; الجزائر في ظل المجلس الأعلى الحاكم.. إلى أين؟! | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر في ظل المجلس الأعلى الحاكم.. إلى أين؟!

الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 68

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

الجزائر في ظل المجلس الأعلى الحاكم.. إلى أين؟

يواجه المجلس الأعلى الحاكم في الجزائر مع نهاية العام الحالي 1993م مأزقًا في غاية الحرج؛ إذ إن فترته الانتقالية التي حددها لنفسه عقب توليه السلطة إثر استقالة أو تنحية بن جديد، وإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي اكتسحت جبهة الإنقاذ الإسلامية الأغلبية الساحقة لمقاعد مرحلتها الأولى - تنتهي في ديسمبر القادم. ومعنى هذا أن المجلس الذي تشير كل الدلائل والشواهد على تمسكه وتشبثه بالسلطة مطالب بالبحث عن مخرج يعبر من خلاله هذا المأزق، ويضمن لنفسه عبره شكلًا من أشكال الاستمرارية والبقاء على مقاعد الحكم متخطيًا رغبة وتطلعات الجماهير في الجزائر، ومتحاشيًا بقدر الإمكان المزيد من الاستفزاز الذي قد يؤدي إلى مزيد من الاضطراب ثم المزيد من المصادمات التي يخشى النظام أن تتسع نطاقًا وتتصاعد مستوى إلى حد المواجهة الشاملة.

وكان المجلس قد أعلن منذ أكثر من شهر عن جولة جديدة من الحوار بينه وبين الأحزاب والجماعات الجزائرية -مستثنيًا جبهة الإنقاذ- ثم عاد فأعلن ومن خلال كثير من المصادر من بينها أعضاء في المجلس نفسه أنه في سبيله إلى عقد مؤتمر وطني في يوليو الحالي يشارك فيه النظام وكل الأحزاب والجماعات التي ترفض الإرهاب، وذلك لإجراء حوار حول عدد من الموضوعات من أهمها:

·         فترة انتقالية جديدة للمجلس تتراوح بين عامين وخمسة أعوام تبدأ من ديسمبر القادم أو يناير القادم.

·         تقليص عدد أعضاء المجلس الأعلى لينحصر في ثلاثة: رئيس ونائبين للرئيس.

·         توسيع المجلس الاستشاري ليشمل أعدادًا جديدة من الأحزاب إضافة إلى توسيع اختصاصاته.

·         إجراء استفتاء حول ما تنتهي إليه ندوة الحوار في شهر أكتوبر القادم.

واضح أن المجلس الأعلى يريد إضفاء شيء من الشرعية على وجوده واستمرار وجوده في السلطة. وواضح أن المجلس الأعلى يحاول إغراء الأحزاب على القبول بالتعاون وإجازة خطته وبرنامجه الذي يسميه بالإجراءات الدستورية، ووقوفها معه خلال استفتاء أكتوبر القادم، وهو أيضًا يحاول إغراء الأحزاب من خلال إعلانه عن الاستعداد لتوسيع المجلس الاستشاري ليشمل أعضاء جددًا من تلك الأحزاب، إضافة إلى إعلانه الاستعداد لتوسيع اختصاصات المجلس، وعلاوة على ذلك فهو يلوح بعصا الترهيب حين يعلن أن الأحزاب التي لن تتفق معه حول الخطوط العريضة لبرنامجه أو خطته فلن يكون لها دور في الفترة القادمة.

إذن فالمجلس -أو بمعنى أدق- القوة الحقيقية التي تمسك بزمام السلطة في الجزائر متشبث بالسلطة.. متشبث بمد الفترة الانتقالية، وهو في نفس الوقت يسعى لإضفاء شيء من الشرعية على وجوده على قمة السلطة، إلا أن ثمة سؤالًا يطرح نفسه وهو: ما مدى تجاوب الأحزاب والجماعات مع مخطط أو تخطيط المجلس الأعلى الحاكم؟

في جولتي الحوار اللتين أجراهما المجلس مع أحزاب وجماعات الجزائر - لم تقف هذه الأحزاب موقف التأييد أو الدعم بالنسبة للمجلس. بل إن بعضها قاطع الحوار وبعضها الآخر ومن بينها جبهة التحرير وجبهة القوى الاشتراكية طالبت بإشراك الإنقاذ في الحوار.. وإن كانت قد حاولت تلطيف الموقف حين طالبت بإشراك العناصر المعتدلة من الإنقاذ.. إلا أنها كلها على وجه التقريب قالت إنه لا يمكن تجاهل وجود «الإنقاذ» الشعبي ووجودها في الشارع الجزائري، بل إن بعض الأحزاب طالب بضرورة إشراك الجيش الجزائري في الحوار كسبيل للإعلان عن دوره الحقيقي والفعلي في إدارة الأحداث وإدارة السلطة في البلاد، بدلًا من تستره وراء المجلس الأعلى الذي يضم خالد نزار كعضو.. ولكنه يمثل الرجل القوي في الجزائر.

عبدالحميد مهري، أمين جبهة التحرير الجزائرية، قال معلقًا على النظام الحاكم في الجزائر وفي نفس الوقت موضحًا موقف الجبهة إزاء الموقف الحالي والأوضاع الحالية في الجزائر: «إن أي نظام لا ينبني على الإرادة الشعبية فهو نظام لن يتحقق له الاستقرار. والأوضاع اليوم في الجزائر لا تنبني على الإرادة الشعبية بل تجافيها وتحاول بقدر إمكانها وأغلبه عسكري أن تفرض نفسها أو تدور وتلف حول الرغبة الشعبية الأمر الذي يعني مزيدًا من التصادم ومزيدًا من عدم الاستقرار تدفع الجزائر ولا شك ثمنه.. ولكن حسب المعدل الذي يمضي به سيودي بالنظام».

ومعنى هذا أن الأحزاب تدرك أبعاد الأوضاع في الجزائر، كما تدرك أبعاد اللعبة التي يسعى إليها العسكر -وهم القوة المهيمنة حقيقة على الأوضاع في الجزائر- لكي يلعبوها، والمجلس الأعلى والجيش خلفه يدرك خطورة الأوضاع ويسعى لاجتياز الموقف الصعب الذي يقترب موعده مع نهاية الفترة الانتقالية في ديسمبر القادم.

ولقد أدلى السيد عبدالسلام بلعيد رئيس الوزراء بأكثر من حديث وفي أكثر من لقاء ومن بين ذلك مؤتمر منظمة أبناء الشهداء، وتعرض في أحاديثه لموقف القوى الشعبية الفاعلة في الجزائر وأيضًا لموقف الجيش ووضعه ومن بين ما قاله مصورًا الأوضاع في الجزائر: إن ثلاثة ملايين جزائري انتخبوا جبهة الإنقاذ لا يمكن استبعادهم أو تجاهلهم، وإن كان اختيارهم قد تم بحسن نية وأخطأ المسار وأضر بمصالح البلاد وأنه يستبعد أي اتصال مع عناصر المجموعات المسلحة! ثم طالب بالالتفاف حول الجيش، وفي الوقت الذي هاجم فيه الشيوعية وأصحاب النزعة البربرية عاد فقال: إن عليهم -بعد أن فشلوا في المسار التعددي وتغلغلوا في بعض المواقع الاستراتيجية- أن يتعاونوا مع النظام الذي يعلن قبوله لهم أو أن يستمروا في طريقهم ليساعدوا المتطرفين على تسلم الحكم.

ترى ماذا ينتظر المجلس الأعلى الحاكم في الجزائر في المؤتمر الوطني المزمع عقده في يوليو الحالي ليضم الأحزاب والحكام؟!

واضح أن الأحزاب والجماعات ليست على استعداد للرضوخ ترغيبًا أو ترهيبًا لمطالب ورغبات المجلس الأعلى. وواضح أن المجلس الأعلى حريص على اجتياز الموقف الذي يزداد حرجًا باقتراب موعد نهاية أو إنهاء الفترة الانتقالية.

ومن الواضح أيضًا أن الأحزاب الجزائرية بل وفريقًا من العناصر المشاركة أو المتصلة بالسلطة يعرفون أن الشارع الجزائري رغم الأحداث الدامية على ساحة كل الجزائر لم ينحز إلى المجلس الحاكم، ولم يعلن الرضا والقبول بسياساته خاصة والأزمة الاقتصادية تزداد قسوة والأجواء تزداد قتامة.

يضاف إلى ذلك أن المجلس أوضح عن خططه المستقبلية حين قال عبر أكثر من مصدر: إن التعددية والديمقراطية قادمتان بعد انتهاء الفترة الانتقالية الجديدة وتنظيم الساحة الجزائرية، حيث سيتم استبعاد فكرة إنشاء أحزاب على أسس دينية، بما يعني أن الجماعات الإسلامية التي يجري الحوار معها اليوم.. يجري التخطيط في نفس الوقت لإبعادها عن الساحة، الأمر الذي يدعوها إلى المزيد من الترقب والمزيد من الحذر.

ترى هل يلجأ المجلس الأعلى لفرد العضلات وفرض الخطط وأن يسفر الوجه العسكري عن نفسه ويمارس في العلن دوره ومن خلال السعي للعودة بالجزائر إلى زمن بومدين ملقيًا من تاريخها تجربة بن جديد التي ارتفعت خلالها شعارات الديمقراطية والتعددية وأجريت خلالها أول انتخابات تشريعية حرة ونزيهة!

بلعيد رئيس الوزراء يقول: إن الإرهاب صار من الصعب اجتثاث جذوره في الفترة الراهنة، فهل سيكون من السهل اجتثاث جذوره الفترة القادمة؟

مع مضي أحداث الجزائر في إطارها الراهن.. ومع مضي المجلس الأعلى الحاكم في تنفيذ مخططه أو خططه دونما تعديل أو اعتبار للأوضاع في الشارع الجزائري.. فإن مسلسل سفك الدماء مرشح للاستمرار في الجزائر، ومن ثم يصبح الاستقرار المأمول أو المنشود بعيد المنال؛ لأنه من الضروري أن ينبع من رضا وقبول الشعب الجزائري.. في الشارع الجزائري.

اقرأ أيضًا:

الانتخابات الحرة هي المخرج الأساسي للمأزق الجزائري

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل