العنوان الجزائر: الإسلاميون والعمل المسلح في الجزائر
الكاتب سليمان شنين
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
مشاهدات 104
نشر في العدد 1015
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
ظاهرة العمل الإسلامي
المسلح في الجزائر: الجذور والصراع الداخلي
الجذور التاريخية والبدايات الأولى
من المواضيع الشائكة التي أسالَت حبر كثير من الصحفيين، وأثارت اهتمام عموم
المسلمين والعاملين في الحقل الإسلامي، ظاهرة العمل الإسلامي المسلح في الجزائر.
ولأهميته وكثرة القيل والقال عنه، لتوضيح الصورة، اتصلت "المجتمع" بمن
لهم دراية بهذا الموضوع، وحاولت أن تصل إلى الحقيقة التي يفتقدها الكثير.
نشأة العمل المسلح (1981
- 1987)
إن بداية العمل الإسلامي المسلح في الجزائر قد يُؤَرَّخ لها في سنة 1981،
حيث هاجمت مجموعة من الشباب الملثمين ثكنة عسكرية في محافظة باتنة في شرق
الجزائر، وحاولت أن تستولي على الأسلحة. وكان من بين عناصر هذه المجموعة المدعو ملياني
عبد القادر الأضامي، والذي قُبض عليه في شهر يوليو 1992 بعد اشتباك مع قوات
حفظ الأمن.
في سنة 1982، تبنَّى الأخ مصطفى بو يعلي هذا التوجه. وهو رجل
جاهد في الثورة الجزائرية وكان ضابطًا في جيش التحرير، غير أن زاده من العلم كان
قليلًا، ولم يبلغ من الفقه درجة تجعله يستقطب أو يستوعب التساؤلات الكثيرة
المطروحة لدى أبناء الصحوة. لكن رغم هذا، كانت عاطفته جياشة لإقامة الحكم
الإسلامي. واتصل بمجموعة الدعاة الموجودين في الجزائر آنذاك ورفض معظمهم هذه
الفكرة. وكان من الموافقين للعمل المسلح الشيخ العرباوي - رحمه الله - الذي
كان معروفًا بخطابه الحاد تجاه السلطة وانتقاداته اللاذعة لها، وكذلك الشيخ علي
بلحاج - أطلق الله سراحه.
إلا أن مصطفى بو يعلي لم ينتظر رأي الدعاة وتوجه إلى الجبل، وبدأ يجمع
الشباب في إطار عمل سري لم يقم خلاله بأي عملية تُذكر حتى 1985، حين شن
هجومًا على ثكنة الصومعة بمحافظة البليدة. ومن وقتها بدأت السلطات
تبحث عنه، وأُلقي القبض عليه في سنة 1987م بعدما استعمل الجيش سائقه، حيث
اختطفوا ابنه رهينة وساوموه بقتله أو أن يدلهم على مكان بو يعلي. فدلهم سائقه على
مكانه واستطاع رجال الجيش أن يُعدوا له كمينًا في المكان الذي كان متواجدًا فيه،
ولقي حتفه مع السائق وخمسة آخرين، ونجا شخصان لازالا على قيد الحياة.
مرحلة التوسع وظهور الجبهة الإسلامية للإنقاذ
وبعد أحداث أكتوبر 1988 التي شهدتها الجزائر، توسعت دائرة المقتنعين
بأسلوب العمل المسلح لإقامة الدولة الإسلامية لعدة عوامل:
1. انتشار ظاهرة الهجرة والتكفير.
2. توافد بعض الشباب الجزائري الذين عزفوا عن الجهاد في أفغانستان نتيجة
اتصالهم بـ جماعة الجهاد، وما كانت تُثيره من شبهات حول الجهاد الأفغاني
ومصداقيته، وكان لهؤلاء دور في تبنِّي العمل المسلح في الجزائر.
3. الخطاب الإسلامي المتميز بـ المفاصلة والتصنيف العدائي للنظام،
والمُغَذَّى بالتربية الجهادية غير الموجهة، والرافض للحوار والتعامل السلمي.
إلا أن السلطات الجزائرية أدركت خطورة هذا التوجه على استقرار البلاد،
وحاولت تطويق هذه الظاهرة بالاعتراف الرسمي بالأحزاب الإسلامية، وكانت البداية
الاعتراف بـ الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS). [الجريدة الرسمية الجزائرية (لتمثيل مرجعية التشريعات): https://www.joradp.dz/]
الجبهة الإسلامية وصراع
الجناح المسلح
بعد الإعلان عن تأسيس الجبهة الإسلامية - والتي كانت مكونة من عناصر إسلامية
مختلفة في التوجه والاتجاه وقيادات متنوعة ومتعددة - كان منهم من هو مقتنع بضرورة
وجود العمل المسلح. هذا الأمر دفع ببعض عناصر مجلس الشورى الوطني أن
يقترحوا اعتماد جناح مسلح يُلجأ إليه عند الحاجة. إلا أن الأغلبية كانت
ترفض ذلك، مُعللة رفضها بـ طبيعة المنهج السلمي للجبهة الإسلامية.
لكن أصحاب الرأي الأول كانوا يرون أن لهم مبرراتهم لتأسيس جناح مسلح، حيث
كان هدف الجبهة في البداية إنقاذ المساجين مثل عبد القادر شبوطي الذي
اعتُقل مع مصطفى بو يعلي. وقد تم فعلاً الاتصال بوزير العدل مرتين، وأُطلق سراح
المساجين في عهد رئيس الجمهورية الأسبق الشاذلي بن جديد.
وبعد خروج عبد القادر شبوطي وعبد القادر ملياني من السجن، حاولت المجموعة
التي كانت ترى ضرورة وجود العمل المسلح إدماجهما داخل تشكيلة مجلس الشورى، إلا أن
هذا الطلب قوبل بالرفض من طرف الشيخ عباسي مدني. بل رفض حتى اعتلاءهم منابر
التجمعات التي كانت تقيمها الجبهة الإسلامية. كما تجدر الإشارة إلى أن صراعًا
كبيرًا كان قائمًا بين عناصر مجلس الشورى الوطني في التبرئة أو عدمها من
الأعمال المسلحة التي لوحظت في فترة وجود الجبهة على ساحة العمل السياسي.
الانزلاق نحو العنف
وتداعيات الأزمة
المتتبع لأحداث الجزائر لا يخفى عليه إضراب "حزيران" (يونيو)
1991 الذي دعت له الجبهة الإسلامية. وفيه شعر بعض قياديي الجبهة بالهزيمة
السياسية بعدما تلاعب بهم رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش وغيره من
الساسة، مما استوجب ضرورة الاستناد إلى سند عسكري كورقة ضغط.
وبدأ الاتصال لترتيب هذا الموضوع وتكونت نواة داخل بعض المحافظات، ونشطت
المجموعات المسلحة، حيث تم اعتقال رجال الأمن وتجريدهم من أسلحتهم. كل هذا
والسلطات تراقب الوضع، وتحاول بث عناصرها داخل هذه المجموعات حتى تُحدث عملية التوازن
وتُحسن بها المناورة في الوقت المناسب.
وفي نفس الوقت، كان الإعلام المدفوع والموجه يُهمل ما يحدث في
الجزائر. وتناقلت الأخبار أن الجهاد قد أُعلن في الجزائر، وتوافد كثير من
الشباب الجزائري الذي كان موجودًا داخل أراضي أفغانستان. وكانت النتيجة اعتقال جمع
كبير منهم، وتم التحكم في إحدى أكبر تخوفات النظام الجزائري.
ولما أعلنت الجبهة الإسلامية للإنقاذ دخول الانتخابات البرلمانية،
قللت المجموعات المسلحة من عملياتها؛ لاعتقادها أن الأحزاب الإسلامية قد تستطيع
الحصول على أغلبية المقاعد، وبالتالي تسهل عملية إقامة الدولة الإسلامية. إلا أن
إعلان حالة الطوارئ واستقالة الرئيس بن جديد زادت في قناعة هؤلاء
بالفكرة المتمثلة في أن الدولة الإسلامية لا تقوم إلا بالعمل المسلح أي الجهاد.
صراع الأجنحة واغتيال
بوضياف
في المدة الأخيرة حدثت عدة تغييرات على مستوى الهرم القيادي للجبهة
الإسلامية، وتكونت خلية للأزمة معظم عناصرها من تيار "الجزارة"،
وهُمِّشت العناصر السلفية الأخرى، خاصة وأن عملها أساسًا هو للتحرير وطباعة
المنشورات لأسماء متنوعة ("النفير"، "السلف"،
"الإنقاذ"...).
ولكن الذي يُلاحظ هو أن هذه الجماعة تجتهد لاحتواء المجموعات المسلحة، وضغطت
عليها بالمال بعدما استنفدت كل الوسائل للاتفاق، ليتجه الصراع القديم. ومعظم
النشريات التي تُنشر تفتقد إلى الموضوعية، وتتبنَّى بسذاجة أحيانًا التهويل مما
يحدث داخل البلاد رغم صحة بعض الأخبار التي توردها. ولعل اغتيال بوضياف خير
دليل على ذلك، حيث سعت بعض هذه التجمعات إلى تبنِّي الحادث في البداية كنوع من
البطولة، وإلصاق التهمة بالجبهة.
في الوقت الذي أكد فيه مسؤولون آخرون في الجبهة وعلى رأسهم سليمان عباسي
مدني ابن الشيخ عباسي مدني أن الجبهة لم تقم بهذا الأمر ولا تشجع عليه.
وبالتالي فإن هذه المجموعات تُلصق الآن بأفعالها غير المنطقية التُهم لجبهة
الإنقاذ، في الوقت الذي توجد فيه أجنحة أساسية في الجبهة ترفض هذا الأسلوب كطريق
للتغيير. إلا أن وضع البلاد تحت القهر والظلم هو الذي يدفع الشباب المتحمس إلى هذا
الطريق. ولو وجد الإسلاميون في الجزائر القنوات الشرعية للتغيير مفتوحة أمامهم،
لما وقعت الجزائر فيما هي فيه الآن، ولما اتخذت السلطات تصرفات فردية لبعض الأشخاص
وسيلة لضرب العمل الإسلامي كافة، ولما دُفع الشباب المتحمس إلى هذا الطريق؛ لأن الكبت
والقمع هو الذي يدفع دائمًا للانفجار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل