; الدكتور حسن الترابي في لقائه الشامل مع المجتمع: الجبهة الإسلامية القومية هي أداة التعامل مع التحديات في السودان | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور حسن الترابي في لقائه الشامل مع المجتمع: الجبهة الإسلامية القومية هي أداة التعامل مع التحديات في السودان

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1985

مشاهدات 48

نشر في العدد 734

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 24-سبتمبر-1985

  • مشكلة الجنوب لازمت السودان منذ استقلاله وقد تأتت عن القطعية التي فرضها الاستعمار بين شطري البلاد.

    الأحزاب اليسارية والأحزاب الوافدة حديثًا عن السودان تحاول أن تزرع في أرض السودان نبتًا شاذًا.

    التراخي في تطبيق الشريعة الإسلامية أحدث أثره في انفراط الأمن وشيوع الجريمة وتصاعدها.

    مهمة الإسلاميين لا تقتصر على الدفاع عن مكتسباتهم ولكن لا بد من استكمال التطبيق الإسلامي.

    مهمة العمل الإسلامي في السودان اجتماعية – سياسية داخلية خارجية والجبهة الإسلامية هي أداة التعامل مع تلك التحديات.

    مظاهرة المليون.. وخوف أعداء الإسلام من المد الإسلامي.

    المسلمون في السودان يرفضون كل ما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.

    للوقوف على التشابك السياسي المعقد في السودان لا بد من فهم المعادلة التي ولدت هذا التشابك.. ولتوفير ذلك التقت المجتمع بالدكتور حسن الترابي الذي أجاب على أسئلتها بهذا الخصوص مشكورًا.

     

    المجتمع: كنتم في الماضي تعملون تحت اسم: الإخوان المسلمون، ثم بعد ثورة أكتوبر عملتم باسم جبهة الميثاق الإسلامي، والآن بعد ثورة رجب دعيتم إلى جبهة عريضة سميت بالجبهة الإسلامية القومية، هل يمكن أن توضح لقرائنا هذه المسميات؟

     

    الترابي: الإخوان المسلمون في السودان قادة لنهضة الإسلام لا ينفعلون بعصبية للأسماء والأشكال، ولا بطائفية يعكفون بها على خصوص صفهم المعين، ولكنهم يفنون أنفسهم وصفهم في سبيل الله، ولئن كانوا في مراحل العسر حيث تضيق الحرية وتقوم الفتنة يرجعون إلى الصف المخصوص.. شديد الالتزام بالغ التربية، فإنهم في ساعات اليسر حيث تنفرج الحرية، وتطرح قضايا الإسلام في الحياة العامة، يتجاوزون اسمهم وصفهم، ويتجاوبون مع فطرة الإيمان المنبثة في المجتمع ويتسارعون مع غيرهم إلى كلمة سواء وجماعة جامعة تؤلف الصف المسلم كله دعوة وجهادًا في سبيل قضايا العمل الإسلامي، وفي السودان أنشأ الإسلاميون جبهة الميثاق الإسلامي، بل جبهة الدستور الإسلامي، بعد الاستقلال دعوا فيها إلى تبني دستور إسلامي لحكم البلاد، وكذلك أنشأوا في الستينيات جبهة الميثاق الإسلامي يدعون من خلالها إلى نظام حكم إسلامي، ويقفون المواقف المناصرة لحركة الإسلام في العالم وكذلك هم في الثمانينيات.. آثروا أن يتجاوزوا الاسم المخصوص الذي عرفوا به والصف المحدود الذي كان يجمعهم وأن يمدوا اليد مفتوحة إلى سائر المسلمين لبناء صف إسلامي جامع يقوم بمهام حركة الإسلام بهذه المرحلة، ولئن كانت الدعوة من قبل قاصرة على الدستور الإسلامي فهي اليوم أجمع وأشمل لمقاصد الإسلام ومقتضياته في حياتنا الحاضرة.

     

    ولذلك بادر الإخوان بعد بضعة أسابيع من ثورة الحرية في رجب الأغر بالدعوة إلى مؤتمر إسلامي تأسست فيه الجبهة، وتداعى لذلك المؤتمر المسلمون من كل أطراف البلاد، ومن كل روافد العمل الإسلامي أيًا كانت اتجاهاتهم السياسية، وأسسوا معًا هذه الجبهة الإسلامية الجامعة وأجازوا دستورها ونصبوا قيادتها وانخرط الإخوان المسلمون، ومعهم سائر المنفعلين فضلًا عن بعض المنظمات الثقافية والاجتماعية، وانخرطوا بقضية الإسلام العامة جميعًا ببوتقة واحدة، هي الجبهة الإسلامية القومية.

     

    المجتمع: ما هو تصوركم الشامل للعمل الإسلامي في السودان والعقبات التي تواجه الجبهة الإسلامية القومية؟

     

    الترابي: ظلت قضية الإسلام في السودان مطروحة منذ الاستقلال وحتى الآن، وظل الإسلاميون يخوضون معارك سياسية في وجه اللادينيين السياسيين الذين يريدون أن يسقطوا مغزى الدين في الحياة، أو أن ينفوا الدين من الحياة العامة ويحبسوه في شؤون الحياة الشعائرية الخاصة، ولئن اتصلت المجادلات منذ الاستقلال فقد ظلت حركة الإسلام تتنامى وصوته يتصاعد، حتى غلب على شعارات الدعوة اللادينية، ولكن اللادينيين ما انفكوا يتعللون بكل حجة ويتذرعون بكل وسيلة لتسويف تنفيذ الإسلام.

     

    على أن مهمة الإسلاميين لا تقتصر على الدفاع عن مكتسباتهم.. ولكن لا بد من استكمال التطبيق الإسلامي حتى يتم تكييف الدولة ونظمها وسياساتها بحسب الأحكام السلطانية الإسلامية، ويعتمد دستور إسلامي للبلاد يضمن قيام سلطة مؤمنة شورية في أصلها وفي عملها.. تشعر المسؤولين بين يدي الشعب ثم المسؤولية بين يدي الله سبحانه وتعالى، إن تطبيق القوانين الإسلامية بغير مظلة من حكومة إسلامية صادقة تعتريه دائمًا بعض التشوهات، وإن تطبيق القوانين الإسلامية من جانب آخر على مجتمع لم تكيف سياسات الحكم فيه على تمكين الأخلاق الزاكية تعترضه مصاعب في النفاذ والفعالية، ولا بد من العمل الفعال لتربية المجتمع بالتعليم والإعلام وبالجهد الديني الخاص، ولا بد من تنصيب نظام سياسي إسلامي، ولا بد كذلك من اتصال تطبيق القوانين الإسلامية، بذلك تتكامل ضوابط الإسلام الاجتماعية وتتحد مؤثراته ويتحقق شموله.

     

    وإن الجبهة الإسلامية القومية في سبيل ذلك تحتاج إلى تعبئة الشعب المسلم الذي كانت تحيط به من قبل كيانات دينية تقليدية نشأت باسم الإسلام، ولكنها عبر التطور التاريخي غفلت عن أساسها الأول وأسلمت نفسها لقيادات علمانية لا تنفعل بالإسلام، ولا بد من تبديل خريطة الولاء الديني في المجتمع ليخرج الناس من تلك الطوائف والعصبيات إلى ولاء جديد مؤسس على الصدق والوعي.

     

    ولئن كانت حركة الإسلام في السودان تستقطب السواد الأعظم من المثقفين فإن طائفة غير قليلة منهم ما انفكوا في أسر هذه الفتنة الغربية ولا بد من مناقشتهم حتى يتوبوا إلى هدف الإسلام وصفه.

     

    وإن لنا في جنوب السودان وطائفة كبيرة من المسلمين الذين كبتت ذاتيتهم الإسلامية طوال عهد الاستعمار والعهود اللاحقة له.. فسكنوا وركنوا إلى الذل السياسي ومنهم من كانت تذوبه فتنة الحياة العامة التي يقودها أبناء الكنائس، هؤلاء مستهم نفحة من الله قبل سنوات، وتذكروا ذاتيتهم الضائعة، وبحثوا عن كلمة تجمعهم، وتداعوا يومذاك إلى الصف الإسلامي القومي الجامع.. والسودان بلد متعدد الجيران إذا امتلأ خيرًا فاض على جيرانه، وعندما استيقظ في العهد القريب تداعت عليه دول مجاورة ودول بعيدة تخشى من عاقبة النهضة الإسلامية أن تعدي ما حولها، وأن تحدث تحولًا في كيانات بعض الدول التي تطغى فيها أقليات غير مسلمة على أغلبيات مسلمة أو التي تستبد فيها شرائع لادينية تعوق تجاه التعبير عن الإرادة المؤمنة للشعب، وتخشى بعض تلك الدوائر أن يتحول ميزان القوى في المنطقة، وهي منطقة صراع حضاري محتدم بين المد العربي الإسلامي من جانب والمد الغربي بثقافته ومصالحه الاقتصادية من جانب آخر، ودخلت الشيوعية العالمية كذلك تحاول أن تأخذ نصيبها من حظوظ أفريقيا، فمهمة العمل الإسلامي في السودان اجتماعية سياسية داخلية خارجية، والجبهة الإسلامية هي أداة التعامل مع تلك التحديات.

     

    المجتمع: ما تصوركم لحل مشكلة الجنوب؟

     

    الترابي: مشكلة الجنوب لازمت السودان منذ الاستقلال، وقد تأتت عن القطيعة التي فرضها الاستعمار بين شطري البلاد، فترك السودان الشمالي يرقى عربيًا ويتطور اقتصاديًا ويتمحور سياسيًا حول أحزاب معينة وعزل الجنوب بسلطة القانون وقصر التعليم فيه على الكنائس، وتوجه به نحو أفريقيا الوسطى وكان المخطط أن يقتطع ذلك القطاع من السودان ويضاف إلى أفريقيا الوسطى، ولكن بقية المسلمين وحمية الوطنيين من الجنوبيين أفسدت مخططات الاستعمار إلا أن الاستقلال وافانا والبلاد منشقة شطرين يفرق بينهما العنصر واللغة والدين الغالب على سطح الحياة، ومهد ذلك لسيادة جو من انعدام الثقة وسوء الفهم، فأصبحت كل قضية تنشأ في علاقات الشمال والجنوب قابلة إلى أن تتفاقم لتصبح أزمة سياسية، وكل أزمة سياسية قابلة إلى أن تتفجر حربًا أهلية، والمشكلة الأخيرة نشأت عن محاولة مركزية لإعادة تقسيم المحافظات الجنوبية بما يحفظ لكل مجموعة من أبناء الجنوب ما يحرصون عليه من استقلال وأرادت بعض القيادات الجنوبية أن يظل الجنوب موحدًا حتى ينتصب وحدة في مقابل الشمال، وتمردوا على الدولة، ثم أخيرًا طرأ التطبيق الإسلامي فاتخذوه ذريعة لاستمرار القتال وحجة يروجون بها موقفهم في أوروبا التي تتوهم أن السودان الشمالي العربي المسلم يريد أن يضطهد الجنوب الزنجي المسيحي، ولا يدري كثير من الناس أن عدد المسلمين في الجنوب يفوق عدد المسيحيين إلا أنهم حرموا من فرص التعليم والترقي الاجتماعي ولا يعلم هؤلاء أن الصراع الدائر اليوم إن كان فيه عنصر خلاف بين الشمال والجنوب ففيه عنصر خلاف أيضًا بين الجنوب والجنوب، ويتمتع التمرد الجنوبي اليوم بعدد المعسكر الشرقي وأتباعه في المنطقة وبعطف المعسكر الغربي لأنهم يقفون أزاءه موقفًا حضاريًا ولكن تنطع قيادة التمرد بعد سقوط نظام النميري أدى إلى أن يتجافى الرأي العام في الشمال عن قيادة الجنوب، ولما تمادى التمرد في عملياته العسكرية وضرب المواطنين المدنيين العزل انقلب الرأي العام ضده في الشمال إلا شراذم من الشيوعيين واليساريين الذين يرون أن التمرد في الجنوب مدد يحتاجه اليسار الضعيف في الشمال، وتبلور كذلك موقف أغلب أهل الجنوب تجافيًا عن جون غارائغ وصلاته الأجنبية وارتباطاته التي لا تمت إلى قضايا الجنوب والوطن بشيء، والتي جعلته أداة للكيد.

     

    تبلور موقف أغلب أهل الجنوب بوجه قربهم من موقف أهل الشمال، وسلموا بالإسلام مصدرًا للتشريع وتراضى أغلب أهل الجنوب والشمال على نظام القسمة في السلطات بين السلطة المركزية والحكومات الإقليمية في السودان على نهج إقليمي واسع يتجه نحو الفدرالية، وأصبحت وجوه الاتفاق في أي مؤتمر ينعقد لتسوية قضايا البلاد الإقليمية بادئة، وهذه التطورات قد تنذر بأن جون غارائغ قد يظل في موقفه العنيف ولكنها تبشر بأن سائر أهل السودان في الجنوب والشمال يتجهون إلى تصالح جذري حول القضايا الخلافية كافة، ونرجو أن يتمكن هذا الوفاق الوطني ببرنامج فعال لالتحام الجنوب بالشمال من خلال وسائل النقل والاتصال حتى يتحد الشعب وتنسد الثغرة التي كانت حاجزة بين الجنوب والشمال.

     

    المجتمع: ما هو تصوركم للانتخابات القادمة، وما رأيكم في دوائر الخريجين ومختلف القطاعات الاخرى؟

     

    الترابي: لئن كانت قيادة الحكومة الانتقالية وقيادة أغلب الأحزاب تؤكد ضرورة الوفاء بالعهد الذي قطع لأول يوم بعد ثورة رجب بأن تجري الانتخابات لعام من ذلك التاريخ حتى ترد أمانة السلطة السياسية إلى أهلها من خلال الانتخابات الشمولية الحرة، فإن بعض الأصوات قد أخذت ترتفع لتسوف الانتخاب متعذرة بعسر إجراء الانتخابات في الجنوب غير الآمن أو ببعض الأزمات الاقتصادية في الشمال، ولكن الرأي العام يدرك أن أزمات السودان الإقليمية والاقتصادية أزمات طويلة المدى لا يمكن أن تعلق عليها إجراءات الديمقراطية، ويدركون أن تطاول الفترة الانتقالية مع ضعف الحكومة القائمة من عناصر مستقلة غير ذات خبرة ولا تمثيل يشكل خطرًا على مؤسسات الحرية التي نحرص على أن ندعمها، ويدرك الناس أنه ما من سلطة انتقالية إلا تحدثها نفسها أحيانًا باستمرار السلطة والاستمرار فيها ولكن الأصوات التي صدرت بتأجيل الانتخابات كانت محدودة بين رجال الانتقال.

     

    أما الأحزاب اليسارية والأحزاب الوافدة حديثًا على السودان تعرض بضاعة غريبة مستوردة وتحاول أن تزرع في أرض السودان نبتًا شاذًا، هذه الاتجاهات كافة تريد أن تطيل أمد الفترة السياسية الحرة التي يتسنى فيها لكل ذي صوت عال أن يملأ الدنيا صخبًا، وأن ينشر دعاواه بغير معيار ضابط لتقويم وزنها، ويوقن هؤلاء أن الانتخابات تعني القضاء سياسيًا على الوجود الفعال لكل هذه القوى، ولذلك يحاولون تجنب الانتخابات بشتى الوسائل، ولا يستطيع المرء أن يطمئن تمام الطمأنينة حتى يرى الانتخابات جارية بالفعل، ولكن الاحتمال لايزال راجحًا أنه ستجري الانتخابات بالفعل وقدمت بعض هذه القوى التي لا تتمتع بشعبية تذكر تصورًا لنظام الانتخابات يجعل للصفوة من الفئات الحديثة والمهنيين تمثيلًا زائدًا يريدون بذلك أن يضيفوا إلى الفئات المتمكنة مزيد كسب وقوة، وأن يسلبوا القطاعات المستضعفة في البلاد حق المساواة في الديمقراطية، ولكنا مع جانب كبير من القوى السياسية نصر على تأسيس الانتخابات على الدائرة الإقليمية، نريد أن يكون للشخص الواحد صوت واحد، ونريد أن يمثل الناس من حيث هم مواطنون وفق اتجاهاتهم السياسية الشاملة تجاوزًا لانتماءاتهم الطبقية والفئوية الضيقة.

     

    ومهما كانت الجبهة الإسلامية أغنى القوى السياسية في مجال الفئات الحديثة والمثقفين ولكنها حرصًا على وحدة الشعب وتجاوزًا لمخططات الاستعمار الذي أراد أن يعزل الصفوة عن العامة نصر على نظام الانتخابات الجغرافي الكامل، ولقد رفضنا نظام القوائم والتمثيل النسبي لأنه يركز السلطة في القيادات الحزبية وأحزابنا كلها تعاني من فرط طغيان القيادة إذ يقوم على الأحزاب قادة وراثيون يحتكرون السلطة جميعًا، ونريد أن يكون البناء الحزبي والممارسة الانتخابية طريقًا إلى توسيع الشورى.

     

    المجتمع: مشكلة المجاعة تفاقمت في السودان فما دور الحركة الإسلامية في مجابهتها وحلها؟

     

    الترابي: لن يتمكن المرء بشكل حاسم من مجابهة مشكلة المجاعة إلا إذا آلت إليه سلطة القرار والتوجيه السياسي، ولقد ظلت الحركة الإسلامية حتى حين مشاركتها في السلطة بعيدة عن مواقع السلطة الاقتصادية، ولا تزال بعيدة اليوم عن الحكم ومن ثم يقتصر موقفها على طرح السياسات واقتراحها وذلك أمر اجتهدنا فيه قبل الثورة الأخيرة وبعدها نفضح للعالم وللرأي العام السوداني حالة المجاعة التي أراد بعض الناس أن يستروها خوفًا من افتضاح إفلاس سياساتهم، وكنا ومازلنا ندعو إلى تعبئة شاملة للطاقات الزراعية للبلاد لأننا من خلال موسم واحد إذا عبأنا كل الطاقات الزراعية في البلاد قادرون على تجاوز المجاعة في العام المقبل إن شاء الله، لا سيما وأن الله قد من علينا بغيث عميم هذا الموسم، ومهما تكن الاستجابة ضعيفة لدعوتنا ولمقترحاتنا أيام النميري بسبب طغيانه وغروره وحدود وسائل التعبير أو بعد النميري بسبب التهاء الحكومة الانتقالية بالتطورات السياسية الجارية في الخرطوم ودوائرها الصغيرة، مهما يكن ذلك كذلك فإننا قد بذلنا كل جهد خاص نتمكن منه من محاربة المجاعة، فأقام الإسلاميون مؤسسات فعالة لتعبئة الطاقات الطوعية لإغاثة الجائعين بالغذاء والدواء ولإمدادهم بالإرشاد والحاجات الزراعية للموسم الجديد، وتوجهت طاقات مقدرة من المصارف الإسلامية نحو تمويل الزراعة وإنتاج الغذاء في السودان، ودخلت حركة الإسلام السودانية بذلك في مجال خدمة المجتمع مباشرة بغير طريق السلطة، وأحيت بذلك سنة قد ماتت إن كانت المجتمعات الإسلامية تتميز بأنها لا تعول على السلطة كثيرًا وتتولى غالب أمرها بالعمل الاجتماعي الخيري المباشر تكافلًا على المعاش وتعاونا على العلم وسائر مقاصد الحياة.

     

    المجتمع: يدور حديث عن عزم معتقلة السودان من خلال الأحزاب المعروفة مما يهدد الأمن ومستقبل الديمقراطية.. فما مدى خطورة هذا الأمر؟

     

    الترابي: لقد جنح رد الفعل على نظام الكبت السياسي بعد الثورة فعمدت الحكومة إلى جهاز الأمن كله فصفته تصفية كاملة قبل أن تهيئ بديلًا يحرس أمن البلاد، فانفتحت بذلك ثغرات واسعة من الجهالة بما يجري عبر حدود البلاد والخوف بأن تستغل هذه الثغرة بعض القوى السياسية التي لا رجاء لها في قوة الشعب فتجعل تعويلها الأول على قوة السلاح تنتصر به حينما تخذلها الديمقراطية، وبعض هذه القوى تمدها دول لا تبالي كثيرًا بأمن المجتمعات ولا تكترث لإشاعة الفوضى والخراب، ولذلك يحذر أهل السودان هذه الأيام من أن يتدهور وضع البلاد التي تتمتع بدرجة بالغة نسبيًا من الاستقرار والأمن فتؤدي بها الصراعات السياسية المستنصرة بالسلاح إلى فتنة تحدث تخريبًا هائلًا في مثل بلادنا الواسعة المفتوحة من كل جانب على مناطق الاضطراب السياسي في أفريقيا ولكن هذا الخطر الماثل وعظ كثيرين من أهل السودان الذين يجنحون بفطرتهم إلى المسالمة والموادعة والوفاق وألجأهم إلى محاولة الالتفاف حول محاور سياسية تنظم قوتهم الشعبية وتمكنهم بالوحدة والقوة الشعبية من إرهاب هذه القوى المتربصة بالديمقراطية، ولا يزال الأمل الغالب أنه ستسلم البلاد من مثل هذا الخطر المرتقب.

     

    المجتمع: لم يحدث إلغاء للقوانين الإسلامية بعد ثورة رجب، ولكن الواضح أن التطبيق الفعلي لتلك القوانين غير ملموس في واقع الحياة، فلماذا حدث هذا التراخي في تطبيقها؟ وما مدى استجابة الجماهير السودانية لطلب بعض الجهات بإلغائها؟ وكذلك ما مدى استجابة السلطة السياسية لهذا الأمر؟

     

    الترابي: أيام تطبيق الشريعة الإسلامية كانت المبادرات التطبيقية تتنزل على واقع سياسي لم يهيأ لتقبلها إذ كانت العناصر الغالبة في مجالات الحكم والإدارة من العناصر المايوية المجافية للاتجاه الإسلامي، ولعل لجوء النميري أحيانًا إلى فرض سلطة الطوارئ إنما كان محاولة منه لمقاومة كره نظامه للإسلام، فهو من جانب يريد أن تنفذ إرادته بتطبيق بعض الجوانب الإسلامية ومن جانب آخر يحرص على أن يحفظ طبيعة نظامه الذي يؤمن له البقاء في السلطة.. فلما سقط النميري، وجدت بعض العناصر في أجهزة التطبيق للقانون الفرصة سانحة لأن ترتخي بالتطبيق الإسلامي وأسعفتها دعوات نشطت من بعد النميري تريد أن توهم الناس بأن الشريعة من صنع النميري وينبغي أن تذهب مع ذهابه ولكنها تدعو إلى الرجوع إلى قوانين أخرى وضعها النميري قوانين وضعية، وتتذرع تلك القوى اللادينية ببعض عيوب الصياغة في القوانين الإسلامية ولكن تلك العيوب يمكن أن تستدرك بمراجعة فنية يتوافر عليها علماء الشرع والقانون.

     

    وإن لنا موقفًا حازمًا من ضرورة الاستمساك بما كسبت البلاد من الشريعة الإسلامية مع تعديل الصياغة كما يقتضي الأمر والشرع، بل إنا لنحرص على استكمال التطبيق الإسلامي باتخاذ دستور إسلامي تنشأ عنه سلطة حكم إسلامي، وباتخاذ نهج تربوي للمجتمع تتوطد به قاعدة اجتماعية يقوم عليها نظام القانون والدستور والحكومة الانتقالية لا توافق الداعين إلى إلغاء الشريعة الإسلامية ولكنها تتعرض لضغط عنيف من بعض القوى اليسارية التي تمكنت في غفلة من الدهر من الإعلام والتي تدعي احتكار الشرعية الثورية، أما المجلس العسكري فقد صرح أعضاؤه بأنهم سلطة انتقالية ليس إلا... وأن عهد السلطة في أيديهم وديعة مؤقتة وأمانة ترد إلى الشعب لا ينبغي أن تمارس إلا بتحفظ شديد، فمسألة مصادر التشريع الدستورية أو نظام البلاد الدستوري الإقليمي من صميم القضايا الدستورية التي ينبغي أن تؤول إلى الجمعية التأسيسية لتفصل فيها الفصل المبين، ولا ينبغي لسلطة طارئة لا تستند إلى شرعية انتخابية أن تنتهز قبضتها على السلطة لبضعة أشهر فتحول النظام القانوني في البلاد، ومهما يكن فإن الهجمة الشرسة على الشريعة الإسلامية استفزت مشاعر المسلمين، وأدت إلى انقضاض الجماهير المؤمنة من قيادات تقليدية كانت تستظهر بعصبية الولاء التاريخي الديني في الأحزاب التقليدية، وأن التراخي في تطبيق الشريعة الإسلامية قد أحدث أثره في انفراط الأمن وشيوع الجريمة وتصاعدها، ولمس الناس تجربة مباشرة مهما كانت محدودة بين نعيم الأمن في ظل الشريعة وشقاء الفوضى والجريمة في ظل القوانين الوضعية.

     

    المجتمع: واضح أن السودان يعاني من اضطراب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ الاستقلال.. مما أدى إلى انقلابين عسكريين. ما هي في نظركم الأسباب التي أدت إلى هذه الاضطرابات؟ وما هو المخرج؟

     

    الترابي: السودان بلد مترامي الأطراف معقد في بنائه الاجتماعي يضطرب به التباين القبلي واللغوي والديني، ولذلك يتعسر ربطه بنهج مستقر، فحينما تتاح فيه الحرية تجنح تلقائيًا إلى نحو الفوضى أن تمارسها الكيانات المتباينة لتعبر بها عن شتات الحاجات والتوجهات، ومهما حاولت الأحزاب والطوائف التقليدية أن تجمع شمل السودان فقد كانت مظاهر الفوضى تتداعى وتتسع مع اتساع الحرية السياسية تفتت الأحزاب وتشتت دواعي الاستقرار، وما يلبث التمزق السياسي المربك وما يؤدي إليه من الضعف البعيد في تكوين السلطة الحكومية أن يودي بنظام الحرية بأسره فيجد المتربصون للحرية فرصة سانحة للانقضاض عليها باسم الوحدة والاستقرار والطمأنينة وبحجة تجاوز الحزبيات والعصبيات والقبليات، ولكن قبضة الدكتاتورية مهما تسلطت هي أعجز من أن تستوعب تباين الوجود السوداني الذي ينزع نحو الانفلات والانطلاق منها فتشتد التوترات الشعبية حتى تسقط السلطة الدكتاتورية.

     

    هكذا أصبح تاريخ السودان الحديث دورة بين حال الحرية المفرطة الجانحة للفوضى ثم السقوط والدكتاتورية المضطربة الآيلة أيضًا إلى السقوط، ولن يتخلص السودان من أسر هذه الدورة الخبيثة إلا إذا تهيأت فيه من خلال الحرية القائمة اليوم صورة تعبير سياسي جامع يمثل أهل السودان قاطبة ويجمع سوادهم الأعظم وتصبح الحرية متاحة والحياة السياسية منضبطة منتظمة بغير قهر ولا إكراه، مثل هذه القوة السياسية ستكفل قوة وفعالية واستقرارًا في الحكم وإرهابًا للكائدين المتربصين بالسودان في الداخل والخارج الذين عقدوا بمكائدهم أوضاع السودان السياسية، إذ يقدرون أن الحرية تعني مشاركة الشعب في السلطة العامة وأن إرادة الشعب تتجه إلى الإسلام، وهم يريدون أن يطفئوا نور الله ويعوقوا مسير قدره النافذ، فتراهم يدبرون التدابير لقيام حكم قهري مقطوع عن الشعب موصول بهم لا يستجيب لإرادة الجماهير بل يتلقى الوحي من أصحاب الهيمنة الخارجية، وأن خطة الحركة الإسلامية اليوم من بعد التوكل على الله والثقة بنصره هي أن تهيئ لأهل السودان مثل هذا الصف السياسي الجامع الذي يمثل إرادتهم ويعبئ طاقتهم ويمكنهم من أن يسعدوا بالحرية في نظام.

     

    المجتمع: بعد تأسيس الجبهة الإسلامية القومية اتسعت مجالات العمل الإسلامي في كل أرجاء السودان، فما هو دور الحركات الإسلامية في العالم في دعم العمل الإسلامي في السودان؟

     

    الترابي: الجبهة الإسلامية القومية مشروع ضخم لجمع كلمة أهل السودان، ذلك أنها تجاوزت أمراض الحزبية التقليدية، فإذا كانت الأحزاب قد قطعت أوصال البلاد وفرطت في الوحدة الوطنية من حيث إن بناءها قد انحسر من الجنوب وتركه نهبًا لأحزاب إقليمية محلية ثم أخذ ينحسر عن الغرب والشرق وفقد بذلك مغزاه السياسي في توطيد البلاد والتعبير عن إرادتها، إذا كان ذلك كذلك فإن الجبهة الإسلامية بدع في نهج البناء السياسي، إذ نشأت عن مؤتمر تأسيسي جمع كل القوى الإسلامية في الجنوب لأول مرة، وجمع غالب القوى السياسية في الغرب والشرق إلى وسط السودان.

     

    وتمت بذلك قاعدة متينة من الوحدة الوطنية تحت ظل كلمة التوحيد الجامعة «لا إله إلا الله» وحول حبل الله المتين «تحكيم الكتاب والسنة»، ثم إن الجبهة الوطنية قد حققت وحدة اجتماعية تامة من حيث حشد الرجال والنساء في سياق التوجه الديني والدعوة والجهاد لإعلاء كلمة الإسلام، وقد ظلت النساء دهرًا طويلًا معزولات إلى هامش الحياة ضئيلات الحظ من التدين ومن الكسب السياسي، وقد واكب هذا التطور الجديد اتجاه واسع شكل ظاهرة اجتماعية نحو رجوع المرأة إلى التدين وظهورها في ذات الوقت بدور اجتماعي ذي مغزى، ثم إن الجبهة الإسلامية قد تجاوزت علة النظام الحزبي القديم التي تمثلت في التناقض بين الشريحة القيادية العلمانية والقاعدة الدينية الغافلة، ففي كنف الجبهة التقت كل روافد العمل الإسلامي على أساس من الثقة والوحدة والشورى فانخرطت فيها الحركة الإسلامية الحديثة بتشكيلاتها الثقافية والاجتماعية واتجاهاتها السلفية والشاملة، كما انخرطت فيها أيضًا القوة الشعبية الغالبة التي كانت تحتويها الطرق الصوفية في السودان.

     

    بهذه الوجوه وجدت الجبهة الإسلامية القومية توجهات التدين في السودان ولا يزال يهرع إليها سواد الناس جماعات وأفرادًا، يهجرون الكيانات السياسية القديمة، أما الحركات الإسلامية بالعالم فهي مدعوة بعد الوفاء بما يليها من تكاليف في العمل المحلي، أن تراقب مسيرة النهضة الإسلامية في الإسلام بتجاربها الكثيفة وعبرتها البالغة فتستفيد تلك الحركات في خاصة شأنها وتقدم النصيحة والتذكير لأهلهم في الإسلام، وتلك الحركات مدعوة إن كان لها فضل كسب أن تقوم بحق النصرة وتجود بفضل كسبها وتمد حركة الإسلام في السودان، فإن أمة الإسلام في آخرة الحساب واحدة وما تقوم للإسلام قائمة في بلدها إلا إذا ألقت الفرحة في نفوس المؤمنين وقوت عزائمهم ونفت عنهم الخوف والخذلان وعادت عليهم بالمدد الفعال بإذن الله.

     

    المجتمع: جزاكم الله خيرًا وندعو الله أن ينصر الإسلام والمسلمين في السودان الشقيق وفي سائر أنحاء هذا العالم.. وإلى الملتقى.

     

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2063

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

194

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟