العنوان الجديد في أحداث باكستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1977
مشاهدات 72
نشر في العدد 369
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 04-أكتوبر-1977
في الخامس من يوليو -تموز- قام الجيش الباكستاني بقيادة رئيس أركانه الجنرال محمد ضياء الحق، بالاستيلاء على السلطة وعزل حكومة ذو الفقار علي بوتو، بعد أن فشلت في التوصل إلى حل للأزمة السياسية بالمحادثات التي أجرتها مع التحالف الوطني الباكستاني، بعد أن قاد الأخير حركة احتجاج واسعة النطاق ضد تزوير الانتخابات العامة التي جرت في شهر مارس -آذار-، ونتيجةً لذلك الفشل، أصبحت البلاد تعيش في كنف شبح حرب أهلية.
وبعد حركة الجيش، جرت في باكستان أحداث وتكشفت أمور، لو أردنا أن نسجلها ونعلق عليها لاحتجنا إلى المئات من الصفحات، لهذا رأينا أن نكتفي بتقديم عرض لأهم ما جد على الساحة الباكستانية من أمور وأحداث، والتي من شأنها أن تعطي صورة صادقة للوضع بكامله .
أسرار الانقلاب :
المتضعضع لتمكينها من إجراء محادثات مع المعارضة بعد أن أجبروها على ذلك، وذلك للخروج بالبلاد في أزمتها عن طريق المحادثات السياسية بين القادة السياسيين، وأكد ضياء الحق أن الهدف الأول والأخير من حركته، هو إجراء انتخابات حرة ونزيهة في البلاد في شهر أكتوبر القادم، وهو الموعد التي اتفق عليه بوتو مع المعارضة قبيل الانقلاب، وأعلن بأنه يؤمن بأن باكستان لا يمكن أن تستمر في الوجود إلا في ظل نظام ديمقراطي مدني يعتمد على أساس الإسلام الذي قامت عليه باکستان، وأنه جاء الوقت لكي تعود الأمة بإخلاص إلى ذلك الأساس .
وفي مقابلة أجرتها معه مجلة أردو ديجست الشهرية ونشرتها في عدد هذا الشهر، تحدث الجنرال ضياء الحق عن الدوافع والاسرار التي تكمن وراء حركة الجيش فقال: انتخابات العاشر من مارس -آذار- بدأ كبار ضباط الجيش في التحدث عن الوضع السياسي المتردي في البلاد، ولكن على الرغم من فرض الأحكام العرفية على ثلاث من المدن الكبرى في البلاد من قبل بوتو، فإن الجيش كان قد قرر البقاء بعيدًا عن السياسة، لأن مأساة باكستان الشرقية لا تزال ماثلة أمام أعيننا، ولقد طالبت مرارًا بإيجاد حل سياسي للأزمة، ولكنه كان دائمًا يجيب بأنه بحاجة إلى الوقت حتى يتمكن من ذلك.
وعندما أعلن بوتو في الجمعية الوطنية عن قرار إجراء استفتاء حول بقاءه في الحكم، أرسلنا إليه رسالة شديدة اللهجة نذكره فيها أن الشعب يطالب بانتخابات جديدة وأن عليه ألا يحاول الدخول في مغامرات أخرى.
وفي الأيام الأخيرة من شهر يونيو -حزيران- بدأ بوتو بدعوة الجنرالات إلى حضور اجتماعات مجلس الوزراء، وفي أحد هذه الاجتماعات سمعت السيد عبد الحفيظ بيررادة «وزير المالية الفدرالي وأحد أقوى رجلين في حزب الشعب بعد بوتو» والسيد غلام مصطفی کر «مستشار بوتو للشؤون السياسية وأكبر إرهابي مسلح عرفه إقليم البنجاب»، يقولان: «إن المعارضة لم تتوقف حتى الآن عن أعمالها المزعجة، إن علينا قتلهم جميعًا»، كما سمعت الجنرال المتقاعد تكاخان وهو وزير دولة لشؤون الدفاع وأحد المسؤولين عن انفصال باكستان الشرقية، يقول: «إن قتل عشرة آلاف إلى عشرين ألف من الناس من أجل سلامة باکستان لا يعد شيئًا».
وفي اجتماع آخر عرض علي السيد بوتو مشاركته في الحكم قائلًا: «إن معظم السلطات سوف تكون في يديك، والشيء الوحيد الذي نريده هو أن نعلم المعارضة درسًا لا تنساه».
وتابع الجنرال ضياء الحق حديثه إلى الأردو دیجست قائلًا: «وفي النهاية قامت القوات المسلحة بحركتها بعد أن اقتنعت بأن الحكومة غير جادة في التوصل إلى اتفاق مع المعارضة، وأن نهرًا من الدماء قد يسيل إذا لم تقم بحركتها في ذلك الوقت العصيب» .
وعندما سئل عن رأيه في السيد بوتو قال: «لقد كان احترامي له كبيرًا قبل انتخابات مارس -آذار-، لقد كنت أعتبره القائد المنتظر للعالم الثالث، ولكن بعد أن سمحت لي الظروف أن أتحدث إلى قادة المعارضة الذين كنت أحاول تجنب التحدث اليهم حتى أبقى بعيدًا عن السياسة، أصبحت لدي نظرة أخرى في السيد بوتو، لقد فقدت ثقتي به عندما سمعت عن معسكر داليا، وبعد قراءتي لتقارير المخابرات، وبعد اطلاعي على فضائح السلب والنهب المفتوح، والتي كانت جارية على مدار الساعة، حيث لا توجد سجلات لحسابات آلاف الملايين من الروبيات» .
ثم ذكر قصة لقائه مع سفير الإمارات العربية المتحدة، الذي طلب منه أن يطلعه على التقدم الذي تم في المستشفى الذي تبرعت الإمارات العربية المتحدة لبنائه في مدينة لاهور، وعندما بدأ يسأل موظفي الدولة، وجد أنه لا يوجد أية حسابات للأموال المتعلقة بذلك المشروع.
ثم قال: «لقد رأيت بأم عيني أكثر من سجل وقد كتب عليها بوتو نفسه بخط يده، أوامره بالتخلص من خصومه السياسيين، لقد أصبحت عمليات القتل والاختطاف السياسية من الأمور اليومية، إن كل تحقيق حول الاغتيالات السياسية يجرى الآن، يوصل في النهاية إلى شخصية السيد بوتو، إن القانون الآن يأخذ مجراه، ولن يترك أحدًا يفلت من قبضته العادلة.
من أجل انتخابات نزيهة
في الأسبوع الثاني من شهر يوليو «تموز»، أعلن الجنرال عن بدء عملية الإعداد للانتخابات، فعين لجنة عليا من كبار القضاة والشخصيات البارزة من الصحفيين والمحامين، لتعديل القوانين واللوائح الانتخابية، بحيث تضمن هذه التعديلات إجراء انتخابات حرة ونزيهة في البلاد، ثم تلى ذلك تشكيل لجنة عليا جديدة للإشراف على الانتخابات مؤلفة من خمسة من كبار قضاة المحاكم العليا في البلاد، برئاسة القاضي السيد مشتاق حسين، وقد عقدت اللجنة عددًا من الاجتماعات ووضعت الأسس السليمة لضمان نزاهة وحرية الانتخابات، ومن أهم تلك الأسس: إشراف الجيش والقضاء على الانتخابات، وتعيين رؤساء المراكز الانتخابية من بين القضاة وضباط الجيش، وإجراء الانتخابات للجمعية الوطنية والمجالس الإقليمية الأربعة في يوم واحد، بدلًا من يومين مختلفين «حتى لا تتأثر اتجاهات الناخبين بنتيجة انتخابات اليوم الأول» ، وطبع أوراق التصويت على ورق يصنع خصيصًا لهذه الغاية في مطابع خاصة، تحت إشراف الجيش، وعدم توزيع هذه الأوراق على الدوائر الانتخابية قبل صباح يوم الانتخابات، وحتى في يوم الانتخابات، فإن جميع الأوراق اللازمة لكل مركز لن تقدم دفعة واحدة، وإنما على دفعات بينها فترات زمنية تبلغ ٢ - ٣ ساعات، ويكون عدد الأوراق المقدمة في كل دفعة متناسبًا مع الفترة الزمنية اللازمة لكل فرد لكى يدلي بصوته، وذلك حتى لا يساء استعمال تلك الأوراق، كما قررت اللجنة تحضير حبر خاص لا يمحى بسرعة، وذلك لاستعماله لبصم كل ناخب على ورقة تصويته، وكان أهم تعديل أدخلته اللجنة هو وضع صندوق واحد كبير في كل مركز تصويت، يختم بالشمع الأحمر في ذلك المركز أمام ممثلي المرشحين مع توقيعاتهم، بعد أن يفحصوا الصندوق ويتأكدوا من أنه فارغ، والهدف من استخدام صندوق واحد بدلًا عن عدد من الصناديق، هو منع أية محاولة للتزوير، عن طريق تبديل الصناديق كما جرى في الانتخابات السابقة، هذا وسوف يقوم الجيش بحماية المراكز الانتخابية، ولن يسمح لأي إنسان غير الناخبين الذين لم يدلوا بأصواتهم، بالتواجد ضمن دائرة قطرها خمسين مترًا تحيط بمركز التصويت .
ومن أجل تخفيف حدة التوتر السياسي في البلاد وضع الجيش الزعماء البارزين في التحالف الوطني، وحزب الشعب رهن الاعتقال الوقائي في مصيف «مرى» الجبلي الذي يبعد مسافة ٤٠ كم من العاصمة إسلام آباد، وبقى هؤلاء في معتقلهم من الخامس من يوليو وحتى السابع والعشرين منه، حيث أطلق سراحهم بعد أن أعلن الجنرال ضياء الحق السماح للسياسيين بالتحضير للانتخابات على نطاق محدود ابتداءً من ذلك التاريخ وحتى الثامن عشر من سبتمبر، على أن تبدأ الحملة الانتخابية الواسعة النطاق بعد ذلك التاريخ، وتستمر حتى يوم الانتخابات الذي حدد في اليوم الثاني عشر من أكتوبر «تشرين الأول».
جرائم.. قدر لها أن تنكشف!!
كان من الطبيعي بعد سقوط حكم بوتو ونظام حكمه ومخابراته وأجهزة أمنه الرهيبة، وإعطاء الشعب الحرية الكاملة وإطلاق حرية الإعلام، صحافة، وإذاعة وتلفاز، وإعادة الهيئة الكاملة والمطلقة للقضاء، أن تتكشف حقائق وقضايا لم تكن تخطر على بال أكثر الناس حسن ظن ببوتو من الحياديين، ولما كانت هذه الحقائق وتلك القضايا من الكثرة بمكان، فإني سأكتفي بالإشارة إلى بعض القضايا التي تمثل حاليًا أمام القضاء أو تم التحقيق فيها:
• قضية مقتل نواب محمد أحمد خان، وهي القضية التي تنظر فيها المحكمة العليا في لاهور حاليًا، والمتهم الأول فيها هو بوتو، ومن أجلها اعتقل أول مرة وذلك في صباح الرابع من سبتمبر للتحقيق معه، وقد قتل نواب محمد أحمد خان في لاهور في شهر نوفمبر من عام ١٩٧٤، عندما كان عائدًا مع ابنه في سيارته من حفلة عرس أحد أقاربهما، ولم يكن هو المقصود بالقتل وإنما كان المقصود بذلك ولده السيد أحمد رضا قيصوري، الذي كان عضوًا في الجمعية الوطنية وعضوًا في حزب الشعب حزب السيد بوتو، إلا أنه لم يستطع السكوت على تصرفات بوتو الشاذة، فاستقال من حزبه وأخذ يتصدى له في جلسات الجمعية، يكشف سوء تصرفاته، كما اتهمه بمسؤوليته عن انفصال باكستان الشرقية، ولقد أزعجت هذه الجرأة بوتو إلى درجة أنه هدد السيد قيصوري بالتخلص منه، وذلك في إحدى جلسات الجمعية، وقد سجل ذلك التهديد في محاضر الجمعية، ولم تكن المحاولة التي قتل فيها والده هي المحاولة الأولى لقتله، بل سبقتها محاولة أخرى عندما أطلق عليه مجهولون «في ذلك الوقت» الرصاص في العاصمة إسلام آباد، ولكنه نجا من الموت بقدرة قادر، وتبع تلك المحاولة محاولة خطف له عندما كان في زيارة لمدينة كويتا، حيث إن بوتو أصدر أوامره إلى مدير البوليس هناك باختطافه، إلا أن مدير البوليس -والذي اعترف بذلك أمام المحكمة- قال إنه أخبر السيد بوتو بإنه لم يتمكن من ذلك، لأن السيد قيصوري لم يكن يقيم في الغرفة التي حجزها في أحد فنادق المدينة، وإنما كان يقيم مع بعض أصدقائه.
وقد ألقى القبض على قاتلي السيد أحمد نواب خان، وهما من قوات الأمن الاتحادية، القوات التي أنشأها بوتو من المجرمين لفرض طغيانه على الشعب، والقيام بالعمليات القذرة للتخلص من خصومه ومعارضيه السياسيين، ويشاء الله أن يشهد مدير تلك القوات وأحد المقربين إلى رئيس الوزراء السابق السيد «مسعود محمود» بأن بوتو هو الذي أصدر إليه الأوامر لتدبير عملية القتل، إلا أن هذه الشهادة ليست في الدليل الوحيد في تلك القضية، حيث إن هناك وثائق رسمية بخط بوتو نفسه تثبت إصداره لتلك الأوامر، وهذه الوثائق في حوزة الحكومة الانتقالية، وقد طلب محامي السيد قيصوري والمحكمة هذه الوثائق من الحكومة التي وعدت بتقديمها.
• قضية اغتيال الدكتور نذير أحمد، وهو أحد أعضاء الجماعة الإسلامية وأحد ممثليها في الجمعية الوطنية السابقة، وقد اغتيل في عام ١٦٧٣ من قبل شخصين عندما كان يقوم بمعاينة مرضاه في عيادته في مدينة لاهور، ولم يتوصل التحقيق الذي أجرته حكومة -القتلة- إلي شيء، وسجلت القضية ضد مجهولين، وقد قامت وكالة التحقيقات الفدرالية الباكستانية بفتح التحقيق ثانية بعد سقوط حكم السفاح، واظهر التقرير الذي نشرته الوكالة بعد ذلك أن الدكتور أحمد قد تعرض لمحاولتي اغتيال: جرت الأولى في مسقط رأسه في إحدى قرى البنجاب، ولكنه نجا منها، فجرت المحاولة الثانية بعد ذلك بقليل فأودت بحياته، وحول الدوافع إلى قتله قال التحقيق: إن الدكتور نذير أحمد ألقى عدة خطب داخل وخارج الجمعية الوطنية، تعرض فيها لسياسات السيد بوتو، وحمله مسؤولية انفصال باکستان الشرقية، وقد أزعجت هذه الخطب السيد بوتو، الذى أصدر أوامره إلى رئيس وزراء إقليم البنجاب في ذلك الوقت «غلام مصطفى»، للتخلص منه.