; الجزائر إلى أين..؟ | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر إلى أين..؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1985

مشاهدات 80

نشر في العدد 745

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 10-ديسمبر-1985

اختتمت اللجنة المركزية لجبهة التحرير الجزائرية دورتها الخامسة عشرة يوم 27/ 11/1985، بتعليق التعديلات التي كان من المقرر إجراؤها على النص الجديد للميثاق الوطني المسمى «مرجع أساسي للاشتراكية الجزائرية» وأجلت البحث في هذه التعديلات إلى يوم 24/12/1985، وهو الموعد الذي حددته اللجنة المركزية لافتتاح المؤتمر الطارئ لجبهة التحرير الوطني لمناقشة إقرار نص جديد للميثاق المذكور.

ومن الجدير بالذكر أن هذا المؤتمر غير العادي هو الثاني من نوعه الذي يعقده الحزب منذ تولى الرئيس الشاذلي بن جديد السلطة في عام 1979 والرابع من نوعه الذي تعقده جبهة التحرير الوطني منذ وفاة هواري بومدين عام 1978.

ومن المعروف أن هناك مناقشات تجري في الجزائر منذ عدة أشهر «لإثراء الميثاق الوطني» كما يقول الرئيس بن جديد، ولقد رافق هذه المناقشات منذ شهر سبتمبر الماضي حملة إعلامية رسمية في الجزائر ضد سياسة بومدين بدأت بتعليق تلفزيوني مطول تصدى لأولئك الذين «أداروا ظهورهم للمسيرة العلمية، عاكفين على الارتجال والمذاهب التجريبية الضحلة، التي يتضمنها خطاب سياسي دون الأخذ بالحقائق الموضوعية الاقتصادية الوطنية».

وأضاف التعليق المذكور: أنه منذ حزيران «يونيو» 1980 وهو تاريخ انعقاد المؤتمر الاستثنائي بعد انتخاب الشاذلي بن جديد جرى توجيه ضربة قوية لتلك الحالة المؤسفة، أما الآن فإن الوقائع الاقتصادية ومنجزاتها يجري بحثها وتحليلها دون مباهاة وديماغوغية والواقع القائم والظاهر النشاط قد تجاوز كل الشعارات الفارغة.

وسط هذا الجو الدعائي والحوار السياسي كانت هناك اعتقالات وعمليات مطاردة وهجمات مسلحة كان أبرزها الهجوم على ثكنة عسكرية في منطقة الصومعة، على بعد أربعين كيلومترًا إلى الجنوب من العاصمة الجزائرية، حيث سيطر المسلحون ليلة 25- 26/8/1985 على الثكنة وقتلوا ضابطًا فيها واستولوا على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر ولم تستطع أجهزة الإعلام الرسمية التعتيم على هذا الحادث كما فعلت في حوادث سابقة، فاعترفت به ونشرت جريدة المجاهد الجزائرية صورًا لثلاثة من المتهمين الذين لم يلق القبض عليهم وهم أصحاب لحى قالت إنهم ينتمون إلى مجموعة من المتعصبين المسلمين الذين يبدو أن لهم أشياعًا في بعض المناطق يرسمون ويخططون ويجتهدون في تفسير آيات الدين بما يتوافق مع مصالحهم ومناهجهم كما قال أحد المسئولين في أجهزة الأمن.

وذكرت «المجاهد» أن العقل المدبر لهذه المجموعة هو مصطفى أبو علي، في الرابعة والأربعين من عمره وكان قد صدر عليه حكم غيابي إلى جانب مائة وخمسة وثلاثين من أنصاره المتطرفين الدينيين.

وقد صدر بيان عن منظمة أطلقت على نفسها اسم «منظمة الجهاد الإسلامي» وارتبطت باسم أحد رموز المجاهدين أثناء الثورة الجزائرية وهو الشيخ صادق المنذري أعلن البيان مسئولية المنظمة عن عملية «الصومعة» وما سبقتها من عمليات أخرى وأخذت المنظمة على الحكومة ما وصفته بالذل في العلاقات مع فرنسا وخاصة ما يتعلق بالموقف الرسمي مما يعانيه العمال الجزائريون في فرنسا، وطالبت بإعادتهم ليساهموا في بناء الوطن ويعيشوا حياة كريمة، كما طالبت المنظمة بعدم الاقتداء بالنهج الغربي في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية واتهمت المسئولين باستيراد الخمور ولحم الخنزير والنساء، وبناء قرى لممارسة اللذة وحدائق للدعارة في الوقت الذي يتم فيه منع الناس من أداء فريضة الحج حيث يتم تحديد عدد المسموح لهم بالذهاب إلى مكة المكرمة كل عام.

وحمل بيان المنظمة على المسئولين الجزائريين واتهمهم بتحويل المجتمع الجزائري إلى مجتمع ماركسي مادي وإقامة علاقات مع أنظمة معادية للإسلام خصوصًا مع أثيوبيا والاتحاد السوفييتي.

وأعلنت وكالة الأنباء الجزائرية أن مجموعة مسلحة اشتبكت يوم 21/10/1985 مع قوات الجيش في منطقة الأرباع بالقرب من بليدة فقتلت خمسة من الجنود، وأعلنت الوكالة الجزائرية عن اشتباك آخر جرى يوم 5/11/1985 بين مسلحين وقوات الجيش في منطقة عويض العليج على بعد عشرة كيلومترات من الأرباع، ثم جرى اشتباك آخر يومي 5– 6/11/1985 في منطقة حطاطية على بعد 50 كيلومترًا جنوب غرب العاصمة الجزائرية.

وفي أواخر تشرين أول «أكتوبر» الماضي وقعت مصادمات بين قوات الأمن الجزائرية وبين متظاهرين في «تيزي أوزو» عندما قامت مجموعة من أعضاء «لجان أبناء الشهداء» المحظورة بمحاولة لمنع المسئولين المحليين من وضع أكاليل زهور على مقابر الشهداء في ذكرى انتصار الثورة الجزائرية، وقالت مصادر مطلعة إن المتظاهرين كانوا يطالبون بإطلاق سراح أعضاء لجان أبناء الشهداء وأعضاء الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، وذكرت وكالة الأنباء الجزائرية أن المتظاهرين تذرعوا بالحكم الذي صدر على المطرب «منجلي» -وهو من البربر ويغني باللغة البربرية- وقد بدأت الأحداث بعد خروج الجمهور من ستاد مدينة تيزي أوزو ثم امتدت إلى المدارس الثانوية وإلى جامعة تيزي أوزو، ومن الجدير بالذكر أن أحد أقطاب الثورة الجزائرية وهو «حسين أيت أحمد» يقيم الآن في باريس لاجئًا سياسيًّا.

إن الإضطرابات وأعمال العنف التي حدثت في الجزائر خلال الأشهر الماضية تتفاعل مع مجموعة من الأحداث السياسية التي رافقت هذه الاضطرابات، منها :

•زيارة الرئيس من جديد إلى الولايات المتحدة، وهي أول زيارة يقوم بها رئيس جزائري لواشنطن.

•زيارة الرئيس بن جديد لتونس وإعلان الجزائر عن موقفها الداعم لتونس في مواجهة ليبيا التي قامت بطرد العمال التونسيين.

•تصريحات أحمد بن بيلا الرئيس السابق للجزائر والمقيم على ما يبدو في سويسرا حيث قال إن الاقتصاد الجزائري يتجه نحو الكارثة خصوصًا في الميدان الزراعي وإن الإسلام يستطيع حل مشاكل الجزائر، وقال إن السلطات الجزائرية تقمع أي محاولة لممارسة النقد حيال سلوك النظام، ونسب إلى بن بيلا قوله إن تفتيش السلطات الفرنسية لبيته في باريس ومصادرتها أسلحة كانت مخصصة لحرسه الخاص كان نتيجة صفقة بين السلطات الفرنسية والجزائرية هدفها إبعاده عن باريس وعن الجالية الجزائرية هناك.

•التساؤلات التي ثارت أثناء مناقشات «إثراء الميثاق الوطني» حول قضية «الأثرياء الجدد» ومدى تطبيق الشريعة الإسلامية في دولة ينص دستورها على أن «دين الدولة الإسلام»، والتخلص على أثر هذه المناقشات من عدد من الكوادر والقياديين المشكوك في ولائهم. 

•الحملة ضد مؤيدي «الجمعية الجزائرية لحقوق الإنسان» وكذلك لجنة مساعدة أبناء الشهداء. 

تقول الصحفية الأمريكية باربارا سميث في مقال لها لصحيفة القبس مؤخرًا: من المفارقات أن أفضل علاقات لأمريكا مع دول شمال أفريقيا في الآن مع الجزائر التي نددت بها واشنطن ذات مرة ووصفتها بأنها دولة ماركسية وعميلة للاتحاد السوفييتي في المنطقة، ثم تقول: ترى أمريكا بأن الملك الحسن الثاني يتعاون معها بسبب إحساسه بالضعف، ولكن الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد الذي زار واشنطن هذا العام يعتبر براغماتيًّا حقيقيًّا، والحقيقة أن دور الجزائر في الإفراج عن الرهائن الأمريكيين الذين كانوا محتجزين في طهران كان عاملًا مهمًّا في تغيير وجهات النظر الأمريكية، ثم تضيف: وتتحد وجهات النظر الأمريكية والجزائرية في رفض القذافي.

يقول الأخ «مازن صلاح مطبقاني» في رسالته للحصول على درجة الماجستير في التاريخ الحديث، حول «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية»: «سعت فرنسا منذ احتلالها الجائر إلى محو الشخصية الإسلامية وذلك بالقضاء على مقوماتها الأساسية، الدين واللغة، فاستولت على الأوقاف التي كانت مصدر تمويل للتعليم وهدمت الكثير من المساجد التي كانت بمثابة المدارس وسيطرت على الطرق الصوفية التي أدخلت الخرافات والبدع ومزقت وحدة شمل البلاد.. ثم بدأت حركة الإصلاح على يدي بن باديس والإبراهيمي والعقبي والميلي والزاهري وغيرهم».

ولقد ضحت الجزائر في ثورتها الكبرى بحوالي مليون شهيد ثمنًا لطرد المستعمر والحصول على الاستقلال الوطني والعودة إلى أصالتها الإسلامية ولغتها العربية.

وإذا كانت الإحصاءات الحديثة تشير إلى أن عدد سكان الجزائر 22 مليون نسمة معظمهم من الشباب وتحديدًا فإن 60% منهم دون العشرين و70% منهم دون الثلاثين. 

يقول جزائري يقطن في فرنسا: إن الجيل الجديد -13 مليون شاب جزائري- جيل الاستقلال والتعريب لم تعد فرنسا تسحره فضلًا عن أنه معقد حيال المستعمر القديم، هذا الجيل الجديد يبحث اليوم عن هويته الأصيلة. 

في هذا الوقت تشجع الحكومة الشباب للانخراط في الألعاب الرياضية التي وضعتها في مصاف الضرورة الوطنية وأصبحت المقاهي تفتح إلى ساعات متأخرة من الليل وشارع ايسلي القديم في الجزائر تحول إلى شارع للمشاة من المراهقين الذين يتناولون المرطبات، وفي سيدي فریج نظمت حفلات راقصة للشباب.

وفي المقابل فإن هناك حركة إسلامية نشطة أخذت تجتذب الشباب وأصبح يشاهد في شوارع الجزائر الإسلاميون الذين يرتدون اللباس الأبيض والنساء المحجبات، كما أن المدارس التي تعلم القرآن أصبحت تغص بالطلاب، والكتب الإسلامية أصبحت في كل مكان، وأصبح أئمة المساجد ينتقدون الحكومة علنًا وحين اعتقلت السلطات عددًا من الإسلاميين نظمت الجامعة الإسلامية تظاهرة تحت شعار «الإسلام في مواجهة الغزو الثقافي» شارك فيها أكثر من ألف طالب. 

إن الشعب الجزائري اليوم يتحرك حثيثًا نحو العودة إلى الذات متمثلة هذه الذات في الإسلام عقيدة وشريعة، حضارة وثقافة، ولا بد لهذه الحركة المباركة من عراقيل قد تأخذ شكل مصادمات عنيفة أحيانًا وحيل ومماطلات ومؤامرات أحيانًا أخرى، وبالتأكيد فإن الأصابع الخارجية المعادية للإسلام ستتحرك لتحرك بدورها الأتباع الذين ضلوا عن الطريق. 

وما يجري في الجزائر اليوم ليس منقطعًا عن محيطه الجغرافي والتاريخي المعاصر، ثم إن الوحدات التي تتم والانقسامات التي تحدث بين دول المغرب العربي وتبدل المواقف والصداقات ليست بعيدة عن هذه التفاعلات التي تجري على أرض الجزائر هذه الأيام.

وفي انتظار الرابع والعشرين من هذا الشهر، نسأل الله أن يوفق الجزائريين جميعًا للعودة إلى منهج الدين الحنيف دين التوحيد والعزة والرخاء والعدل، وأن يبعد عنهم كيد الكائدين ومؤامرات المتآمرين.

الرابط المختصر :