تعديل قانون الجمعيات العثماني
المعمول به بقطاع غزة بأمر عسكري مشابه في المضمون لقرار 854 والذي يحد من
حرية التعليم.
- رفض السماح بإعطاء أذونات إقامة لأعضاء هيئات التدريس الوافدين من
الخارج للعمل في الجامعات نتيجة حاجة هذه الجامعات لبعض
التخصصات إلا إذا كانت هذه الأذونات مقرونة بالتوقيع على وثيقة سياسية تحمل
مضمونًا معاديًا لمنظمة التحرير الفلسطينية.
- فرض الإقامة الجبرية على أعضاء هيئات التدريس والطلبة على السواء بالإضافة إلى عمليات الاعتقال المتقطعة والمستمرة.
- إعاقة عملية التوسع بعدم السماح بإنشاء أبنية جديدة في الحرم الجامعي.
- فرض الضرائب الباهظة على المواد التعليمية والأدوات المخبرية المستوردة المعفاة من الجمارك حسب القوانين السائدة قبل احتلال عام 1967م.
- منع تداول عدد كبير من الكتب والدوريات وتبلغ آخر
إحصائية لقائمة الكتب الممنوعة رسميًا حسب تعليمات الحكم العسكري أكثر من
ثلاثة آلاف عنوان كتاب من كافة التخصصات العلمية والأدبية والسياسية وكتب
الجغرافيا والتاريخ والآثار.
- تقنين منح رخص العمل للجامعات لمدة سنة واحدة يجب أن تجدد سنويًا حسب تعليمات الحكم العسكري الأمر الذي يضع الجامعات في حالة عدم
استقرار.
- إصدار الأوامر العسكرية بإغلاق الجامعات لفترات مختلفة، بالإضافة إلى
عمليات الإغلاق غير المعلنة التي تتم بواسطة وضع الحواجز على
الطرق ومنع أعضاء هيئة التدريس والطلبة من التوجه إلى جامعاتهم.
تعدد التيارات
السياسية:
تتعدد التيارات السياسية في جامعات
الضفة الغربية وقطاع غزة على نحو ليس بمختلف كثيرًا عما هو عليه الحال خارج الوطن
الفلسطيني المحتل.
ورغم كل عوامل القهر في الوطن المحتل
إلا أن هناك حقيقة لا بد من الإشارة إليها وهي أن الطلبة الفلسطينيين هناك يُسمح
لهم بالتحرك السياسي على نحو قد لا يكون متوفرًا عند أمثالهم في الجامعات العربية
في الخارج.
وقد استغل الصهاينة هذه المسألة
إعلاميًا في الداخل والخارج، على حين أن هذه الحرية النسبية التي منحتها للطلبة
الفلسطينيين قصدت بها تكريس الفرقة والصراع بين التيارات السياسية المختلفة.
نمو التيار الإسلامي:
ومنذ نهاية السبعينات بدأ التيار
الإسلامي يشق طريقه صاعدًا في الأوساط الطلابية حيث استطاع السيطرة على الاتحادات
الطلابية في أكثر من جامعة وخاصة الجامعة الإسلامية في غزة "المجتمع
الإسلامي" ثم جامعة الخليل "التجمع الإسلامي" ثم في جامعة النجاح
ثم في جامعة بيرزيت. أما في جامعة بيت لحم فهناك أكثرية مسيحية.
ويأتي بعد التيار الإسلامي كتلة الشبيبة
الطلابية وهي كتلة تابعة لحركة "فتح" ثم طلبة الجبهة الشعبية "جبهة
العمل الطلابي التقدمية" ثم طلبة الجبهة الديمقراطية "كتلة الوحدة
الطلابية" وأخيرًا طلبة الحزب الشيوعي الفلسطيني "الكتلة التقدمية
الطلابية".
ومما هو جدير بالذكر أن كثيرًا من
"القوى الوطنية" هداها الله أخيرًا إلى الإسلام فانحازت إلى التيار
الإسلامي، وكذلك فعل بعض الماركسيين والعلمانيين. والغريب في الأمر هو تفسير
الصهاينة لهذه الظاهرة حيث علق مسؤول إسرائيلي على ذلك قائلًا: إن الماركسيين
أصبحوا يُجنِّدون في صفوفهم بعض الإسلاميين بهدف تقوية روحهم المعنوية. والواقع أن
هؤلاء "الوطنيين" الذين استظلوا بظل الماركسية اكتشفوا فساد الماركسية
كمُحرك للعمل الوطني ووجدوا ضالتهم في الإسلام عقيدةً وجهادًا: "إنك لا تهدي
من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء". وكان بروز التيار الإسلامي في الساحة
الجهادية بعمليات بالغة الجرأة والفاعلية، عمل جذب ووحدة للجماهير ومن ضمنها القوى
الطلابية بتياراتها المختلفة فانتفض الشعب الفلسطيني كله بقواه السياسية المتعددة
وراء هذا العمل الجهادي الإسلامي وضد العدو الصهيوني المحتل.
يحضرني في هذا السياق مقولة ماو تسي
تونغ المشهورة: "الثائر من شعبه كالسمكة من الماء، فإذا خرجت السمكة من الماء
ماتت وإذا انعزل الثائر عن شعبه حبط عمله". وهذا ينطبق تمامًا على الشعب
العربي المسلم في فلسطين، فإن الثائر المسلم "المجاهد" أكثر انسجامًا مع
طبيعة هذا الشعب فلا غرابة إذا التف الشعب حوله.
وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن الحركة
الجهادية في فلسطين لم تتقوقع في إطار حزبي أو اجتهاد فئوي وإنما استوعبت كل من
يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وانفتحت على التيارات الوطنية انفتاح الواثق
من نفسه، المستعين بالله فجذبتهم دون أن تفرط في أصول التوجه الإسلامي الساعي إلى
تحرير فلسطين وإقامة شريعة الله في نهاية المطاف.