العنوان الجزائر بلد التقلبات
الكاتب ميشال جوبار
تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1993
مشاهدات 97
نشر في العدد 1068
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 28-سبتمبر-1993
عاد الاهتمام الإعلامي والسياسي بالوضع في
الجزائر منذ أن أخذت المواجهة بين الإسلاميين (خاصة المعارضة المسلحة) والسلطة
منعرجًا جديدًا باستهداف بعض رموز الفرنكفونية والتغريب من المثقفين والإعلاميين.
وتحركت الآلة الإعلامية الغربية بالأساس، وفي
بلدان عربية تتبنى أنظمتها الحل الأمني ضد الإسلاميين (تونس ومصر بصفة أخص)، من
أجل الدفع نحو الحسم مع الخصوم بحجة أن هؤلاء تجاوزوا الخط الأحمر باستثناء بعض
التقارير الصحفية المعتدلة التي دعت إلى مراجعة المسار قبل فوات الفرصة الأخيرة من
أجل الحوار والتفاوض.
وفي هذا المقال يقوم أحد الملاحظين المتابعين
باهتمام للوضع المغاربي وزير الخارجية الفرنسي سابقًا ميشال جوبار بقراءة تطورات
الوضع في الجزائر على ضوء المستجدات التي عاشتها الجزائر.
تحولت الجزائر إلى قضية دولية. وهذا الواقع
يفرض نفسه مهما كانت بساطة واعتدال الأخبار والتعليقات.. وقد يكون لبعض الصحفيين
المعاقبين هنا والمهددين هناك بسبب مبادرات بسيطة، رأي آخر، بالطبع.
لكن هذا القطر الآهل بـ٢٦ مليون ساكن المرتبط
بإفريقيا السوداء والمنفتح على البحر المتوسط بـ۱۲۰۰ كم من السواحل، وكان طوال تاريخه
مصدرًا دائمًا للتساؤل بالأحرى وليس لليقين. ولا يناقض الوضع الحالي لدولة الجزائر
هذا المعطى. ومن المشروع أن يتزايد الاهتمام الخارجي بقدر تصاعد الغموض الداخلي.
والأحداث معروفة خاصة منذ أن أوقفت السلطات الحكومية المسار الانتخابي في يناير ۱۹۹۲م وإن تم تمديد حالة الطوارئ
المعلن عنها منذ عام إلى شباط «فیفری» ۱۹۹۳م.
وباغتيال محمد بو ضياف رئيس المجلس الأعلى
للدولة بلغ الغموض السياسي المتصاعد ذروته. وقد نكون عرفنا المثال البطولي لجيل
حرب التحرير ولكن وبسرعة أيضًا الإثراء الفاحش والفوضى بالتوافق مع دغمائية
اجتماعية واقتصادية بهدف جلب الإعجاب الشعبي.
ونتج عن الشكل الهيكلي ومشهد الفوارق المجحفة
خيبة أمل الشباب الباحثين عادة عن منقذ في التعبئة الدينية. ويحتاج الجزائريون
بالخصوص إلى البحث عن خصوصياتهم في تعدد حساسياتهم وتسامحهم فيما بينهم مجسدين
بذلك التنوع البشرى للبلاد ولتاريخها. كما كتب أحد الجزائريين «من أجل التصالح مع
نفسها فقط لأنه إذا كانت الجزائر تخاف من أحد- وهي الملحة في طلبها مع الآخرين–
فإنها تخاف أولًا من نفسها ويجب تحصينها من نفسها».
إلا أنه مع الأسف لم يحصل الشعب البتة على
مفاتيح مستقبل إنقاذي في وضع حرب أهلية ضروس ودورة حتمية على التجاوزات والقمع في
الوقت الذي تقطع فيه البلاد أوصالها في تنافس شديد من أجل السلطة، ومهما كانت
الطاقات العاطفية وطاقات النسيان، فإن الانعطاف نحو أنواع التطرف والتأرجح المأساوي
وعدم الاهتمام وبكلمة بين معرفة الذات وتصالح الجزائري مع نفسه لم يتشكلا ويتجسدا
بعد.
فتحويرات ١٠ يوليو الماضي التي كانت بمثابة
هيكلية سياسية عسكرية حقيقية تم تأويلها بصفة مختلفة في الداخل والخارج، وهذا يعنى
أنه ليس هناك شيء واضح كما يجب أن يكون.
ومنذ عام ١٩٦٢م كان الجيش ضروريًّا باستمرار
من أجل التوازن والتوجهات السياسية وعدم معاينة الأمر البتة جعل العديد من
الملاحظين لا يفهمون شيئًا، ومثلت جبهة التحرير الوطنية من زوايا عديدة غطاء
مناسبًا، لكنها كانت تحمل في طياتها العديد من التجاوزات التي لم يغفرها الشعب،
وعلى رأسها جمود الطاقم السياسي وعاداته السيئة، وكذلك الحريات والامتيازات
المتحصل عليها من جراء ممارسة السلطة. وفي الوقت الحاضر لن نقوم من الخارج بالتكهن
بمستقبل نجاح رئيس أو لجنة أو وزير أول. فبداية ليس هناك نجاح وإنما سلبيات وأخطار.
ولنكثف الملاحظة بأن الجيش دعم سلطته على
القيادة السياسية في الوقت الذي أعاد فيه تنظيم وسائله للمواجهة وأنه اختار التصدي
لتمرد الجبهة الإسلامية للإنقاذ بدل الدخول في حوار معها في حين أن هذه الأخيرة
تجد نفسها أشد قوة من أجل مهاجمة الجيش بعتاد مضاد للدبابات.
فهناك 20.000
رجل يحاولون ضمان أمن منطقة الجزائر العاصمة ويحتاج إلى عد كبير
من الجنود في عدة نقاط في بلد مترامي الأطراف. وأمام هذا الواقع فإن التوازنات في
السلطة بين السياسيين والعسكريين، كما أن عملية تقسيم سلطة جد هشة تعتبر سخيفة لأن
الشيء الذي مازال يؤخذ في الحساب وبصفة مستمرة هو الموافقة بل الحماس الشعبي
والاجتهاد في الفضيلة هو السبيل الوحيدة لإحياء هذه المعاني خاصة وأن الجبهة
الإسلامية للإنقاذ قد جعلت من هذا السبيل شعارنا الثابت.
ويمكن أن تتواصل الحرب الأهلية ويتسع نطاقها
إلى أن تنتصر الجبهة الإسلامية للإنقاذ بطريقة شرعية أو غير شرعية. وتبقى طويلًا
في الحكم بفضل المصادر النفطية والغازية قبل أن ينقطع تأثيرها السحري على الشعب.
أو أن تقوم فرق ظرفية حسب نسبة إمكانياتها وطموحاتها باقتطاع مناطق (ثلاث أو أربع)
تحتوي على ميناء أو على حقل «للغاز أو للنفط» أي ما يكفي للتعامل بيعًا وشراء مع
الخارج وهو أمر مألوف تاريخيًّا.
لكن الوطنية الجزائرية الخامدة طويلًا
والمتأججة غالبًا قد تعاني كثيرًا من جراء ذلك ويمكن بل يجب التعويل عليها في
نهاية المطاف.
- ترجمة وإعداد: محمد الغمقى– باريس عن مجلة جون أفريك ۲٥/۸/۱۹۹۳م
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل