; الجزائريون والنقد الذاتي | مجلة المجتمع

العنوان الجزائريون والنقد الذاتي

الكاتب أحمد راؤول

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1988

مشاهدات 58

نشر في العدد 893

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 29-نوفمبر-1988

  • الجيش يجب أن يكون أداة تحرير وبناء لا أداة قمع وكبت للحريات.
  • بن جديد.. هل يصحح مسيرة الجزائر بما يتلاءم وعروبتها وإسلامها؟
  • مجلس الشعب الجزائري سيصبح الرقيب الفعلي للحكومة.
  • المحلات التجارية لها بابان الباب الأمامي للمواطن والباب الخلفي للأحباب والمقربين.
  • لن تستطيع الدبابات منع الشعب الجزائري من المحافل.

فجرت الأحداث الدامية الأخيرة في الجزائر النقاش على أوسع نطاق بين الجزائريين حول قضايا مصيرية تتعلق بمستقبل البلاد، ولأول مرة منذ استقلال الجزائر تعكس وسائل الإعلام وفي مقدمتها الصحافة زخم هذا النقاش وديمقراطيته؛ حيث يتناول النقد البناء كل كبيرة وصغيرة، وتتعرض المفاهيم للمراجعة من أجل صياغة جديدة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجزائرية، ومنذ الشرارة الأولى لتلك الأحداث المؤسفة ظهرت بوادر هذ الحوار القومي الذي عززته عدة قرارات جريئة على طريق التغيير، أقدم عليها الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد إشعارًا منه لكل الجزائريين بأن الجزائر تدخل مرحلة جديدة، لا بد أن يسهم كل فرد وكل جماعة في إنجاحها، وفيما يلي نقدم مقتطفات من أقوال الصحف الجزائرية تعكس نظرة الجزائريين، كما حدث في شهر أكتوبر الماضي، وتكشف لنا عن الإرهاصات التي تعيشها الجزائر هذه الأيام قبل أيام معدودة من انعقاد مؤتمر جبهة التحرير الجزائرية ابتداءً من يوم الأحد 88/11/28

أزمة سياسية لا تموينية

لقد أجمعت الصحف الجزائرية على أن الأزمة الأخيرة التي ولدت الانفجار أبعد من أزمة مواد تموينية، وأكبر من مشكلة «زبدة» مفقودة في السوق، وأنها أساسًا مشكلة سياسية، ولا أدل على ذلك من قرار إجراء استفتاء يوم 88/11/3 ذلك الاستفتاء الذي يرمي إلى الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وذلك بجعل الحكومة مسؤولة أمام مجلس الشعب، الذي سيصبح الرقيب الفعلي للحكومة والمحاسب لها، وقد جاء في بيان الجامعيين الجزائريين الذي نشرته جريدة المساء بتاريخ88/10/31 «أن تغيب الحزب الواحد ومنظماته في هذه المحن، حينما كان من الضروري توقعها، كما أنه من الضروري شرحها واحتواؤها؛ ليدل بصفة جلية على أن أغلبية المواطنين ولا سيما شباب المنظمات لا يجدون ضالتهم، وعليه فإن الجزائريين يشيرون إلى أن الأزمة التي تمر بها البلاد اليوم هي قبل كل شيء أزمة المؤسسات السياسية، وفضلًا عن هذا السبب السياسي الأساسي، هناك أسباب اقتصادية وظروفية...» ثم يتحدث نفس البيان عن الديمقراطية فيقول الجامعيون: «إن هذه الديمقراطية تقتضي تدابير سياسية فورية، منها الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإلغاء الممنوعات والإقصاءات السياسية، وأنها تقتضي أيضًا احترام حقوق الإنسان والحريات العمومية فردية كانت أول جماعية وحرية الصحافة وحرية التعبير، وإن حرية تأسيس الجمعيات بوجه عام وفي المجالين السياسي والنقابي بوجه خاص؛ فهي شرط أساسي لنجاح ومصداقية مجمل المشروع المتعلق بإصلاح الحياة العمومية في البلاد».

والجدير بالانتباه أن مثل هذا البيان ما كان سيجد طريقه للنشر على صفحة من جريدة جزائرية قبل أشهر قليلة، وأن نشره في حد ذاته دون تعديل أو نقصان يعتبر مظهرًا من مظاهر الحرية الصحافية التي جنتها الصحافة الجزائرية، وليس بيان الجامعيين الجزائريين هو البيان الوحيد الذي نشرته الصحافة حول أحداث الجزائر، بل هنالك عدة بيانات نقدية لأفراد ومجموعات، نذكر منها بالخصوص التصريح حول الإصلاحات السياسية الذي أمضاه 18 شخصيةً سياسيةً جزائريةً، من أبرزها عبد السلام بلعيد وعبد العزيز بوتفليقة، ومن أهم ما جاء في هذا التصريح الذي أوردته جريدة المساء بتاريخ 88/10/31 ما يلي:

«أن جبهة التحرير الوطني التي عرفت كيف تعبئ الشعب بكامله حول برنامجها التحريري، وكيف تقوده إلى الاستقلال الوطني، لم تتمكن بعد تحقيق ذلك من الاستعانة بالقوى الحية للبلاد، بحيث أصبحت تفقد بعد كل أزمة فئات كبيرة من إطاراتها الأصيلة ومن شرعيتها الأصيلة، ولم تستطع إدماج القوى الجديدة التي برزت في أوساط الشباب، ولا أن تأخذ تطور المجتمع الجزائري بعين الاعتبار، ومن ثم وجب من الآن فصاعدا أن تحل الشرعية الشعبية الجديدة محل الشرعية التاريخية التي نفدت واستهلكت بمرور السنين». 

المحسوبية

لم تقتصر الصحافة الجزائرية في تحليلها للأحداث على الأسباب البعيدة والعميقة، بل تطرقت كذلك بجرأة إلى الأسباب القريبة المباشرة، والتي تمثلت في النظام الإداري البيروقراطي والمحسوبية، وقد ذكرت صحيفة المساء في عددها رقم 946 «أن المواطن الجزائري يتفهم الأوضاع والظروف، وهو لا يغضب من أجل سلطة مفقودة بسبب ظروف اقتصادية صعبة، إنما يسخط على استمرار تقاليد بالية، أصبحت تتحكم في تقاليد البيع والشراء في هذه المحلات التجارية، التي أصبح لها بابان أحدهما للمواطن وثانيهما «وطبعًا يكون دائمًا الباب الخلفي» مخصص للأحباب «وسي فلان»، ومن يدخل هذا الباب بسيارته وليس راجلًا لا يعرف شيئًا اسمه الندرة، فهو يرى بأم عينيه كل شيء مكدس ومتوفر والحمد لله....»، وبعد أن تطالب الجريدة بمحاسبة هؤلاء المبذرين لأموال الشعب المتحكمين في السوق تقول: تولد شعور عميق لدى المواطن بأنه يتعامل مع سلطتين: سلطة رسمية وسلطة خفية تتحكم في سلوكه وتوجهه حسب مصالحها، بالإضافة إلى أن السلطة الرسمية كثيرًا ما تتخذ قرارات وخاصة عند رفع الأسعار دون أن يعلم بذلك المواطن إلا عندما يصطدم بها في الواقع، بحيث أصبح المواطن يعامل كمادة جامدة أي ليس هنالك تقدير لردود فعله...».

الدوائر الاستعمارية

لقد اغتنمت الدوائر الاستعمارية الفرنسية بالذات فرصة الأحداث الجزائرية الأخيرة للنيل من ثورة الجزائر، وتسريب المفاهيم الغربية، كطرحها كبديل في معترك الاختيارات السياسية والثقافية والاقتصادية الراهن، علاوة على كون هذه الدوائر بدأت تتوجس خيفة من التقارب المغاربي الذي برز في السنة الأخيرة، وقد تعرضت الصحافة الجزائرية لهذه الدوائر وأذنابها، وأشارت إليهم بأصبع الاتهام، فقالت جريدة المساء بتاريخ88/11/4 تحت عنوان لماذا وقع ما وقع؟ «إن الدوائر الاستعمارية أدركت أن الجزائر ستخرج من دائرة نفوذها الثقافي؛ لذلك اغتنمت فرصة هذه الدوائر الاستعمارية الأحداث، لتشويه سمعة الجزائر لأنها لم تهضم أبدًا ما جاء في خطاب الرئيس فيما يتعلق باللغة الفرنسية، كما أنها لاحظت أن بناء وحدة المغرب العربي بدأ يسير بطريقة محكمة.... إن الدوائر الاستعمارية لم تطق رؤية قادة المغرب العربي وهم يتصافحون ويتعانقون ويضعون مشاريع اقتصادية وثقافية لتوحيد المغرب العربي بقلوب ملؤها الصدق والإيمان، إن ما نستنتجه من هذه الهجمة الشرسة للإعلام الغربي الفرنسي بالخصوص، هو أن هنالك ترابطًا عضويًّا بين الاستعمار ومخلفاته، ليس في الجزائر فقط ولكن في المغرب العربي كله، إن بكاء أجهزة الإعلام على ضياع حقوق الإنسان يجعلنا نتساءل متى طبقت فرنسا حقوق الإنسان؟ 

وشنت الصحافة الجزائرية هجومًا عنيفًا على الشيوعيين الجزائريين الذين وصفتهم بخفافيش الظلام، وعرتهم على حقيقتهم، وكشفت تاريخهم المخزي، وذلك بمناسبة ركوبهم الأزمة الأخيرة ومناداتهم بمقاطعة استفتاء 3 نوفمبر؛ لأنه في نظرهم لا يسمح بالتعددية الحزبية، وذكرت جريدة المساء أن الشيوعيين الفرنسيين هم الذين أسسوا للشيوعيين الجزائريين فرعًا للحزب الشيوعي في العهد الاستعماري، وقالت الجريدة: «وبقي الحزب الشيوعي الجزائري» تابعًا له «للحزب الشيوعي - الفرنسي» يتبنى برامجه، ويتكلم لغته، وفي الوقت الذي كانت فيه الحركة الوطنية الجزائرية تنادي بحقوق الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال؛ كان الحزب الشيوعي الجزائري يعارض هذه الطروحات، مناديًا باندماج واتحاد العمال الجزائريين مع العمال الفرنسيين في انتظار صعود البروليتاريا إلى الحكم في فرنسا؛ لتكوين دولة العمال الموحدة المندمجة بين الجزائر وفرنسا».

البحث عن الذات والتغريب

من الطبيعي عندما يفتح باب الحوار على مصراعيه أن تطرح المفاهيم الغربية، وتجد في الجزائر - وليس ذلك مقصورًا على الجزائر وحدها - من يدافع عنها بحرارة، ويتبناها ويريد تثبيتها على كل المستويات، وفي الفترة الأخيرة تحركت أقلام إسلامية للرد على الطروحات التغريبية وإبطالها، من ذلك المقال الذي كتبه «سليم فلاله» في صفحة أوراق الخميس بجريدة الشعب بتاريخ 88/11/3 تحت عنوان الديمقراطية... الطريق نحو البديل، وقد بدأه بقوله: «النموذج البديل للديمقراطية» عبارة، قلما يعترض عليها أحد سوى أولئك الذين تشبعوا بالفلسفات الغربية المختلفة اليمينية واليسارية على حد سواء، كلنا نريد هذا النموذج البديل الذي تراه يختلف عما هو سائد في المجتمعات الغربية؛ لأننا نريد أن نعيش تجاربنا ولا نكرر تجارب آخرين، أن نبدع ولا نقلد، أن تبتكر ونطور لا أن نجتر ونكرر، هذا هو إحساسنا كشعب يؤمن في قراره أنه ينتمي إلى حضارة متميزة عن حضارة الآخرين، وأنه مكلف بالاستجابة إلى رسالة وتبليغها للآخرين...». 

وفي موضع آخر يتساءل كاتب المقال قائلًا: «نحن الآن مثلًا نتكلم عن الحرية والمسؤولية، فهل بينا حدود هذه الحرية ومحتواها والفلسفة التي تنبع منها؟ وهل بينا حقيقة هذه المسؤولية، فعرفنا حرية من؟ ولقول ماذا؟ وفي أي إطار فكري؟ ومسؤولية من؟ وأمام من؟ ويعطينا نماذج للاختلاف حول المفهوم الواحد باختلاف الداعين إليه فيقول: «فهذا يرى الحرية «فرصة» لا تعوض في هذه الأيام للتشكيك في قيم الأمة والطعن في مكتسباتها ورفض انتمائها وتهميش دينها واحتقار لغتها ونشر البيانات بما يفيد ذلك، وذاك يرى فيها فرصة لفتح ذراعيه أمام أعداء الأمس متناسيًا تاريخًا كاملًا وقبول حتى أولئك الذين باعوا الدين والوطن واضطهدوا أبناء هذا الشعب من «الهركي» وأبناء «بيجار» وأمثالهم... بل وآخرون أصبحوا ينادون في وضح النهار ببراءة الاستعمار وفرنسا والغرب عامة مما نحن فيه ملصقين كل ما وصلنا إليه بالانتماء إلى هذه الحضارة الإسلامية التي كانت في واقع الأمر ملاذنا الأخير الذي لولاه لانتهينا منذ زمن طويل. «والمسؤولية؟ هل ينظر إليها من منظورنا السليم؟ أم أنها أصبحت أداة التحرر من كل الضوابط؟ هذا يخادع نفسه ويقول: أنا لست مسؤولًا إلا أمام نفسي وضميري، وكأن له نفسًا وضميرًا! والآخر يعلن أنه مسؤول أمام مبادئ الماركسية اللينينية، تضبط تصرفاته وتحدد مساره، وهو يتحدث عن مصير الشعب، وكأن مجتمعنا اعتنق هذه المبادئ!! وثالث لا يعتبر نفسه مسؤولًا سوی أمام غرائزه وشهواته وحاجاته المادية، وكأن هذا الشعب من الشعوب اللقيطة التي لا جذور لها ولا عمق لها ولا تاريخ لها ولا فلسفة حياة، كل حياتها من أجل حاجات بطنية مادية تريد أن تأكل لا أن تكون.

وبذلك استغلت «الديمقراطية» التي لم يربط محتواها بهذا المجتمع؛ لتحطيم كل تميز أو أصالة من شأنها أن تدفع به إلى تثمين قيمة «الديمقراطية» النابعة منه، والتي تسد الطريق في وجه تلك الأقلية العاملة في الخفاء والعلن، من أجل تغريبه؛ لذلك فإن الطريق السليم المؤدي نحو هذا البديل السياسي ينبغي أن يمر عبر إعادة الاختبار لقيمنا الأصيلة التي بإمكانها أن تقف في وجه كل انحراف نحو البدائل الغربية المطروحة حاليًا على الساحة. 

وفي هذا الجانب الخاص بالحرية والمسؤولية ينبغي أن تثمن المقولة النابعة من صميم تجربتنا الحضارية القائلة: «إن الناس أحرار من كل شيء إلا من العبودية لله، ومسؤولون عن كل شيء أمام الله» بمعنى أن الحرية لا ينبغي أن تتجاوز حدود الله التي هي حدود الإسلام.

مهما يكن من أمر فإن فورة النقد الذاتي التي يعيشها الجزائريون هذه الأيام، وتعكسها صحافتهم ووسائل إعلامهم الأخرى، هي علامة صحوة وصحة ودليل عافية، لا يخشى منها بقدر ما يرجى منها خير كثير ،ونحن وإن كنا لا ننجم بالغيب بعلمنا، فإننا متفائلون بقدرة الجزائريين على تخطي الصعاب وتصحيح المسيرة.. بما يتلاءم مع أصالتها وتاريخها النضالي وعروبتها وإسلامها، ونحن على يقين بأنه لن يصح في جزائر المليون ونصف المليون شهيد سوى الصحيح والأصيل، وأما الزبد فيذهب جفاء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل