; الجذور التاريخية لإرساليات التنصير الأجنبية في مصر | مجلة المجتمع

العنوان الجذور التاريخية لإرساليات التنصير الأجنبية في مصر

الكاتب سوسن سليم إسماعيل

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

مشاهدات 59

نشر في العدد 892

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

* الإرساليات التنصرية في مصر تعمل بتنسيق مع الأديرة المنتشرة في كل مكان.

هذه الدراسة الجادة، المتأنية الواعية، من تأليف الدكتور خالد محمد نعيم، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة المنيا- مصر، فقد صاغ المؤرخ الشاب دراسته، بأسلوب علمي رصين، لقد بذل المؤلف جهدًا مكثفًا لكي يقدم للقارئ المسلم دراسة هي الأولى من نوعها... بعد أن استطاع الحصول على الوثائق السرية، والتي تتناول تاريخ الصليبية العالمية الأسود، وتكشف هذه الوثائق الكم الضخم من المؤامرات والدسائس على عالمنا الإسلامي المعاصر، لكي تنتزع عقيدته ثم يزرع مكانها الضلال والضياع.

يحدثنا الكتاب عن خيوط المؤامرة الكبرى التي تحيكها القوى المسيحية الغربية ضد الإسلام والمسلمين في مصر ورصد المؤلف الإرساليات التنصرية الأجنبية بين المسلمين في قرى ونجوع مصر منذ وفودها مع بداية القرن التاسع عشر تحت مظلة «الامتيازات الأجنبية»، وحتى اليوم «وكانت حركة التنصير قد بدأت تظهر أفعالها في مصر، عقب الحملة الفرنسية مباشرة، عندما امتد نطاق نشاطها من جزيرة «مالطة» عام 1815 إلى الحبشة، وفلسطين وولايات الخلافة العثمانية الإسلامية».

إن صاحب الدراسة لم يألُ جهدًا في البحث والتنقيب خلال المراجع والمصادر العلمية الدقيقة، والتي ساعدته كثيرًا في الوصول إلى هذه النتائج المبهرة، والمثيرة أيضًا وكأي مؤرخة متخصصة، أستطيع أن أقول إن البحاثة المصري، المؤرخ الشاب قد استوفى كل جوانب القضية، التي صاغها في ثلاثة عشر فصلًا، ومقدمة تقع جمعيها في «432» صفحة من القطع المتوسط، نشرتها له دار المختار الإسلامي بالقاهرة في أغسطس عام 1988 وقدم موضوعًا جديدًا قد يساهم في نوعية جيلنا المسلم والأجيال القادمة.

وقد ذكرت جريدة «الشرق الأوسط» في عددها الصادر في الأربعاء 12/10/1988 وتحت عنوان «دراسة جديدة عن جذور الإرساليات التنصيرية الأجنبية في مصر» «وسائل عديدة يستغلها المنصرون الأجانب لتحقيق أطماعهم وأهدافهم في المجتمعات المسلمة، ومن هذه الوسائل التي كان المنصرون يستخدمونها- في القرن التاسع عشر- التنويم المغناطيسي، فقد كشفت ذلك دراسة وثائقية جديدة صدرت حديثًا في القاهرة للمؤرخ المصري البحاثة الدكتور خالد محمد نعيم، وقد أكد- كذلك- المؤرخ المصري أن حركة الجهاد الشعبي ضد تلك الإرساليات الأجنبية، أخذت صورًا مختلفة وتنوعت بين جمع الأموال لبناء المدارس والمشافي والملاجئ، وبين شن الحملات والهجومات ضد أوكار هؤلاء المنصرين الأجانب، واستمرت هذه الحركة الشعبية في تصديها للمُنَصِّرين حتى عام 1937 عندما تم إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر لتأخذ الحكومات المصرية المتعاقبة- منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم- زمام القيادة للتصدي للنشاطات التنصرية الأجنبية.

العوامل المساعدة: 

ومفتاح فهم تاريخ عملية التنصير في مصر يكمن كما أوضح الدكتور نعيم في هذا الكتاب، في عدة عوامل مترابطة، فهناك الدور الغريب لحكام القرن التاسع عشر، الذين مكنوا الأجانب والمستعمرين والمنَصِّرين من البلاد، وتركوا لهم حرية العمل على إفساد العقائد والتغلغل بين أفراد الشعب، بل وأعانوهم على ذلك، كما يوضح المؤرخ المصري، بالتفاصيل الدقيقة، وبجانب ذلك فكان هناك عون سلبي للمنَصِّرين من أولي الأمر عمومًا يتمثل في إهمال الرعاية الصحية، وعدم العناية بالتعليم والثقافة الإسلامية، مما فتح أمام هيئات التنصير باب العمل واسعًا على استغلال حاجات الناس المُلحة، إلى التطبيب والتعليم، والدخول إليهم منها، وما زال هذا هو رأيهم وأسلوبهم إلى يومنا هذا على الرغم من احتكار الحكومة لوسائل ومرافق الخدمات المختلفة، إلا أن انهيارها وسوء إدارتها وانعدام الإحساس بالهدف الإسلامي الأسمي من تقديم هذه الخدمات يمنح المنَصِّرين فرصًا ذهبية للاستغلال، والعمل ضد الإسلام والمسلمين.

ومما يلفت النظر في بحض المؤرخ المصري الدكتور خالد نعيم تلك الصلة العضوية بين هيئات التنصير وبين حكومات دول الغرب الميسحية، ممثلة في مبعوثيها الدبلوماسيين الذين قدموا للمنصرين كل المساعدات الممكنة مما يعد إسقاطًا للمفاهيم العلمانية التي كانت تبشر بها تلك الدول نفسها في ذلك الوقت في مستعمراتها والدول الإسلامية الواقعة تحت نفوذها.

وإذا كان الدكتور خالد نعيم يركز في تأريخه لحركة التنصير على دور الحكام والهيئات الأجنبية في التمكين للمنصرين، فإنه في فصول أخرى من هذه الدراسة يفصل ويوضح دور الشعب المصري الباسل، وعلمائه المسلمين في التصدي لهذه الظاهرة في وقت كان الاستعمار الأجنبي يهيمن على الكثير من مقدرات البلاد.

التحويل للمسيحية:

ويذكر البحاثة المصري «إن هجوم الإرساليات التنصيرية الغربية التي نظمتها القوى الميسحية الأوروبية وغيرها في بداية القرن التاسع عشر كان امتدادًا لحلقات الحروب الصليبية، وحتى اليوم ولكن بطرق سلمية!!» والواقع أنه بعد أن فشلت الحملات الصليبية في مهمتها، ضد الإسلام والشرق الإسلامي، أخذت القوى المسيحية الغربية، تعمل- مرة أخرى- على القضاء على الإسلام فيه، باعتباره قوة أساسية ومصدرًا للانتصارات والمقاومة وذلك عن طريق هذه الإرساليات التنصرية والتي قامت بمحاولات صليبية لإخضاع العالم الإسلامي كله للغرب أو الثقافة الغربية.

بداية النشاط 

والحقيقة أن نشاط الإرساليات التنصيرية في مصر، قد بدأ مع عهد محمد علِي «1805- 1848» ويرجع إنشاء المؤسسات التعليمية التنصيرية الأجنبية في مصر إلى عام 1840 وأول ما ظهر منها «مدرسة الآباء لأرنست» بالأسكندرية وأطلقوا عليها «الكلية الفرنسية» وفي ذات العام تأسست «الجمعية الإنجليكانية البروتستاتنتية» بالقاهرة وبعد أن وطدت الإرساليات نفوذها في مصر، أخذت الحركة التنصيرية تمارس نشاطها من خلال بعض المراكز العلمية والتعليمية الأجنبيية، في ظل حماية الاحتلال البريطاني، الذي كانت قواته تسيطر على مقاليد الأمور في مصر كلها منذ عام 1882 وحتى عام 1952، وقد ظهر بوضوح نشاط هذه الإرساليات مما دفع بالقوى الشعبية الإسلامية، أن تتصدى لهذه الممارسات التي كانت تستهدف الإسلام والمسلمين، فتألفت الجمعيات والروابط الشعبية الإسلامية، «جمعية مقاومة التبشير المصرية»، وأخذت تحارب وتقاوم محاولات المنَصِّرين الأجانب، من تحويل الصبية والفتيات إلى المسيحية.

وكانت هذه الإرساليات قد استخدمت وسائل كثيرة من الضغط النفسي، وإغواء الشباب المسلم، بنساء جميلات من المنصرات الأجنبيات... إلخ حتى التنويم المغناطيسي لتنصير هؤلاء المسلمين في مصر.

الأخيار والأشرار:

ولا شك أن الصورة العامة التي تخرج بها من هذه الدراسة الخطيرة تدحض- كما يرى الدكتور محمد يحيى، الذي قدم الكتاب- «ذلك التصور العام للتاريخ المصري الحديث، الذي دأبت العديد من الدراسات بأقلام المؤرخين العلمانيين على ترسيخها في الأذهان، منذ حوالي نصف قرن أو يزيد، وهذه الصورة تصور التاريخ المصري الحديث المعاصر، في شكل صراع بين طرفين أحدهما خيِّر والآخر شرير، والخيرون هم الأجانب والمستعمرون الذين افتتحوا عصر الحضارة والحداثة في مصر، منذ عهد الحملة الفرنسية، أما الأشرار في الصورة فهم المسلمون عمومًا، وعلماء الأزهر وطلائع النهضة الإسلامية على وجه الخصوص، إذ يوصف هؤلاء دومًا بالرجعية والتعصب والتطرف والتحفز للانقضاض على الأجانب وأعوانهم من المسيحين بلا ذنب ولا جريرة».

لكن الدرس الموضوعي للدكتور نعيم في هذا الكتاب يبين أن الصورة لم تكن على هذا النحو من «الميلودرامية» فالأجانب لم يكونوا أبطال نشر الفكرة والثقافة من خلال مؤسساتهم التعليمية، بل كانوا يعملون- في معظمها- على بثِّ مفاهيمهم وعقيدتهم في وجدان وأذهان المصريين المسلمين، والمصريون المسلمون لم يكونوا دعاة تعصب أو تجَنٍّ على الغير، بل مدافعين عن تراثهم الإسلامي، وعقيدتهم ودينهم، وقد تحلوا بالتسامح والصبر حتى وهم يواجهون بأشد الاستفزازات همجية ووقاحة.

وأخيرًا....

وإذا كان لنا من كلمة، فإننا نقول إنها دراسة موضوعية علمية ترتكز على الحقائق وتعتمد على الوثائق والمصادر الأصيلة وقد صيغت بأسلوب متميز لتنبيه أذهان المسلمين وقادتهم ليس في مصر وحدها وإنما في العالم الإسلامي كله، من خطورة المخطط التنصيري الرهيب، الذي يستهدف تحويل المسلمين جميعًا إلى النصرانية بحلول عام 2000 ولكن الله أكبر وأجل....!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل