العنوان الجزائريون يصوتون لصالح التغيير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1990
مشاهدات 67
نشر في العدد 971
نشر في الصفحة 11
الثلاثاء 19-يونيو-1990
في أول انتخابات
ديمقراطية منذ استقلال الجزائر عام 1962، وفي أول انتخابات تخوضها الجبهة
الإسلامية للإنقاذ في الجزائر في إطار التعددية الحزبية، حققت هذه الجبهة فوزًا
كبيرًا على منافسها الرئيسي جبهة التحرير الجزائرية العريقة التي قادت البلاد إلى
الاستقلال وحكمتها في إطار ديكتاتورية الحزب الواحد.
فماذا يعني هذا النجاح لجبهة إسلامية ناشئة عمرها يعد بالشهور؟
إذا كانت الجبهة
الإسلامية للإنقاذ في الجزائر حديثة العهد، فإن الإسلام عريق فيها، وفي المغرب
العربي كله، ولذلك فإن هذه الجبهة لم تكن بحاجة إلى وقت طويل أو جهد كبير لتعبئة
الجماهير لفائدتها بمجرد انفتاح أبواب الحرية وسقوط أسوار الديكتاتورية وإثبات
رئيس الدولة الشاذلي بن جديد لإصراره على سلوك طريق الديمقراطية واحترام اختيارات
الشعب الجزائري مهما كانت هذه الاختيارات ومهما كانت حسابات الربح والخسارة
بالنسبة لجبهة التحرير الحاكمة. حقًا لم تكن انتخابات 1990/6/12 إلا انتخابات
محلية للمجالس البلدية والمحافظات، ولكنها كانت علامة فارقة في الحياة السياسية
الجزائرية باعتبار نتائجها التي أظهرت حجم كل فريق وثقله، وباعتبار ما سينبني على
تلك النتائج مستقبلًا.
وقد سمعنا حتى
قبل ظهور نتائج تلك الانتخابات بمناداة عباس مدني بحل البرلمان وبإعادة تشكيل
الحكومة حتى يحظى فيها الإسلاميون بما يتناسب وحجمهم وبما يضمن تمثيليتها للقوى
السياسية الجزائرية كلها، والآن وبعد فوز الإسلاميين رسميًا بنسبة 52% من أصوات
الناخبين مقابل 31% لجبهة التحرير فإن الوضع في الجزائر لن يبقى على ما هو عليه،
ومن هنا تحدثت أوساط عديدة ولا سيما في فرنسا عن صدمتها وذهولها من تلك النتيجة
التي لم تكن تتوقعها، ومن ذلك الفوز الكبير للجبهة الإسلامية وما ينطوي عليه من
تغييرات مستقبلًا، فمن الآن بدأنا نسمع عن تخوف من ضرب الفرنسية وتقليصها في
الجزائر وبدأنا نسمع من يبكي على الحرية في الجزائر، فقد قال الوزير الفرنسي لشؤون
الشباب "الحرية في خطر في الجزائر" في تعليق له على انتصار الجبهة
الإسلامية للإنقاذ، وكأن الجزائريين كانوا ينعمون بالحرية وقد صوتوا بأنفسهم
مختارين ضد الحرية.
لقد حاول هؤلاء
المتخوفون من المد الإسلامي في الجزائر وغيرها من الدول العربية، التخويف من
الإسلاميين ما استطاعوا وبذلوا جهدهم لتصوير الحركات الإسلامية بالحركات المتطرفة
التي لا تعرف إلا اللجوء للعنف لحل المشاكل، ولكن محاولاتهم لإثناء الجماهير عن
تزكيتها باءت بالفشل، فالجماهير الجزائرية ليست بالغبية حتى تصدق ما تكتبه صحف
غربية أو متغربة تؤججها أيادي يهودية صهيونية لا تريد الخير والرفعة والتقدم لهذه
الأمة.
إن الانتصار
الإسلامي الكبير في الجزائر يعزى إلى تجذر الجزائريين في إسلامهم وعودتهم الجارفة
إلى أصالتهم وتاريخهم بعدما تفرقت بهم السبل وضاعوا في متاهات التفرنس أو التمركس
"نسبة إلى ماركس"، إنهم بإدلائهم بأصواتهم للجبهة الإسلامية إنما يعبرون
ببساطة عن بحثهم عن سبيل منقذ بعدما كبرت أزماتهم وتعقدت حياتهم الاجتماعية
والاقتصادية وضاقوا ذرعًا بحالهم التي كانوا يتطلعون إلى تحسنها، وإذا بها تسوء
فيخيب الأمل ويعقد الرجاء من جديد على ما كان ملهمًا للنصر على الأعداء في حرب
التحرير، فخلال ربع قرن من الاستقلال زاد عدد السكان الجزائريين أكثر من الضعف إذ
تقدر الزيادة بـ 15 مليونًا خلال هذه الفترة في حين لم يبن إلا مليون مسكن ولم
يتوفر سوى 4,5 مليون مكان عمل، فتفاقمت أزمة السكن وتفاقمت أزمة البطالة وتفاقمت
الهجرة بحثًا عن لقمة العيش وذهب جزء كبير من أموال النفط والغاز لسداد ثمن
المستوردات من المستهلكات ولم تعد تكفي شعارات الماضي والتنويه بكفاح الأجداد لجلب
الشباب الجزائري الذي لم يعرف الاستعمار ولم ير الجنود الفرنسيين على أرضه إلى
حظيرة حزب جبهة التحرير. إن مصداقية أي جبهة أو تيار أو نظام سياسي أصبحت تتمثل
بالدرجة الأولى في حل المعضلات اليومية للجماهير والبحث عن آليات وخطط معقولة
ومقبولة تبعث الأمل في النفوس وتقوي الرجاء في غد أفضل وأفق أرحب، أما إذا تراكمت
السلبيات وتفاقمت المشاكل فإن ذلك لن يولد إلا الانفجار وهو ما حدث في الجزائر في
أكتوبر 1988 وكان بمثابة اللمبة الحمراء التي أضاءت أمام النظام الجزائري الذي أخذ
منذ ذلك الوقت يمهد طريق الديمقراطية بخطى أسرع وعزم أقوى رغم العديد من المعوقات
في الداخل والخارج.
واليوم يعتبر
الرئيس الشاذلي بن جديد بحق أبو الديمقراطية الجزائرية وضامنها؛ حيث وفّى بما وعد
وحرص على أن تتم العملية الانتخابية في كنف الحرية التامة والنزاهة، وهكذا تكون
السلطة الجزائرية قد نالت احترام الجميع في الجزائر وخارجها.
ويبقى الآن على
الإسلاميين بعد هذه النتائج الباهرة التي حصلوا عليها أن يبرهنوا على أنهم في
مستوى المسؤولية وفي مستوى الآمال المعقودة عليهم وأن يضعوا نصب أعينهم أن
المسؤولية مهما كانت كبيرة أو صغيرة هي تكليف لا تشريف وأنها عبء يفخر المرء عندما
يتحمله على الوجه الأكمل وأن الجماهير الجزائرية التي منحتهم أصواتها تأمل منهم
الكثير وهي تراقب ما يفعلون وما سيفعلون وكل الأمل ألا يخيب أملها.