العنوان صورة الإسلام في الخطاب الغربي (5).. الجدل بين «الواقع» و«الفكر»
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2005
مشاهدات 66
نشر في العدد 1659
نشر في الصفحة 66
السبت 09-يوليو-2005
إن «الجدل» بين «الواقع» و«الفكر» هو حقيقة علمية، لا تنفرد بها بعض الفلسفات الاجتماعية الغربية.. بل لقد سبق الإسلام إلى تقرير هذه الحقيقة فيما عرفناه من العلاقة بين آيات القرآن الكريم «ومناسبات» نزولها.. والعلاقة، بين الأحاديث النبوية و«أسباب ورود» هذه الأحاديث.. وهذا «الجدل» بين «الواقع» و«الفكر» هو مما تكاد تلمسه العقول في الدراسات الاجتماعية لنشأة الأفكار وتطورها.
ولقد كان «واقع» الاستعمار الغربي للشرق منبعًا أصيلًا لكثير من الصور الزائفة التي صنعها الغرب للشرق وهي الصور التي عادت لتُزكِّي ولتبرر، في المخيلة الغربية، نزعة الاستعمار والاستعلاء والاحتواء والاستغلال.
ولأن تاريخ الاستعمار الغربي للشرق سابق على ظهور الإسلام، فلقد صنع الغرب الروماني والبيزنطي للنصرانية المصرية والشرقية، والثقافة الشرق وحضارته الصور الزائفة التي بررت القهر والاضطهاد والإبادة التي مارسها الرومان والبيزنطيون عشرة قرون ضد الشرق والشرقيين من «الإسكندر الأكبر» (٣٥٦ - ٣٢٣ ق.م)- في القرن الرابع قبل الميلاد- وحتى «هرقل» (٦٤١.٦١٠م)- في القرن السابع للميلاد.
ولأن الإسلام هو الذي حرر- بفتوحاته- أرض الشرق من الاستعمار والاستغلال الروماني البيزنطي، وحرر ضمائر الشرقيين من الاضطهاد والقهر الديني والحضاري، فلقد بدأت الصورة الغربية المعادية للإسلام وحضارته وأمته ودولته وعالمه تتبلور في الثقافة الغربية الدينية والمدنية منذ ذلك التاريخ.. لقد كانت الحضارة الشرقية، بنصرانيتها اليعقوبية، هي «العدو- البربري- الهمجي» بنظر الرومان البيزنطيين.. فلما أصبحتِ الحضارة الشرقية إسلامية، أصبحتْ هي العدو الجديد، الذي حلّتْ صورته محل صورة العدو القديم تمامًا كما صنع الإعلام الغربي عقب سقوط الشيوعية في العقد الأخير من القرن العشرين، ورسّخ أن الإسلام هو العدو الذي حل محل إمبراطورية الشرّ الشيوعية.
لقد بدأ العدَاء الغربي للإسلام منذ ظهور الإسلام وتحريره الشرق والشرقيين من هيمنة الرومان.. وفي هذا المقام يقول الكاتب والقائد الإنجليزي «جلوب باشا» (۱۸۹۷ - ۱۹۸۹م) كلمته التي توقظ النيام!:
- «إن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط إنما يعود إلى القرن السابع للميلاد»!!.
ومنذ ذلك التاريخ توالت محاولات الغرب إعادة اختطاف الشرق من الإسلام.
- فكانت الموجة الاستعمارية الصليبية، التي دامت قرنين (٦٩٠.٤٨٩ هـ . ۱۲۹۱.۱۰٩٦م) والتي شارك فيها الغرب كله بقيادة الكنيسة الكاثوليكية، وتحويل المدن التجارية الأوروبية وسيوف أمراء الإقطاع الأوروبيين.. ولقد انتهت هذه الموجة بالهزيمة على يد الفروسية الإسلامية، التي اقتلعتْ قلاعها، وهدمتْ حصونها، وأزالتْ كل آثارها.
- ثم جاءت الموجة التترية زاحفة على الشرق الإسلامي، بدعوة من الصليبيين الأوروبيين الذين تحالفوا مع الوثنية التترية ضد التوحيد الإسلامي!... ولقد هددت هذه الموجة التترية التي كان يقود جيوشها نصارى نساطرة! هددت الوجود الإسلامي ذاته.. ثم كانت هزيمتها الساحقة على يدي الفروسية الإسلامية في عين جالوت: (٦٥٨هـ . ١٢٦٠م).. ثم انتهت بانتصار الإسلام في عقول وقلوب التتار، فدخلوا الإسلام، وتحولوا إلى سيوف في معارك هذا الدين!..
- ومنذ سقوط «غرناطة» (٨٩٧هـ - ١٤٩٢م) ونجاح الصليبية الأوروبية في اقتلاع الإسلام وحضارته المشرقة وثقافته السمحة من الأندلس، بدأتْ مرحلة جديدة في هذه الحرب الغربية على الإسلام وأمته وحضارته وعالمه... بدأتْ مرحلة الالتفاف حول العالم الإسلامي- مرحلة التطويق- مرورًا بسواحل إفريقيا الغربية والجنوبية.. ووصولًا إلى الأطراف الإسلامية في الجنوب الشرقي لآسيا، الفلبين.. والهند.. وإندونيسيا ... وذلك تمهيدًا لضرب قلب العالم الإسلامي- «الوطن العربي» بحملة «بونابرت» (۱۷۹۹. ۱۸۲۱م) على مصر (۱۲۱۳هـ . ۱۷۹۸م).
وإبَّان هذه المرحلة- مرحلة الغزوة الاستعمارية الحديثة- تميز التحدي الغربي عن الحقبة الصليبية الأولى بالغزو الفكري، المصاحب لاحتلال الأرض ونهب الثروات... أي بصناعة الصورة الغربية للإسلام وحضارته وأمته، تلك الصورة التي نمتْ مكوناتها لتزكّي وتبرر للغرب نفي الآخر الإسلامي، ولتشحن الشعوب الأوروبية بالعداء للإسلام، حفزًا لها على مواصلة الغزو والاحتلال لبلاد الإسلام.
وخلال هذه القرون – من طمعالغرب باستعادة الشرق من الإسلام- تبلور الخطاب الغربي حول الشرق، على النحو الذي يخدم تحقيق هذه الاستراتيجية الاستعمارية الغربية.. وهو خطاب متنوع ومتكامل في ذات الوقت.. متنوع بتنوع الدوائر الصادر منها.. ومتكامل لتحقيق هذه الاستراتيجية الغربية الواحدة.. ومتنوع كذلك بتنوع الجمهور الذي يتوجه إليه هذا الخطاب الإسلامي.