العنوان الجبار الصغير
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1986
مشاهدات 60
نشر في العدد 795
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 09-ديسمبر-1986
أخبرني أحد الفضلاء من أهل العلم أنه بلغه خبر وفاة زوجته في بلده المجاور، فتوجه حالا وهو يكفكف دموعه إلى المطار، لأنه يعرف أن هناك طائرة ستقوم في هذا اليوم إلى البلد الذي يقصده، وقطع تذكرة السفر، وأراد أن يركب الطائرة التي ما زالت جاثمة في أرض المطار، والتي ستقوم بعد نصف ساعة تقريبا، وجاء إلى الموظف المختص وأراد أن يسلمه التذكرة ليعطيه بطاقة الدخول، ولم يكن عنده أي عفش ليؤخره في الوزن، فاعتذر الموظف عن قبول التذكرة، والسماح له بالسفر لوصوله متأخرا ، فشرح له ظروفه، فأصر على موقفه وعبثا حاول الاستعانة بكل الموظفين الذين في مكتب الطيران، وكلما حاول التحدث مع أحد الموظفين من العرب أو الهنود صاح بوجهه عنه، ولم يلتفت إليه، ولم يسمع كلامه أي أحد منهم، وفجأة رأى امرأة أوروبية تحمل جهاز اتصال، فعرف أنها من موظفي السفريات فهرع إليها، فوقفت وأخذ يتحدث معها ولعدم معرفتها بالعربية استعانت لفهم كلامه بأحد الموجودين الذين يعرفون الإنجليزية، ولما عرفت ما يقول ظهر عليها التأثر والتجاوب مع مشكلته، فحالا اتصلت بالجهاز فجاء موظف وأخذ منه التذكرة وأعطاه بطاقة دخول الطائرة وركب الطائرة بسلامة الله، شاكرا لهذه المرأة فضلها عليه، ثم قال الأخ الفاضل متسائلا لماذا لا يكون الموظفون من العرب والمسلمين مثل هذه المرأة الأوروبية في إنسانيتها وأدبها، ومحاولة مساعدة الناس بما تستطيع من جهد، ثم أردف قائلا إن كثيرا من الموظفين في البلاد العربية والإسلامية تشعر وكأنهم يريدون الانتقام من الناس، أو كأنهم يتعمدون تشويه سمعة دولهم بإساءة معاملة الناس، وحكى لي ما لاحظه بنفسه من أن أحد الموظفين في القسم القنصلي بإحدى السفارات يسيء معاملة الناس، ويتحدث إليهم بكِبْر، وصلف وعنجهية، وأنه أحيانا يرمي الجواز في وجه صاحبه، وقد يمزق أوراق المعاملة أمام صاحبها، ثم يتساءل أليس مثل هؤلاء الموظفين يسيئون إلى دولهم، ويثيرون غضب الناس عليها، وأخذ يتحدث عن حوادث كثيرة تصدر من موظفين مختلفين في البلاد العربية والإسلامية وخاصة على الحدود، وفي المطارات والسفارات، لماذا لا يكون هؤلاء مثل الأوروبيين في معاملتهم للإنسان، فعندما تكون في طريقك من بلد إلى بلد لا تشعر أنك تدخل دولة أخرى، وكل ما في الأمر أنه يطلع على جوازك ويعيده إليك بكل أدب واحترام وإذا صادفتك مشكلة ساعدوك على حلِّها، من غير أن يطمع أحد منهم في مكافأة منك على ما قدم من عمل؛ لأنه يشعر أن ذلك واجبه، والانسان محترم لا يتعرض للاهانة ولا لسوء معاملة من أي موظف كان صغيرًا او كبيرًا.
ونحن نتساءل لماذا لا تكون مثل هؤلاء في الأخلاق، وقد أمرنا الإسلام بحسن المعاملة مع الناس وبالبِشْرِ والبشاشة، وطلاقة الوجه ومساعدة الضعيف وصاحب الحاجة، وأمرنا بالرحمة والمودة والتواضع والإخلاص في العمل وعدم الكبر والغطرسة، ألم يكن نبيُّنا محمد عليه الصلاة والسلام مضرب المثل في تواضعه ولين جانبه وفي مساعدة الناس، وحل مشاكلهم، وإغاثة الملهوف، وقال له ربه ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:159). لماذا يكون أتباعه متصفين بالفظاظة وغلطة القلب، وبلادة الحس، وسوء المعشر والكِبْرِ والغطرسة.
والواقع أن دعوة الإسلام وأخلاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أثرت فيمن اعتنق الإسلام عن إخلاص، وصدق ومحبة فكانوا مثالا في الأخلاق والعطف على الضعفاء، والرحمة واللين ومحبة الخير، ومساعدة من طلب مساعدتهم وهذا تاريخهم يشهد هم بذلك، أما الذين اعتنقوا الإسلام ولا زالت فيهم أخلاق الجاهلية أمثال عيينه بن حصن، والأقرع بن حابس فمثل هؤلاء لم يتمكن الإسلام من قلوبهم، وكذلك من هم على شاكلتهم في هذا العصر، فالمتكبرون والمتغطرسون إنما هم أصحاب إسلام مزيف؛ لأن المسلم الحقيقي يظهر إسلامه في أخلاقه وعمله، والذي لا ينعكس إسلامه على أخلاقه وعمله فحسب من المسلمين الجغرافيين، الذين يحسبون عند التعداد فهم لم يربوا تربية إسلامية، حتى يظهر ذلك في سلوكهم وأعمالهم ومثل هؤلاء لا بد وأن تكون طباعهم شرسة، لا تواتيهم أنفسهم على مساعدة الناس أو مقابلتهم بالحُسْنَى، وطلاقة الوجه فينظرون إلى الناس بحقد وكراهية من غير سبب، وأي خطأ منك لا يغفره ويستمر في الخصومة والعناد، ولا يَصغى لعذرك ولا لنداء الضمير، ولا يستمع لكلمة رجاء، بل يتمادى في عناده وخصومته بدون وجه حق ومثل هؤلاء هم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (متفق عليه).
يقول علماء النفس إذا رأيت الشخص يسيء معاملة الناس، وكأنه ينتقم منهم، فاعلم أنه مريض نفسيًّا، فإذا تتبعت تاريخ حياته، ستجد أنه لم يُرَبَّ تربية سليمة، وقد يكون مضطهدا في طفولته، فلم يسعد بحنان الأب والأم ولا أحد في الأسرة، فينعكس ذلك على تصرفاته إذا كبر، فيشعر بالراحة إذا أساء إلى الناس، فهو ينفِّسُ على نفسه بالانتقام من الآخرين، وتجاهلهم، والتكبر عليهم. وتجاهل الناس قد حذر منه القرآن على لسان لقمان في وصيته لابنه فقال تعالى ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان:18) وتصعير الخد معناه الإعراض عن الناس الذين يكلمونه احتقارا لهم وتكبرا عليهم وهذه من صفات الجبارين.
قال الشاعر:
وكنَّا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فتقوما
والموظف الذي يتجاهل الناس، ويسيء معاملتهم، ويصعِّر خده لهم، هو بلا شك جبَّار صغير، فينبغي أن يقوَّم ميله، ليعتدل حتى لا يتكبر ويعامل الناس بأدب واحترام والكِبْر كما فسره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو تسفيه الحق وغمط الناس، أو بطر الحق وغمط الحق وغمط الناس كما في رواية أخرى، وكمْ شاهدنا مغرورين كانوا يسفهون الحق، ويبطرونه ويغمطون الناس، فانتقم الله منهم.
أضعت العمر عصيانا وجهلا فمهلا أيها المغرور مهلا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل